محرم إينجه.. الأمل المشتق من الهزيمة في الانتخابات

ينبغي أن ينعكس الزلزال الذي شهده حزب الشعب الجمهوري بعد الانتخابات على برنامج الحزب وعلى ضخ دماء جديدة داخله. وقد بعث إينجه إشارات تحمل هذا المعنى.
السبت 2018/06/30
الخروج من المأزق بالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس

استطاع محرم إينجه أن يتخطى نسبة 30 بالمئة، بعد 41 عاما مضت على تحقيق حزب الشعب الجمهوري نسبة 40 بالمئة تحت قيادة بولنت أجاويد في عام 1977؛ ليحدث بذلك فجوة في الجدار المنيع كي ينفذ من خلالها ضوء الشمس إلى داخل الغرفة المظلمة.

قال محرم إينجه في المؤتمر الصُّحفي، الذي عقده للتعليق على نتائج الانتخابات “إذا لم تهنئوا الطرف الآخر، فهذا يعني أننا لن نخوض السباق مرة أخرى. سنخوض السباق من جديد”. بثت هذه الكلمات الأمل في نفوسنا ووسعت من حجم الفجوة التي أحدثتها نتيجة الانتخابات؛ ليدخل إلى تلك الغرفة المظلمة شعاع الأمل.

على الجانب الآخر أشاد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، ماهر أونال، بمحرم إينجه قائلا “موقف محرم إينجه اليوم يستحق التقدير”، فيما كانت جملته “لا يمكنكم أن تحرزوا نصرا بالاكتفاء بمراقبة هزيمة الآخرين. يتعين عليكم أن تعملوا كثيرا حتى تصنعوا نصركم الخاص” مؤشرا على نية الحزب الحاكم تضييق الخناق على المعارضة وأنه لن يسمح بنفاذ المزيد من الضوء.

والواقع أن نتائج انتخابات 24 يونيو 2018 ستظل محل نقاش، وأن تحليلها من زوايا عديدة سيستمر لفترة طويلة.

المؤكد الآن أن تركيا قد خطت بهذه الانتخابات أولى خطواتها نحو مرحلة سيختفي معها النظام البرلماني الذي عهدناه منذ عقود، ذلك النظام الذي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، وسيتغير معه النظام الانتخابي والسياسي، وأسلوب استخدام السلطة في الدولة كذلك.

سيسجل التاريخ أن يوم 25 يونيو 2018 هو أول يوم من المرحلة الجديدة التي ستنطلق خلالها السيارة، التي لن يقودها إلا شخص واحد على الطرق إلى المجهول.

ومن المقرر حسب التقويم التشريعي أن يجتمع مجلس النواب بكامل أعضائه، البالغ عددهم 600 عضو في الثامن من يوليو؛ أي بعد يومين من الإعلان النهائي عن نتيجة الانتخابات في الخامس من يوليو المقبل.

وبعد انتهاء مراسم أداء القسم، ستبدأ أعمال تشكيل الحكومة الجديدة، وسيعين رجب طيب أردوغان مجلس الوزراء المكون من 16 وزيراً، وسيتسلم أردوغان مهام الحكومة من رئيس الوزراء “السابق” بن علي يلدريم. وبحلول النصف الأول من يوليو، سيكون الأمر برمته قد انتهى. وعندها ستشرع الحكومة ونظام الحكم الجديد في ممارسة مهامهما، خلال فترة جديدة ستستمر لمدة خمس سنوات مقبلة.

يشير الوضع الراهن إلى أن أردوغان سيبدأ فترة رئاسية ستستمر خمس سنوات، بداية من 23 يونيو الجاري حتى عام 2023. ومع هذا أريد أن أؤكد هنا أن احتمال الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، قبل انقضاء المدة المقررة كما حدث في هذه المرحلة، لا يزال قائما.

النظام الرئاسي الذي أوجده الحزب الحاكم في عالم السياسة تحت زعم تحقيق الاستقرار في حكم البلاد وضمان الاستمرارية ووضع حد لعصر الائتلافات، هو نفسه الذي لجأ إلى تكوين ائتلاف جديد جاء به من صناديق الاقتراع، ليس هذا فحسب، بل وأجبر الأحزاب وهي تتوجه إلى صناديق الاقتراع، على تكوين ائتلافات مع أحزاب أخرى، واصطحاب هذه الائتلافات معها بعد انتهاء الانتخابات إلى المجلس، وحتى إدارة البلاد.

وقضى حزب العدالة والتنمية بهذه الخطوة على الانفراد بالسلطة، كما كان الوضع في النظام القديم ﺒـ293 عضواً، وصار عاجزاً عن تحقيق الأغلبية بمفرده في البرلمان بعدد أعضاء 301 عضو. ومع هذا فقد ضمن تحالفه مع حزب الحركة القومية “تحالف الشعب” بقاءه في السلطة. ولو دققنا النظر في النتائج المعلنة لأدركنا أن حزب العدالة والتنمية قد حصل بشكل فعلي على 42 بالمئة من الأصوات، وأن نسبة 10 بالمئة من الأصوات، التي رجحت كفته في انتخابات الرئاسة، إنما جاءت إليه من تحالفه مع حزب الحركة القومية. وبحساب نسبة الأصوات الخاصة به وحده، يتبين أن نسبة المؤيدين له قد انخفضت بواقع سبع نقاط؛ مقارنة بما حصل عليه في الأول من نوفمبر عام 2015.

ومما لا شك فيه أن أردوغان سيظل يبحث باستمرار عن دعم حزب الحركة القومية في كل مرة يريد فيها استصدار قانون من مجلس النواب، إذا استثنينا بالطبع المراسيم التي تخول له سلطاته استصدارها. وإذا حدث أي اختلاف بين الحزبين فسيجد نفسه في حاجة ماسة إلى دعم واحد أو اثنين من الأحزاب المُكَوِّنة لتحالف الأمة، الأمر الذي سيجبر أردوغان شخصيا على الميل باستمرار إلى انتهاج سياسة تصالحية؛ حتى لا يخسر طرفاً قد يحتاج إليه في المستقبل.

وإذا قرر حزب الحركة القومية في وقت من الأوقات أن ينسلخ عن حزب العدالة والتنمية، حينئذ ستكون السلطة ائتلافية بين الحزبين. وفي هذه الحالة سيفقد حزب العدالة والتنمية الأغلبية داخل البرلمان، ولن يكون بمقدور اللجان المختصة داخل المجلس أن تُمَرِّر ما تريده من قوانين بين عشية وضحاها، الأمر الذي سيجبر حزب العدالة والتنمية على انتهاج سياسة تصالحية من جديد. أما إذا ارتضى دولت بهجلي، وحزب الحركة القومية، أن يكونا مثل “الجندي” الذي ينفذ أوامر رؤسائه من دون تفكير فهذا أمر آخر.

أردوغان سيظل يبحث باستمرار عن دعم حزب الحركة القومية في كل مرة يريد فيها استصدار قانون من مجلس النواب

وبالإضافة إلى هذا، يتعين على أردوغان وحكومته الجديدة، التعامل مع الصعوبات الاقتصادية خلال فترة وجيزة، والابتعاد عن الاقتصاد الانتخابي، وأن يسرعوا في القيام بالإصلاحات الهيكلية، التي طالما تحدث عنها  نائب رئيس الحكومة محمد شيمشك مرارا قبل الانتخابات بقوله “سنسرع في هذه الإصلاحات بعد الانتخابات”، وبالتالي ستكون على جدول أعمال البرلمان.

سينهمر على أردوغان عما قريب وابلٌ من المشكلات؛ بداية من الوقود السائل إلى السجائر، ومن الكهرباء إلى الغاز الطبيعي. سيجد نفسه كذلك محاصراً بفاتورة القروض الضخمة التي قدمها خلال فترة الانتخابات، وإعانات الفائدة، والتخفيضات الضريبية، والإعفاءات التي أقرها واحدا تلو الآخر.

ومن المؤكد أن هناك قطاعات واسعة من المجتمع ستشعر بضيق وتذمر شديدين من الإجراءات التقشفية التي سيتبعها أردوغان، والتي قد تصاحبها مطالب أخرى لحزب الحركة القومية. أما بهجلي، الذي يُنتظر أن يطالب في القريب العاجل بإصدار عفو عام، فسيظل على دكة الاحتياط بالنسبة إلى أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وسيظهر باستمرار في صورة “الطرف الذي يقدم التنازلات” فحسب. وحسب رأيي، هذا الوضع سيجعل بهجلي يرضخ في النهاية.

وعلى الطرف الآخر ينبغي أن ينعكس الزلزال الذي شهده حزب الشعب الجمهوري بعد الانتخابات على برنامج الحزب، وعلى ضخ دماء جديدة داخله. وقد بعث محرم إينجه في خطابه إشارات تحمل هذا المعنى.

وإلى جانب فارق النقاط الثماني بين صوت إينجه، والصوت الذي حصل عليه النائب عن حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات، فقد ثارت ردود أفعال حول كمال كليجدار أوغلو ومَن حوله، بعدما تساوت الأصوات مع حزب العدالة والتنمية في منطقة جانكايا التابعة لأنقرة، التي تعد معقل حزب الشعب الجمهوري، بالإضافة إلى تراجع أعداد نواب الحزب عن منطقة يني محله، وإسطنبول وإزمير وأنطاليا.

كان كمال كليجدار أوغلو، الذي انزوى في بيته كعادته في استفتاء 16 أبريل، وفي انتخابات الأول من نوفمبر 2015 ليلة الانتخابات، في بؤرة ردود الأفعال التي تزامنت مع الانتخابات. ليس هذا فحسب بل ثارت نقاشات داخل حزب الشعب الجمهوري حوله، بعد أن اختار قائمة المرشحين في مجلس النواب بمفرده، بالتعاون مع بولنت تزجان، وقام بتصفية فريق إينجه تقريبا، في الوقت الذي تعالت فيه الأصوات منادية بتجديد الدماء داخل حزب الشعب الجمهوري، وتبني وجهة نظر أكثر ديناميكية مع إينجه قبل الانتخابات المحلية في 30 مارس 2019.

وعلى الجهة المقابلة، نجد أن أردوغان كان يعكف باستمرار على تجديد الدماء داخل حزب العدالة والتنمية؛ بإحداث تغييرات جذرية داخل الحزب قبل كل انتخابات. وكانت هذه التغييرات تطال الحكومة المحلية والمرشحين ورؤساء البلديات. أعتقد أن الوقت قد حان لأن ينتهج حزب الشعب الجمهوري نفس النهج في ما يخص هذه النقطة. ولا أبالغ إذا قلت إن الحزب تأخر كثيرا في خطوِ هذه الخطوة، فيما ترددت الأقاويل بأن قول إينجه “سنتخطى حاجز اﻟـ50 بالمئة كما تخطينا حاجز اﻟـ30 بالمئة في هذه الانتخابات” و“إذا قالوا لنا انصرفوا من أمامنا، فسأقول لهم أنا ههنا، إني على أهبة الاستعداد”، كان بمثابة رسالة إلى الإدارة العليا في حزب الشعب الجمهوري؛ حملت معنى “أفسحوا لي الطريق”، فقد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ “سر أمامنا”، تفاعل معه مرتادو المواقع بكثافة.

وفيما أكدت هذه المشاركات جميعها على فكرة “لا تتركوا إينجه وحيدا”، نجد أن كل المشاركين فيها قد وضعوا نصب أعينهم مهمة زيادة هذه المشاركات من 15 مليون مشاركة إلى 30 مليون مشاركة؛ رغبةً منهم في بث روح من شأنها أن تحول حالة الكآبة، التي صاحبت الخسارة في الانتخابات، إلى روح حماسية تسري بين المواطنين.

يبدو أنه لم يعد من مفر آخر سوى أن تهب رياح التغيير في المستقبل القريب داخل حزب الشعب الجمهوري. فإلى جانب عدم ظهور الحزب الصالح وحزب السعادة بالنجاح المتوقع من خلال “تحالف الأمة”، نجد أن حزب السعادة قد أخفق في أن يكون له تأثير على الكتلة التصويتية لحزب العدالة والتنمية، في الوقت الذي استطاع فيه الحزب الصالح أن يجتذب أصواتا من حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية. الجانب اللافت أيضا في هذه النتائج هو تراجع الكتلة التصويتية لحزب السعادة إلى 3 – 4 بالمئة، وعلى النقيض من ذلك اتجه التصويت إلى حزب الشعب الجمهوري في محافظات مثل أديمان وقره بوك وإلازيغ وقهرمان مرعش.

وتشير التقييمات الأولية لنتائج الانتخابات إلى أن محرم إينجه وأصدقاءه شرعوا على الفور في التعامل مع الأمر بحكمة ليحولوا الإخفاق إلى نصر، وذلك بالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس وليس العكس.

لم ينظر محرم إينجه وفريقه إلى فوز أردوغان على أنه انتصار ساحق، وهو الذي فقد الأغلبية بين الأحزاب الستة، التي يتكون منها هيكل مجلس النواب، بعد أن وجد نفسه مجبراً على اتباع سياسة المهادنة في ظل ظروف اقتصادية سيئة؛ تضغط على المواطن التركي، بل على النقيض من ذلك أخذ يستعد لكي يحول الوضع الراهن إلى انتصار سياسي قبل الانتخابات المحلية. ويمكن القول إن ما يقوم به إينجه من استعدادات هو بمثابة “آلام التشريح لحالة اليأس الراهنة من أجل الخروج بحل من هذا المأزق”.

9