محسن الخفاجي نمر الكتابة يواصل الاحتجاج

السبت 2014/10/11
شاهد من جيل الستينات يتهاوى

محسن الخفاجي، اسم يتكرر كثيرا وكاتب عراقي لن يتكرر. حياته برمتها نسخة غير منقحة من ثقافة الستينات الصاخبة التي زلزلت شخصية العربي المنتكس الخارج من حرب خذلته وآمال خذلها.

جرفت حياته متناقضات تعمل داخله في آن واحد… الهزيمة والفخر، الوجود والعدم، المجون والقداسة، الفوضى والنمطية، الغموض والإباحية. القدامة والحداثة، اليأس والمكابرة. وقبل ذلك كله المتاهة بين ذاته وتحولات العالم، في الحرب واستحقاقاتها، والسلام ومؤهلات المساهمة في عالمه المتشعب. ليس عابرا أن تكون شخصية كاتب ميدانا لإفرازات مرحلة مهمة في التاريخ العربي كهذه.


ثياب حداد بلون الورد


هنا امتياز محسن الخفاجي، الروائي والفنان الذي عاش حياته موزعا بين شخصيات خلقها وشخصيات من روايات وقصص وأحداث تلبسته، لذلك ترى طلبته وأصدقاءه يحدقون بكائن مكتوب، يرى كلَ مختلف قابلا لأن يفهم، وأيَّ غامض ذهني مرشحا لأن يكون يوميا.

كاتب “ثياب حداد بلون الورد” و”لو كانت للأبد نهاية” هذا المنعزل في غرفة ضيقة بشارع عشرين في مدينة الناصرية جنوب العراق، تشبه مشجبا للكتب وأغاني الأمم والشعوب. يتحرك بين لوحات وتماثيل مراحل الفن المختلفة، يأكل عند الحاجة فقط ويترجم أمهات الكتب في ذلك العرين. رحل محسن الخفاجي وعيناه لامعتان مثل طفولة حية في جسد منطفئ. رحيل يشعرنا بالذنب إزاء ما أصابه.


ابن الناصرية


ولد محسن خريش عبيد الخفاجي عام 1950 في مدينة الناصرية التي أسسها العثمانيون عام 1896، على يد ناصر باشا وحملت اسمه، قبل ذلك يعود تاريخ المنطقة إلى ما قبل الحضارة العبيدية 7000 قبل الميلاد. وضمت أول مدينة في التاريخ، هي مدينة “أريدو”، التي تم ذكرها في “قائمة الملوك السومرية”.

وقرب الناصرية وعلى أرضها، قامت الحضارة السومرية في ممالك أور ولجش وأوروك. في أور، التي لا تزال آثارها قائمة في المدينة، ولد النبي إبراهيم، وشكلت جزءا مهما في الحضارات الأكدية والبابلية والآشورية، وكانت مصدرا مهما للثروات الوطنية لتلك الإمبراطوريات.

كان جيل الستينات الذي انتمى له محسن الخفاجي مبكرا، أكثر الأجيال شراسة في المواجهة السياسية وتطرفا في التجاوز الفني

منذ إنشاء الناصرية عند منخفض الفرات المهدد بالغرق دوما، أصبحت بؤرة للتمرد وقلعة للتحرر. وانتشرت فيها الحركات المناهضة للسلطات والتقاليد البالية، وكان سكانها في غاية التنوع، حيث سكنها المسلمون بكافة مذاهبهم المتعددة والمسيحيون والصابئة واليهود. وهاجر إليها من محافظات أخرى كل من طاردته السلطات على مدى أكثر من قرن. كانت دواوين بعض البيوت في الناصرية ميادين للجدل والحوار والنقاشات السياسية.

لذلك لم يكن غريباً أن تنشأ في الناصرية نهاية العشرينات الحركات الثورية وأن يؤسس أحد أبنائها ومثقفيها، وهو الراحل يوسف سلمان (فهد)، فيما بعد أول حزب شيوعي في العراق. وتجاورت في خضم ذلك التيارات السياسية العلمانية والدينية على اختلاف اتجاهاتها.

لقد لعب المعلمون الأوائل في المدينة، ومن بينهم محمد مهدي الجواهري ومصطفى جواد وحسين مروّة وكريم مروّة دوراً في توعية جيل من شباب المدينة في الثلاثينات والأربعينات، إلى جانب دور الحركة السياسية الوطنية.

وقد عرف عن الناصرية التي تميزت بشتى الفنون وأبرزها الغناء والشعر والمسرح، بأنها كانت مرتعا للكتب من كل أنحاء العالم تصلها مباشرة قبل أن تصل العاصمة. ولذلك توارثت الأجيال الثقافية فيما بعد ذلك الاستثناء والاندفاع والحداثة المبكرة وكان جيل الستينات الذي انتمى له محسن الخفاجي مبكرا، أكثر الأجيال شراسة في المواجهة السياسية وتطرفا في التجاوز الفني.

عرفتُ محسن في تلك المدينة ماركسيا عاطلا عن العمل في ظل قمع الشيوعيين منتصف السبعينات، ومعلما رغم أن مظهره وخفة حركته لا تبدي لك ذلك. وتكتشف المعلم الموسوعي حين تقترب منه وتقلب معه جميع زوايا تاريخ الفنون والآداب بجميع تفاصيلها.

فهو يملك رؤية عميقة لتفاصيل حياة معظم الموسيقيين والرسامين والفلاسفة والروائيين وإبداعهم على مر العصور، من هرمان هيسة وغابرييل غارسيا ماركيز، إلى آرثر رامبو وبودلير وأدغار ألان بو وأيفتوشنكو وسارتر وكامو وكولن ولسن، وصولا إلى رولان بارت ووليم كولدنج وغونترغراس إلى نجيب محفوظ ومحمد خضير وأحمد الباقري الذين يعتبرهم بمنزلة أولئك.

امتلك محسن الخفاجي رؤية عميقة لتفاصيل حياة معظم الموسيقيين والرسامين والفلاسفة والروائيين وإبداعهم على مر العصور، من هرمان هيسة وغابرييل غارسيا ماركيز، إلى محمد خضير وأحمد الباقري اللذين يعتبرهما بمنزلة أولئك


سجين بوكا


بعد احتلال العراق في أبريل عام 2003 اعتقل محسن الخفاجي على يد القوات الأميركية وأودع سجن بوكا الشهير في محافظة البصرة جنوب العراق. كان اعتقاله مفاجأة كبرى للجميع، فمحسن الخفاجي لم يكن مسؤولا أو بعثيا. إنه ابن اليسار العراقي وابن الناصرية التي كانت ملجأ ومنفى للعديد من المغضوب عليهم منذ الستينات حتى آخر حكم صدام حسين.

الغريب أن الأميركان سارعوا في أوائل أيامهم في العراق إلى اعتقاله. ففي صباح العاشر من أبريل عام 2003 اقتحم جنود أميركان منزل محسن الخفاجي في منطقة شارع العشرين بالناصرية، بعد أن عرفوا من آخرين أنه معلم للغة الإنكليزية وابن المنطقة التي اختفت المجندة الأميركية ذائعة الصيت جيسيكا لانش في ضواحيها.

وطلبوا منه مرافقتهم للبحث عن جيسيكا التي شاع نبأ أسرها بداية الحرب، اعترض محسن على ذلك كونه أديبا ولا علاقة له بأحداث كهذه، فما كان منهم إلا أن ألبسوه كيسا أسود وكتفوه وألقوه داخل عربة همر تقلهم ولم يجد نفسه إلا في سجن بوكا الشهير. عثروا على جيسيكا فيما بعد حين لجأت إلى أبناء العشائر الذين حفظوا كرامتها وعادت إلى بلادها فيما بقي محسن سجينا لمدة ثلاث سنوات، مرحلة يصفها في كتاباته الأقسى بأنها “تجربة غنية لا يكفي ما بقي من العمر لأن أنجز الكتابة عن مغزاها”. خرج من السجن مقعدا مشلولا ليقضي حياة صعبة حتى مماته.


العودة إلى المشجب


ثلاث سنوات من الاعتقال أحدثت دويا لدى المنظمات الإنسانية والأوساط الثقافية في العراق والعالم، وترجمت أعماله ليتعرف العالم على أشهر سجين في بوكا، دون أن يعرف من تسلموا السلطة في العراق معنى ذلك أو يبادروا للسؤال عنه.

ترك محسن الخفاجي لثلاث سنوات يعيش بين معتقلين لأسباب شتى في سجن غرائبي معقد، يصف نزيله في إحدى قصصه بأنه “سنجاب في مجاعة”. ربما لذلك كله لم يتغير مزاج محسن الوجودي مع المرض والشلل الذي أصابه عقب خروجه وظل يعيش مع أغاني البيتلز وباري وايت وفرانك سيناترا القديمة ويحيا بين لوحات بيكاسو وفان كوخ ويكتب قصيدة النثر المثيرة التي لم يقدم نفسه يوما شاعرا لها.

محسن الخفاجي حالم بجدارة، الكتابة لديه دار خلود شخصي ووطن لن يستطيع أحد احتلاله. توهموه متواضعا بسبب ذلك، وهو الذي عاش كل ما يمكن أن يعاش داخل الكتابة عاشقا وثريا مترفا ورحّالة يجوب العالم ويطارح النساء ويملك الجزر والأطيان، وملكا يحكم العالم من غرفة رثة صغيرة في أقصى مدن العراق الفقيرة.

طلب الجنود الأميركيون من الخفاجي مرافقتهم للبحث عن جيسيكا لانش التي شاع نبأ أسرها بداية الحرب، فاعترض على ذلك، فما كان منهم إلا أن ألبسوه كيسا أسود وكتفوه وألقوه داخل عربة همر تقلهم ولم يجد نفسه إلا في سجن بوكا الشهير. فعثروا على جيسيكا فيما بعد حين لجأت إلى أبناء العشائر الذين حفظوا كرامتها وعادت إلى بلادها فيما بقي الخفاجي سجينا لمدة 3 سنوات

وتصوروه مربيا وهو يقول إن “التعليم جناية والفن حرب ضد الزوال” وفي آخر حوار له قبل رحيله كان يقول: “ينبغي أن نترك أثرا ما حتى لو كان محدودا لأن الفعل الإنساني هو الرد الوحيد على عبثية الحياة وخرابها… إنها تحمل بذرة فنائها. الواضح أننا جنود في معركة الحياة لا أمل بانتصارنا، حيث لا أحد ينتصر على الزمن كما يقول فوكنر”.


الحياة مشروع ناقص


بعد رحيل جميع من يعيش في منزل محسن الخفاجي بين الموت والهجرة ظل وحيدا مشغولا بفوضاه، آراؤه التي يتندر الآخرون بها تحرجهم وتدفعهم للمراجعة، ومنها “الحياة مشروع ناقص” و”الأسرة وهم والزواج خديعة والاستقرار كوميديا” وأن “الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض في معركة خاسرة مع الزمن”.


“ألومُ ولا كَراهية

تقطعُ حَنجَرتي الخَرساءْ

التي تَبكي بصَوتٍ أجشْ

ذَهبتْ أحلامي إلى ضريحِها في الرّمالْ.

إنّه الفصْلُ الأخيرُ من المحنة.

كأنيّ خرجتُ من زلزالْ

وعليّ أنْ أُعدّ فديةً تليقُ بالحدَثْ

فاتَ أوانُ الصمتْ

سأنتظرُهم واحداً واحداَ وسيجتاحُهم غَضَبي

كموجةٍ تخترقُ سدّاَ في أعصار”.


لن يمر رحيل محسن الخفاجي مرورا عابرا في زحمة الموت العراقي وجهاد الحياة المتعثر بعد أن توفي يوم 27 سبتمبر الماضي عن عمر أوصله للرابعة والستين.

صوته وأثره في ما كتب وما عاش وما عانى وما أراد وما أرسل من إشعاعات لمن تعلم منه ومن آذاه ومن اندهش لمبالغاته أو غضب من نرجسيته، ومن سيطلع فيما بعد على تأثيره في تاريخ الأدب العراقي.

ما تركه محسن الخفاجي لنا يؤسس لاحتجاج طويل الأمد، هو احتجاج من نوع مختلف، احتجاج على ازدواجية الحياة، على الفناء الحتمي. الاحتجاج الذي تنبأ به الفتي حين كان يبلغ من العمر 16 عاما منتصف الستينات، وهو ينشر قصة، يساوم فيها رجلٌ على فراش الموت كلبه من أجل شراء حياته.

14