محسن فرجاني: العرب يترجمون ويفتقرون إلى نظرية حول الترجمة

الأربعاء 2013/11/13
فرجاني: يجب على المترجم أن يقوي صلته بالمداخل العلمية والفكرية

القاهرة- محسن فرجاني مترجم متحصل على جائزة الإسهام الذهبي للكتاب الصيني وهو أحد أهم مترجمي التراث الصيني وكتابات "مو يان"، الحائز على جائزة نوبل، ليس في مصر فقط بل وفي العالم العربي، وقد قدّم للمكتبة العربية العديد من إبداعات الرواية الصينية خاصة كتابات مو يان، والغريب أن لفرجاني رأيا في أدب هذا الكاتب، صورته أنه لا يراه الأفضل في كتابة الرواية الصينية، لأن ثمة كتابا أكثر إبداعا منه، ويستحقون نوبل، وليس مو يان إلاّ محظوظا في الفوز بالجائزة.

أشار محسن فرجاني في بداية حديثه إلى افتقاد العالم العربي للاهتمام الأكاديمي بنظريات الترجمة التي تميز كل منطقة بالعالم وعدم وجود نظرية ترجمة ذات سمات عربية تتميز بها المنطقة العربية، وأنّ من واجب أي مترجم أن يقوّي أدواته المعرفية والمهارية عبر قراءة نظريات الترجمة والطرق المستخدمة فيها.

فن الترجمة


الترجمة هي بالأساس فن كما عرفها شيخ الترجمة "رومانياكنسون"، وكأيّ فن يحتاج إلى موهوبين. ولكن هناك اتجاها آخر أخذ بنصيحة الصينيين فيه، القائلة بأن الترجمة عمل علمي، وبالتالي يقول فرجاني، يجب على المترجم "أن يقويّ صلته بالمداخل العلمية والفكرية لعملية الترجمة من محاضرات وكتب ونظريات أو حتى حوار ما بين مفكرين أي الاهتمام بالمفاهيم الفلسفية والسؤال في ماهيتها، وذلك غير التقنيات الموضوعة للترجمة كترجمة نص والالتفات إلى تراكيبه النحوية. ومفاهيم الترجمة في العصر الحديث ترتبط بما يعيشه العالم من صراعات عنيفة وبالتالي لا يستطيع المترجم أن يكون محايدا في نقل النصوص كما هي باستخدام التقنيات المهنية فقط بل يجب التفكير في عملية الترجمة من الناحية النظرية".

ويضيف فرجاني قائلا: "المترجم يحدّد له مشروعا كما يحدد درجة التفاعل مع هذا المشروع، فترجمة رواية لـ"مو يان"، الحائز على نوبل تمثل ترشيحا لأيّ دار نشر لدرجة عالية من الرواج مرغوب فيه وتحقيق مبيعات عالية وقبول لدى النقاد، كما يجب أن يتوقع تجاوب القارئ وكيف سيتفاعل مع نص لـ"مو يان" يتحدث مثلا عن الريف في الصين. لذا فالمترجم يضع عدة مستويات تلقّ لترجمته من قطاعات مختلفة من القراء العرب ومدى تجاوب كل منها مع النص، طبقا لقراءته الدقيقة والواعية لقطاعات مجتمعة".

ظلال النصوص

وعن أهم المشاكل التي تواجه الترجمة، يقول فرجاني: "كل المترجمين تقريبا يهتمون بالنظرية وتأملات برجهم العاجي بعيدا عن الواقع فجميعهم يخرجون من معطف مدرسة الشكلانية الروسية التي أسست نظرية الأدب أساسا وتعامل معها نقاد الأدب. ولأن المنظرين للترجمة جاؤوا بالأساس من الساحة الأدبية فاقتبسوا من معاييرها وطبقوها على الترجمة، فعلى مختلف الأصعدة سواء في الصين أو اليابان أو أوروبا أو أميركا أو أي مكان بالعالم، إذن كيف نتعامل مع النص؟ هل يقربون النص الأصلي لطبيعة القارئ العربي أم يترجمون ترجمة حرفية ربما لا تخدم النص الذي من الممكن أن يكون رائعا جدا في لغته الأصلية ولكن طريقة الترجمة ربما تضع له ظلالا تجعله لا يصل بشكل جيّد وربما نجعله نصا فاشلا لدى القارئ. لذا فإن المترجمين المنظرين يشعرونك بأنهم يعيشون في كهف بعيدا عن الحياة الواقعية، وعندما أقرأ ذلك لطلابي بالكليات المتخصصة ككلية الألسن، أعتَبَر مدرسا للغة أجنبية فقط حيث لا توجد بالكلية مناهج للترجمة عكس المفهوم الشائع فنحن ندرس لغة أدبية فقط، وهذا ما يبعدني شخصيا عن القياس الحقيقي للتفاهم مع النصوص وتُرى عندما أترجم نصا فكيف أترجمه؟ استعين بالعين الواعية وذائقة الأشخاص الذين يدركون واقعهم الثقافي ويعلمون ما يمكن أن يتقبله القارئ من نصوص أو يرفضها، يخبرونني بتقييمهم للنص كقارئ أول، هل هو جيد؟ هل كان أسلوبي موفقا؟ ما دمت أهتم بتقديمه بشكل مقروء فيمكن أن أتنازل عن نواحٍ معرفية أو جمالية بالنص الأصلي من أجل تبسيطه أو حتى جعله مسطحا حتى يلائم كل الأذواق طبقا للتقييم الأولي بمن استعنت بهم من القراء. ولحسن الحظ إننا في العالم العربي غير مهتمين بالتنظير للترجمة لا إبداعا عن النظرية ولا تجاوباً معها، فحاليا ساحة الترجمة تموج بالاتجاهات النظرية شديدة التنوع فكل منطقة بالعالم لها إسهاماتها في التنظير يكون المنطلق الأساسي فيها رؤية منظريها لحركة الترجمة كل حسب ثقافة منطقته إلا العالم العربي فإنه لم يسهم في ذلك ولم يهتمّ ولو حتى بالنقل، والبعض يرى أن هذا تقصير وأنه كان يجب على الدوائر المهتمة بالترجمة سواء كانت أكاديمية أو كانوا مثقفين أو مشتغلين بالترجمة أن يهتموا بالنظرية، وبالأخص الأكاديمي لا بدّ أن يكون من ضمن دائرة اهتماماته الاطلاع على نظرية الترجمة فهي هامة جدا وذلك ليس ترفا فكريا فتعريف النظرية في الترجمة أنها تبين للمترجم كيفية أدائه العملي أي رؤيته للترجمة".


اطلاع مبتور

عن المترجمين في العالم العربي غير المطلعين على نظرية الترجمة، يقول فرجاني: "طبعا هناك الكثير منهم، والدليل على ذلك أنه لا يوجد لدينا في معظم مراجعتنا النقدية وأطروحاتنا النظرية للترجمة اهتمام بالنظرية وباعتباري متابعا جيدا للرسالة العلمية بالجامعة وحريصا على متابعة التفكير العلمي للترجمة، قلما وجدت رسالة أو اجتهادا علميا يهتمّ بالنظرية وإذا تمّ تناولها تكون على الهامش كأحد الأساليب المهمة لعرض وجهات نظرهم بالبحث وليس كموضوع رئيسي في حين أنك إن دخلت على النت وبحثت عن تقارير أو رسالة علمية عن الترجمة في العالم، وليكن باللغة الأنكليزية، تجد أن هناك اهتماما كبيرا بالنظرية وأنها المدخل الرئيسي للرسالة العلمية وجزء أساسي منها، وحتى أن المترجمين العاديين عند حديثهم عن الترجمة يتناولون الجانب النظري لأنه يوضح لهم طريقة عملهم أي المعلم الأساسي الذي يسير عليه المترجم كأن تكون ترجمة حرفية أم علمية".

للصينيين تراث مهول وضخم في الترجمة وقد استفادوا منه في ترجمة التراث البوذي من الهندية إلى اللغة الصينية؛ وفي العصر الحديث ترجموا الماركسية كنظرية سياسية انتهجوها بالصين.

ويضيف فرجاني في خصوص تلخيص نظرية الترجمة لطلابه في نقاط محدّدة قائلا: "أنت تريد أن أبتكر نظرية عربية للترجمة، وأنا لا أزعم أني أستطيع الآن في مثل هذا اللقاء السريع التوصل إلى ملامح واضحة للنظرية ولكني أتمنى أن يحدث ذلك ولكن لدي رؤية وأحتفظ بها لعملي، فعند دراستي للترجمة ولحسن حظي تعلمت مبادئها على أيدي أساتذتي الصينيين بالأساس المحترفين منهم والأكاديميين والذين أكدوا على ضرورة التناول النظري للترجمة ويجب أن يكون لديك مدخل نظري واضح، فلديهم في الصين ملامح نظرية حيث استفادوا من تاريخهم الطويل بالترجمة فقديما ترجموا التراث البوذي من الهندية للغة الصينية وفي العصر الحديث ترجموا الماركسية كنظرية سياسية انتهجوها بالصين، لديهم تراث مهول وضخم في الترجمة فأحدهما كان ديانة معظم الصينيين (البوذية) والآخر النظرية السياسية كما لو كانت ورقة منتزعة من كتاب مقدس في الحالتين كانت تجربة الترجمة تخدم الواقع المعيش لمجتمع حياته الترجمة التي لها ملامح نظرية تقوم على ثلاثة مقومات يجب أن يتوخاها المترجم وتتمثل في الصدق والأمانة والإبداع".

ويستمرّ قائلا: "الترجمة يجب أن تكون مخلصة وصادقة وليس معنى ذلك أن تكون مطابقة حرفيا ولكن هناك درجة ما من الصدق تتوافق مع النص والتشكيل النحوي أي تتناسب مع معطياتها الفكرية، ثمّ ثانيا الأمانة يجب ألا تُخل بها خاصة وأنت تترجم ديانة أو عقيدة، ثالثاً الإبداع يجب أن يُراعى؛ فالنص مترجم للغة لها ثوابت فكرية وتاريخ ولها أيضا رؤيتها للحياة وجانبها الإبداعي لذا يجب أن تراعى لغة المتلقي وكيفية إيصال النص له بشكل إبداعي يستوعبه وهذا ما أتبناه عند الترجمة مضيفا عليها ما يتراءى لي في اللغتين من إضافات ولكن هذا اجتهاد فردي ليس بإمكاني أن ألزم به أحدا وأحيانا أرغب في الكتابة عن ذلك في مقدمات الكتب ولكن كيف أُمْلِي على مترجم لغةٍ أخرى وجهةَ نظرِ مترجمٍ للثقافة الصينية ولا حتى كنصيحة فمن حق كل مترجم أن يُدخل في اعتباراته النظرية الخاصة بلغته".


حرمة النصوص

في ميدان الترجمة، على المترجم أن يتقيّد بضوابط ومناهج علمية واضحة، لكن النظرية والأسلوب، ليسا قيمتين كي يتعرف عليهما القارئ، في هذا السياق يقول فرجاني: "باعتقادي الشخصي أنه لا يفيد القارئ بشيء أن تذكر له في مقدمات الكتب نظرية الترجمة إلا في حدود ضيقة جدا فمثلا مصطفى ماهر المترجم ورئيس قسم اللغة الألمانية بكلية الألسن كان يأخذ علينا عندما كنا تلاميذ أننا لم نذكر نظرية الترجمة في مقدمات الكتب ويتعامل مع المقدمة بمنهج البحث العلمي وكنت أحتفظ لنفسي بوجهة نظري بأن القارئ لا تهمّه المشاكل اللغوية التي قابلت المترجم ولا أية معوقات أخرى أو كيفية التغلب عليها فإن ذلك يشتت انتباه القارئ إن لم يكن مهتما بالناحية الأكاديمية فعندما أترجم نصا أودّ أن يتفاعل القارئ معه كأنه نص أصيل بلغته ويتفاعل معه إنسانيا دون إشارة مرجعية إلى أنه نتاج لغة أخرى".

وعن مدى تدخل المترجم في النص الأصلي ووضع بصمته، يقول فرجاني: "نعم طبعا أضع بصمتي على النص، هناك مدارس تقليدية في الشرق كلها سواء في الصين أو البلاد العربية تنحو هذا المنحى وتفعل ذلك بشكل مبالغ فيه فمثلا عبد الله بن المقفع عند ترجمته كليلة ودمنة لم يشر لكاتب القصة الأصلي ولا حتى الخلفية الفكرية له وذكر في مقدمته ما يبدو للقارئ أنها من أصل هندي فذلك من خلال قوله هو ورأيه الشخصي، وقد يكون صادقا حسب اطلاعه ومعرفته وتجده يحجب النص الأصلي بمؤلفيه، نفس الشيء يحدث في الصين كذلك، وفي الشرق كانت تقليدا".

ويضيف فرجاني: "المترجم حريص على أن ينفي المؤلف الأصلي بشكل متعمد ولا يشير إليه وإنما يضع اسمه وكأنما هو مُنشئ النص وجاءت فكرة الترجمة الأمينة تحديدا مع الترجمة السبعينية للكتاب المقدس وترجمات النصوص الدينية وأيضا مع تجربة الاستعمار بترجمة النصوص التي تخدم مصالحه في البلاد المستعمرة وبحرص لتوصيل امتلاءاتها السياسية والفكرية للغير بنصوصه الموضوعة ويطلب درجة من الامتثال قوية جداً لهذه النصوص، فمرة مع الترجمة الدينية لنصوص الكتاب المقدس ومرة مع النصوص الاستعمارية كانت الأكاديمية العربية منحازة للترجمة الأمينة بهذا المعنى لكن الترجمة الأدبية -مع الأخذ في الاعتبار بأن النظرية الحديثة أصبح اسمها النظرية الأدبية للترجمة".

15