محسن إبراهيم الشيعي اللبناني بصورته التي تُحرج حسن نصرالله

مراجعة السيد إبراهيم النقدية تكشف أن قضية فلسطين انتُزعت تماماً من أصحابها، وتحوّلت إلى بازار يتحكم به أولياء الأمر في دمشق وطهران. وانطلاقاً من قراءته لهذا الواقع المر، قدّم اعتذاراً عن "إباحة لبنان للمقاومة الفلسطينية وتحميله ما يفوق طاقته".
الأحد 2020/06/14
"سيّد" المقاومة الأول وتحولات الشارع

حين سيُقرأ هذا المقال، ستتعالى على مقربة من قارئه، في شارع الحمرا، أو في الضاحية أو الجبل أو في أي مكان من لبنان، أصوات المتظاهرين اللبنانيين وهم يحتجون على التدهور الكبير الذي أصاب لبنان، ليس اقتصاديا وحسب، بل وحتى على المستوى الوطني والإنساني في ظل حكومة اللون الواحد. وبعد سنوات من إحكام النفوذ الإيراني على البلاد. وفي الأسبوع الذي كان يحيي فيه اليسار اللبناني عموماً والمطالبين بالحرية والسيادة والاستقلال خصوصاً الذكرى الخامسة عشرة لاغتيال الصحافي سمير قصير، أعلنت وفاة الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي والقائد اليساري السابق السيد محسن إبراهيم أحد القادة السياسيين اليساريين البارزين الذين لعبوا دوراً مهماً خلال المواجهات والمعارك الكبرى التي شهدتها المنطقة، بعد عمر مديد ترك خلاله بصمات واضحة على الحركة السياسية في لبنان منذ منتصف القرن الماضي، وبصمات أكثر وضوحاً خلال فترة الحرب الأهلية التي كان يتبوأ خلالها السيد إبراهيم منصب الأمين العام للحركة الوطنية اللبنانية.

وإذا كان البيان الشهير الذي تلاه من منزل الزعيم الراحل كمال جنبلاط في العام 1982 في عز الحصار الإسرائيلي لبيروت وإلى جانبه صديقه ورفيقه الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني الراحل جورج حاوي وأعلن من خلاله تشكيل جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمول” قد طغى على غيره من المواقف الكثيرة التي تسجّل له، فإنه من خلال هذا البيان أمكن القول عن حق بأنه كان “سيّد المقاومة” الأول في لبنان.

عائلة مرجعيات

السيد محسن إبراهيم من عائلة من السادة الشيعة متجذرة في جبل عامل جنوب لبنان، برز منها العديد من الفقهاء وعلماء الدين، غير أن السيد محسن الذي تأثر بـ”موجة” القومية العربية باشر حياته العامة في “حركة القوميين العرب” في خمسينات القرن الماضي والتي كان السبب الأبرز وراء تأسيسها “الثأر” لفلسطين، هذا الحلم الذي رغم المطبات و”النكسات” الكثيرة التي مني بها واختبرها محسن إبراهيم عن كثب، رافقه حتى الممات.

والمطبات التي شهدها “السيد” من الحرب ضد المقاومة الفلسطينية في الأردن أواخر الستينات، إلى الحرب الأهلية في لبنان، إلى اغتيال كمال جنبلاط، إلى معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية عقب محادثات كامب ديفيد إلى الثورة الإيرانية التي قادها الخميني ولاحقاً غزو إسرائيل للبنان ووصول جيش العدو الصهيوني للمرة الأولى إلى إحدى العواصم العربية، وتصفية المقاومة الفلسطينية بمؤامرة دولية – عربية، وصولاً إلى هيمنة سوريا على لبنان، ساهمت كلها في اضمحلال “المقاومة الوطنية اللبنانية” التي ساهم في تأسيسها خصوصاً بعد استئثار “حزب الله” بالمقاومة، ودفعت “السيد” إلى الاعتكاف والانزواء باستثناء بعض المحطات “النقدية” التي زادت في “فرادته” على صعيد العمل السياسي في لبنان.

السجن الكبير

اضمحلال "المقاومة الوطنية اللبنانية" التي يعود الفضل بتأسيسها إلى السيد إبراهيم ورفاقه أدى إلى استئثار "حزب الله" بالساحة، ونشوء نمط مقاومة مغاير غلب عليه الطابع الجهادي
اضمحلال "المقاومة الوطنية اللبنانية" التي يعود الفضل بتأسيسها إلى السيد إبراهيم ورفاقه أدى إلى استئثار "حزب الله" بالساحة، ونشوء نمط مقاومة مغاير غلب عليه الطابع الجهادي

ربما كان السيد إبراهيم على حق عندما اختار الانكفاء بعدما شهد مسلسلاً واضحاً وجلياً لتصفية رموز حركة السيادة والاستقلال وكان أحد ضحاياها صديقه حاوي، والضحية الأخرى “ربيبه” سمير قصير، فقرر الاستكانة والهدوء لئلاً يكون أحد ضحايا “السجن العربي الكبير” كما كان يصف كمال جنبلاط الأنظمة المتآمرة على “القضية” والحرية، أو أن يلحق بالشهيدين صديقيه فيكون صورة إضافية على جدار التضحيات الممتد طويلاً.

ظلّ “أبوخالد” كما كان يسميّه رفاقه وأصدقاؤه حتى الرمق الأخير من حياته مؤمناً بالحق الفلسطيني، وبضرورة قيام دولة فلسطينية، فانبرى في توثيق علاقاته بالقادة الفلسطينيين من “الختيار” الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى “أبومازن” محمود عباس الرئيس الفلسطيني الحالي الذي نعاه وأمر بتنكيس الأعلام الفلسطينية فوق الدوائر الرسمية حداداً على وفاته.

غير أنه وبعد المراجعة النقدية الفريدة التي أجراها، اكتشف أن “القضية المركزية”، قضية فلسطين انتُزعت تماماً من أصحابها، وتحوّلت إلى بازار يتحكم به أولياء الأمر في دمشق وطهران. وانطلاقاً من قراءته لهذا الواقع المر، انتقد استسهال العنف والانخراط في الحرب الأهلية في لبنان، كما قدّم اعتذاراً عن “إباحة البلد للمقاومة الفلسطينية وتحميله ما يفوق طاقته” ما أدى إلى “انشطاره شطرين متقاتلين” كما قال في مراجعته النقدية.

عائلة محسن إبراهيم سلالة متجذرة من السادة الشيعة في جبل عامل جنوبي لبنان. برز منها العديد من الفقهاء وعلماء الدين، غير أن السيد محسن تأثر بـ"موجة" الفكر القومي وانضم إلى حركة القوميين العرب

هذا السيد ذو الحضور الخاص ولد في العام 1935 في بلدة أنصار في جنوب لبنان، والتي شهدت أثناء الاجتياح الإسرائيلي إنشاء أحد أسوأ المعتقلات في ذاكرة المقاومة الوطنية اللبنانية. قبل أن يؤسس أبوخالد “منظمة الاشتراكيين اللبنانيين” في العام 1968 كان قد اختبر ميوله السياسية بعد انضمامه إلى حركة “القوميين العرب”. وفي العام 1970 اندمجت منظمة “الاشتراكيين اللبنانيين” مع تنظيم “لبنان الاشتراكي” ليشكلا “منظمة العمل الشيوعي” التي تولى أمانتها العامة.

شارك إبراهيم، الذي جمعته علاقة وطيدة مع نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ومع عرفات، قائد حركة فتح، في تأسيس الحركة الوطنية اللبنانية إلى جانب أحزاب تقدمية ويسارية أخرى، كالحزب الشيوعي اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب السوري القومي وحزب البعث. وكان حليفاً وثيقاً للمقاومة الفلسطينية طوال وجودها على الساحة اللبنانية، وخاض إلى جانبها جميع المواجهات التي فرضت عليها خلال الحرب الأهلية.

عند اجتياح بيروت من قبل الجيش الإسرائيلي أطلق إبراهيم مع حاوي، جبهةَ المقاومة الوطنية اللبنانية التي كان لها باع طويل في العمليات التي شنّت ضد قوات الاحتلال والعملاء في بيروت والجبل والجنوب خلال الثمانينات، ولم تكن المقاومة الإسلامية التي قادها ولا “حزب الله” قد ولدا بعد.

ومع الإمساك الكامل لنظام الوصاية السورية على لبنان بمفاصل الحياة السياسية في منتصف الثمانينات انحسر دور “أبوخالد” ليغيب تدريجيا عن الساحة السياسية لكنه حافظ على علاقة وثيقة مع وليد جنبلاط الذي كان أخذ دور والده في قيادة العمل الوطني في لبنان.

وفي النقد الذاتي لتجربة الحركة الوطنية قال أبوخالد في الذكرى الأربعين لرحيل صديقه ورفيق دربه حاوي إن الحركة الوطنية “في معرض دعمها لنضال الشعب الفلسطيني، ذهبت بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وإنصافاً”. مشيراً إلى أن الخطأ الثاني “هو استسهالنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير الديمقراطي”.

ظل السيد

الشارع الشيعي في لبنان يتنامى فيه خطاب مستجد، تحمله النخب المستقلة التي ترفض الهيمنة الإيرانية وعودة الوصاية السورية واختطاف الدولة
الشارع الشيعي في لبنان يتنامى فيه خطاب مستجد، تحمله النخب المستقلة التي ترفض الهيمنة الإيرانية وعودة الوصاية السورية واختطاف الدولة

لم يغب أبوخالد منذ اغتيال كمال جنبلاط عن المشاركة السنوية في الذكرى التي يحييها الحزب التقدمي الاشتراكي في المختارة باستثناء الذكرى 42 وذلك لأسباب صحية منعته من ركوب الطريق إلى الجبل الذي أحب، وشارك مقاتلو تنظيمه في الدفاع عنه إبان الحرب الأهلية.

وكان لافتاً النعي الذي وجهه جنبلاط الابن إلى “بني معروف. إلى كل من آمن وناضل من أجل فلسطين وعروبة لبنان وتطوره الديموقراطي والعلماني. إلى المناضلين اللبنانيين في الحركة الوطنية. أنعي إليكم المناضل اللبناني والعربي والأممي الكبير محسن إبراهيم. خير صديق وخير حليف لكمال جنبلاط. إلى يوم الوفاء. إلى يوم محسن إبراهيم”. وهو الذي اعتاد ركوب المخاطر، انطلق على رأس وفد حزبي وشعبي إلى بلدة أنصار للمشاركة في يوم وداع الصديق الصدوق لدار المختارة.

وجاء في نعي منظمة العمل الشيوعي لأمينها العام “تؤكد المنظمة أن إبراهيم لم يكن مجرد قائد عادي في مسيرات كبرى كالتي شهدتها المنطقة العربية في صراعها على امتداد أكثر من سبعين عامًا، كما لم يرَ في مساراتها ومنعرجاتها ما يستوجب التقديس والتنزيه عن النقد، هادفاً بذلك استخلاص الدروس التي تصَّوب الخلل الذي عانته وتعانيه في مجرى التجارب القاسية”. وأضافت “راهن محسن إبراهيم على معركة مع العدو الصهيوني حدد شعاراتها بالتحرير والتوحيد والديموقراطية، معوّلاً على مسارات تتجاوز انقسامات الحرب وخنادقها التقسيمية بعد أن رأى في استمرار النزاع الأهلي حرباً عبثية، لن تقدم سوى المزيد من تفكيك وحدة الأرض والشعب وتدمير مقوماته. ومع توقيع اتفاق الطائف ومخارجه الطوائفية لأزمة الكيان اللبناني، عكف محسن إبراهيم على نقد تجربة الحركة الوطنية واليسار في الفكر والممارسة، وانكفأ نحو الداخل التنظيمي عاملاً بجهد فكري قل نظيره على تشريح تجربة اليسار اللبناني والعربي منذ الخمسينات وحتى اليوم”.

جمهور الشيعة في لبنان يعيش ذلك التحول الذي آمن به محسن إبراهيم ذات يوم، ينتقل من الحالة الغريزية في الخطاب الطائفي الضيق، إلى الحالة الوطنية العامة التي لا تميّز بين اللبنانيين على أساس أديانهم وأعراقهم. هذا التحول يواجه مقاومة كبيرة من المشروع الإيراني وذيوله في لبنان، تقوم على الترهيب والتحريض والتجييش. وأكثر من ذلك يستهدف فكرة توريط الشارع الشيعي في صدام مباشر مع الشارع السني والمسيحي. وهو ما عبرت عنه هتافات مبرمجة تم توجيه الإهانات فيها لكل من السيدة عائشة زوجة النبي محمد، وإلى الصليب المسيحي.

لكن هذا الشارع الشيعي ذاته، يتنامى فيه خطاب مستجد، تحمله الشخصيات المثقفة ذات الاتجاهات السياسية العديدة، والتي ترفض الهيمنة الإيرانية وعودة الوصاية السورية وسلاح حزب الله واختطاف الدولة.

8