محسن مرزوق شاعر على الدوام وسياسيٌّ يسعفه الكلام

مرزوق اليوم بمقاعده الأربعة تحت قبة البرلمان، يمضي في معاركه التي يصفها خصومه بالدونكيشوتية، لكن الرجل أذكى وأمكر من أن يكون متصلبا أرثوذكسيا في رياح السياسة التي يواجهها في كل مرة بسارية جديدة.
الخميس 2021/04/29
من توقيع المعاهدات بلا صفة إلى البكاء في الجنائز المشمسة

لم يعرف المشهد السياسي التونسي في نسخته الحديثة أو حتى المعدّلة، رجلا قادرا على تقديم الإجابات كل الإجابات الوافية، وليس الحلول الشافية طبعا، مثل محسن مرزوق. كيف لا والمفتاح هو شعار حزبه “مشروع تونس” الذي انشق من خلاله سنة 2016 عن حزب الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي “نداء تونس” بعد المساهمة في تأسيسه؟

أليس هذا في حد ذاته إجابة جريئة وذكية من شاب في منتصف الخمسينات، نصف أشيب، مربوع القامة، منتصب الهامة، متوثب النظرات، حاد القسمات، حاضر البديهة، فصيح اللغة، وأنيق العبارة؟

ومرزوق بارد الرأس مشغول بالأرقام والحسابات، ذلك لأنه سياسي محنك وعتيق، لكنه دافئ القلب لمن يطلع على اعترافاته الوجدانية وأوراقه الأدبية، وخصوصا ديوانه الأخير “جنازة مشمسة” الذي أهداه لصديقه الراحل شكري بلعيد، في ذكراه الثامنة. وفوق ذلك هو مخلص أيضاً، عفوا هل قلنا “مخلص”؟ وكيف يتهمه إذن خصومه السياسيون، وحتى رفاقه من ثوريي الأمس بالتذبذب وعدم الاستقرار؟

كيف يدير هذا السياسي الذي حصل على “بطاقة احتراف” في فترة وجيزة ظهره لمشاريعه الحزبية بذات الحماس الذي أقبل فيه عليها؟ حتى أنه أبدى أخيرا استعداده لحل حزبه “مشروع تونس” وتغيير برامجه بعد أن كان فيه الزعيم الأوحد متمثلا صورة الرفيق جوزيف ستالين ومسترجعا حالات الحنين إلى سنوات النضال الماركسي في صفوف الحركة الطلابية التونسية التي كان من أبرز أسمائها في سنوات الجمر، أيام حكم الرئيس بورقيبة الذي لا يتوانى مرزوق عن تلقيبه بالزعيم الكبير مستخلصا منه العبر، وهو الذي نفاه نظامه إلى قلب الصحراء التونسية في منطقة “رجيم معتوق” لأداء “عقوبة الخدمة العسكرية” في منتصف ثمانينات القرن الماضي.

بورقيبي التربية والتوجّه

مرزوق مشغول بالأرقام والحسابات، فهو سياسي محنك وعتيق، لكنه دافئ القلب لمن يطلع على اعترافاته الوجدانية وأوراقه الأدبية، وخصوصا ديوانه الأخير “جنازة مشمسة” الذي أهداه لصديقه الراحل شكري بلعيد.
مرزوق مشغول بالأرقام والحسابات، فهو سياسي محنك وعتيق، لكنه دافئ القلب لمن يطلع على اعترافاته الوجدانية وأوراقه الأدبية، وخصوصا ديوانه الأخير “جنازة مشمسة” الذي أهداه لصديقه الراحل شكري بلعيد.

ربما كان القاسم المشترك بين ستالين وبورقيبة أنّ الأول يعاقب معارضيه بالزج بهم في صحراء بيضاء من الثلج في سيبيريا، والثاني يعاقبهم بصحراء صفراء من الرمال. وبين المتاهتين تفتح ذهن ابن مدينة المحرس، في محافظة صفاقس، على وعي ثالث، يجمع، كما يقيم القطيعة، بين الاثنين، فقدم نفسه كواحد من رموز الليبرالية اليسارية في تونس.

جاءت 14 يناير 2011 في تونس، لكنها في نظر مرزوق لا يمكن لها أن تصنع ربيعا لمجرد تفتح بضعة براعم تحاصرها أشواك التطرف، وعوسج الوعي الزائف. وكان على الرجل الذي انشغل أيام حكم بن علي بالتحضير لأطروحاته الجامعية في المجال الحقوقي ومن ثم العمل في مراكز بحوث إقليمية أن يدخل السياسة من بابها العريض، لا من الشبابيك والمنافذ الجانبية.

قّدم نفسه كلاعب على طاولة الكبار وانضم مع من معه من مؤسسين إلى حزب “نداء تونس” بغية التصدي للمد الإخواني وبلورة مشروع يعدّ بمثابة الجدار السياسي الذي يحمي الدولة المدنية وإنجازات بورقيبة من خطر الأسلمة.

أثناء هذه الفترة سافر مرزوق إلى روسيا في يونيو 2015 بمبادرة منه ووافقه عليها قايد السبسي، والتقى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ثم سلم الرئيس فلاديمير بوتين رسالة ودعوة لزيارة تونس. وسافر إلى مصر مرات بعد الثورة ضد الإخوان والتي قادت الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الحكم، كما سافر إلى بنغازي والتقى بخليفة حفتر. “وهؤلاء كلهم ضد من يسمونه بالربيع العربي” يقول مرزوق.. فما الذي يريد قوله؟

ويعقب مرزوق في أحد لقاءاته وكأنه بصدد عرض سيرة ذاتية أو تعداد إنجازات تحسب له وتضاف إلى سجله “رفضت لقاء أردوغان حين ألحوا عليّ بلقائه أثناء زيارته لتونس، واتهمت بكوني رجل الإمارات أو مصر، أما دول الغرب التي انخرطت كلها في دعم الربيع العربي فليس من الحكمة قطع العلاقات معها فأنا بورقيبي التربية والتوجه”. ألهذا الحد يتبرأ مرزوق من الربيع العربي بنسخته الإخوانية المشبوهة أم أنّ لديه مفهوما آخر للربيع، يتضح مرة ويزداد ضبابية مرات أخرى؟

سياسة الذئاب المنفردة

مغامرة "نداء تونس" لم تكن مشروع حزب واضح الرؤية والبرنامج بقدر ما كانت تجميعا من قايد السبسي لأسماء مؤثرة ولامعة من هنا وهناك، من بينهم مرزوق، بغية دخول الانتخابات والتصدي لتغوّل الإسلاميين.
مغامرة "نداء تونس" لم تكن مشروع حزب واضح الرؤية والبرنامج بقدر ما كانت تجميعا من قايد السبسي لأسماء مؤثرة ولامعة من هنا وهناك، من بينهم مرزوق، بغية دخول الانتخابات والتصدي لتغوّل الإسلاميين.

الحقيقة أن تلك المغامرة التحزبية المستعجلة لم تكن مشروع حزب واضح الرؤية والبرنامج بقدر ما كانت تجميعا من قايد السبسي لذئاب منفردة أي لأسماء مؤثرة ولامعة من هنا وهناك بغية دخول الانتخابات والتصدي لتغوّل الإسلاميين، فكان أن وصف أحدهم الباجي قايد السبسي بـ”الأسد العجوز الذي يقود قطيعا من الذئاب”.

ردّ مرزوق، وقتها، مكابرا بأن ذلك التوصيف مجرد قراءة تأويلية من أحد هواة كتاب “كليلة ودمنة”، لكن المتوقع قد حصل، فتحالف الشيخان قايد السبسي وراشد الغنوشي لتقاسم الحكم وبدأت مسبحة نداء تونس بالانفراط، وكان مرزوق أول المنشقين دفاعا عن مشروعه المدني الديمقراطي كما يزعم. وكان حزب مشروع تونس الذي تحمست له في البداية نخب ثقافية وأسماء اقتصادية وسياسية محسوبة على التيار الديمقراطي الحداثي، ثم بدأت تصيبه عدوى الانشقاقات مثل جائحة لا أحد في منأى عنها رغم ادعائه التحصن والوقاية.

وها هو مرزوق اليوم بمقاعده الأربعة تحت قبة البرلمان، يمضي في معاركه التي يصفها خصومه بالدونكيشوتية، لكن الرجل أذكى وأمكر من أن يكون متصلبا أرثوذكسيا في رياح السياسة التي يواجهها في كل مرة بسارية جديدة ومجداف أصلب من قبله وهو ابن سواحل الجنوب الشرقي التونسي، والطفل اليتيم، سليل الأسرة الفقيرة التي لا تستسلم للانقراض بسهولة.

يستلّ مرزوق الوصفات السياسية من جيب سترته عند كل عاصفة تجتاح البلاد في شتى مجالات الحياة الحزبية والاجتماعية والثقافية، وفي كل مرة يكون سيد المصطلحات ومبتدع الشعارات ومطلق المبادرات، منذ مشهد توقيعه في مايو 2015 في واشنطن على مذكّرة تفاهم مع وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري، تحت أنظار الرئيس الباجي قايد السبسي، أثارت جدالاً واسعًا تمحور حول السؤال عن الصفة التي  أمضى بها هذا الرجل على الوثيقة؟ وما هو مضمون الوثيقة أصلا؟

ويمضي هذا السياسي الشاعر والشاعر السياسي في الابتكار ومهما كانت النتائج. المهم ألّا يبقى هذا الرجل المصاب بالإفراط في الحركة مكتوف اليدين، فقير القاموس السياسي، وعديم التفاعل مع محيطه، فمن نقده لـ”الاستعمار الداخلي” وتحريضه على “الانقلاب الشعبي الجارف” وتحمسه لـ”الحوار الوطني” ودعوته لـ”الجمهورية الثالثة” وتبنيه لـ”التنسيق الحزبي المغاربي”، وصولا إلى رفع شعار “محاربة البطالة الإجبارية” ومعالجة الأضرار التي ستلحق بأصحاب المقاهي والمحلات والفنانين، وانتهاء بمتابعة الشكوى التي تقدّم بها عدد من المواطنين ضد كل من سيكشف البحث عنه في جريمة التأخّر في جلب اللقاحات المضادة لفايروس كوفيد – 19 والحبل على الجرار، فالمبادرات “المرزوقيّة” لا تنتهي، طالما أنها تسعفه الفصاحة كلها، وغيره “يموت على فمه التعبير”.

التطهّر بالقصائد

الوصفات السياسية يستلّها مرزوق من جيب سترته عند كل عاصفة تجتاح البلاد في شتى مجالات الحياة الحزبية والاجتماعية والثقافية، وفي كل مرة يكون سيد المصطلحات ومبتدع الشعارات ومطلق المبادرات

يختفي وراء مرزوق اليقظ المتوثب إنسان حالم ويصرّ على تحقيق حلمه عبر العمل السياسي، فإن انكسر أو ذوى الساعد لجأ إلى الشعر كفعل تطهيري يدفع به اليأس نحو الأمنيات.

نقرأ في كل مرة، وفي غفلة من الزحام، استراحة شعرية ينشرها على شكل تدوينة في مواقع التواصل الاجتماعي فنقف مندهشين متسائلين: ماذا يفعل هذا الشاعر في صفوف السياسيين؟ نصوص شامخة يكتبها بمنتهى الألق، والحس الشعري المدهش، وفوق ذلك كله: معرفة نقدية مسبقة بمفهوم الشعر -إن كان للشعر من مفهوم- فنجد أنفسنا أمام شاعر نقي وكأنه لم يمارس السياسة في حياته قط.. هل إلى هذا الحد تتقن المراوغة أيها القادم من منطق “خطوتان إلى الأمام، خطوة إلى الوراء”؟

أول ما جعل الناس والنقاد يتفطنون إلى مرزوق الشاعر، لم يكن نصا شعريا خالصا بل دعوة منه الجهات الرسمية في البلاد إلى إقامة جنازة وطنية للشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، فكتب على صفحته في الفيسبوك “لأنه أحد ملوك تونس العظام ولم يملك المادة ولكنه تربع على عروش الروح، أدعو السيد رئيس الحكومة ووزيرة الثقافة بأن يرفع جثمانه المسجى بالراية الوطنية التي أحبها بأيادي ضباط الجيش ليواجه عين الشمس التي تحداها ثم ليقبل التربة التي أحبّ، منها يكون ولها يعود”.

وأضاف حينها، مخاطبا سلطات الإشراف، بكل ما يمتلكه من حب لصديقه “أدعو أن تكون مسيرته الأخيرة بين محبيه في مستوى ما كان وما سيكون وفي مستوى ما نريد أن يكون تقدير هذه الأمة بتاريخها الذي يتجاوز ثلاثة آلاف سنة للثقافة والمثقفين” واختتم كلمته “ولتكن ضحكة الفرح الذي يحتفي بالميت مثلما يبكيه. نحن تعساء لرحيلك يا أولاد أحمد وسعداء لأنك كنت منا وستبقى لنا نفاخر أمم الشعر بك”.

هذه “السعادة” التي يصرّ عليها مرزوق في توديع أصدقائه، وكأنما هي لحظة احتفاء بالحياة التي فاجأته عند رحيل الأحبة، ونبهته أنها قد أهدته صداقات لم يوفها حق قدرها إلا في لحظات الفراق فتشتعل الجذوات عند ساعة احتضان الأرض لأبنائها في مواكب الاعتراف العظيم، والذي منه يولد مفهوم الوطن بعيدا عن البازار السياسي.

من هنا، ومن هذا الالتباس الموغل في الوضوح تساءلت الناقدة والأكاديمية التونسية ألفة يوسف كيف لجنازة أن تكون مشمسة؟ وذلك في لقاء مع محسن مرزوق تحاوره فيه عن مجموعته الشعرية الجديدة “جنازة مشمسة” التي أصدرها في الذكرى الثامنة لرحيل رفيق دربه شكري بلعيد، وأهداها إلى روحه.

وتضيف الباحثة التونسية في لقائها مع “صاحب مشروع تونس الشعري” للذهاب أكثر نحو الالتباس في لقاء جاء على إثر توقيع مرزوق لكتابه في مدينة الثقافة بمدينة تونس، بالمناسبة كان أمين عام حزب مشروع تونس يوقع نسخ الكتاب بنفس القلم الذي يوقع فيه البيانات الصادرة من مكتبه السياسي، اخترت أن أخاطر بتصديق رجل سياسة والسياسيون معروفون بالمراوغة، واخترت أن أصدّق شاعرا وكانت العرب قد قالت “أعذب الشعر أكذبه”. رد مرزوق إن هذا الكتاب ليس سياسة ولا فكرا إنما هو ألق بلا روح.. ولكن أي روح؟ روح شكري أم روح محسن؟

وبنفس ملحمي وكأنك إزاء شاعر قام من أوديسة الإغريق، يخاطب مرزوق النساء المتشحات بالسواد في جنازة شكري بلعيد “الآن حان الوقت لهن ليتفرغن للنواح عليك. ابكين عليه أيتها المكلومات المفجوعات! لا تتركن الحزن يجمد في قلوبكن.  ابكين كل ما في أعينكن وأرواحكن”.

ومثل وقوفه وهو يحيي العلم في معتقل “رجيم معتوق” بعد 30عاما، وقف مرزوق عند الصخرة على الشاطئ الذي مات فيه والده “في هذا المكان منذ 50 عاما خرج والدي من المصنع الكيميائي الملوث الذي يعمل فيه وهو يحس بضيق في صدره، نزع ملابسه في حر سبتمبر وكأنه يريد أن يسبح ولكنه سقط في الماء مغشيا عليه ليموت في أقصر من ذراع بحر، وقتها كنت طفلا. لم أقف عند هذا المكان أبدا لأسأل الصخر والبحر عن تفاصيل فجيعة يتمنا أنا وإخوتي وترمّل والدتي وهي تحت سن الثلاثين”.

12