محطات تحلية المياه.. ما نشربه عذبا ندفع به سمّا للبحر

دراسة تكشف أن مقابل كلّ ليتر من المياه المحلّاة المعدّة للشرب، تلقي المحطّات ليترا ونصف الليتر من الطين عالي الملوحة.
الأربعاء 2019/01/16
حلول تستحيل إلى مشكلات

باريس – في عالم يرزح تحت ثقل التغير المناخي وانحسار الأجناس الطبيعية وندرة المياه، وتنامي معدلات التلوث، يبدو أن بعض الحلول تستحيل مشكلات كما تظهره حالة محطات تحلية المياه وفق خلاصات دراسة حديثة نشرت في مجلة “ساينس أوف ذي توتال إنفايرومنت”.

وباتت محطات تحلية المياه أكثر انتشارا في العالم مع ازدياد الحاجة إليها، لكن الدراسة الحديثة أظهرت أنها تنتج سموما أكثر من إنتاجها للماء العذب. فمقابل كلّ ليتر من المياه المحلّاة المعدّة للشرب، تلقي المحطّات ليترا ونصف الليتر من الطين عالي الملوحة، بحسب ما أظهرت دراسة أعدها باحثون في كندا وهولندا وكوريا الجنوبية.

يذكر أن ما يصل إلى 4 في المئة من إمدادات الطاقة في جميع أنحاء العالم يستخدم في إنتاج ومعالجة وتحلية مياه الشرب.

وأظهرت الدراسات أن محطات التحلية البالغ عددها 16 ألفا تلقي يوميا 142 مليون ليتر من الطين عالي الملوحة، أي أكثر مما كان مقدرا من قبل بما نسبته 50 بالمئة.

وهذه الكمية كافية مثلا لطمر فلوريدا بطبقة سماكتها ثلاثون سنتيمترا خلال عام واحد.

وتلقي معظم هذه المحطات الطين في البحر مباشرة، أو في الأنهار والبحيرات، ما يؤدي إلى اضطراب النظام البيئي وتلويثه ويقلل من مستويات الأكسجين، ما يؤثر بشكل كبير على المحار والكابوريا ومخلوقات أخرى في قاع البحر.

ويضاف هذا التلوّث إلى ذاك الناجم عن المواد الكيميائية مثل الكلور والنحاس. وقام الباحثون في بداية الدراسة بحصر عدد منشآت تحلية البحر العاملة في الوقت الحالي وذلك بالاعتماد على قواعد البيانات المتوفرة.

وتقع 80 في المئة من محطات تحلية المياه بالقرب من السواحل، وتزدهر في الآونة الأخيرة خصوصا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط لتلبية الطلب المتزايد على الماء الذي يشهد شحا ناجما عن الاحترار المناخي والتلوث والنمو السكاني.

وتقول الأمم المتحدة إن ما بين مليار ونصف المليار وبين مليارين من البشر تنقصهم الموارد المائية. ويعتمد سكان المناطق قليلة المياه بشكل خاص على مياه الشرب التي تنتجها محطات تحلية مياه البحر “حيث يعيش نحو 1.5 مليار إنسان في مناطق تعاني من قلة المياه، ولا يكفي فيها مخزون المياه في أوقات من السنة لتلبية حاجة هؤلاء السكان من المياه”، حسبما أوضح فلادمير سماختين، أحد المشاركين في الدراسة.

ومن شأن الاضطراب المناخي الحاصل أن يفاقم هذا الأمر، فكلّ درجة إضافية من الاحترار تُفقد 20 بالمئة من البشر موارد الماء العذب، بحسب خبراء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ.

وشدد الباحثون على أن هناك ضرورة ملحة لتطوير أساليب أفضل لمعالجة المخلفات الناتجة عن تحلية مياه البحر، وذلك لتجنب تلوث البيئة ولخفض تكاليف التخلص من هذه النفايات.  وأوضح الباحثون تحت إشراف سيونغ مو كانغ من الفرع الكندي لجامعة الأمم المتحدة، أن هذا هو السبيل الوحيد لتأمين احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية من مياه الشرب.

ويقول منصور قدير نائب رئيس معهد الماء والصحة والبيئة في جامعة الأمم المتحدة في كندا “تحلية الماء أفادت الكثيرين في العالم، لكن في الوقت نفسه لا يمكن إغفال ما ينتج عنها من طين مالح، وهو سيطرح مشكلة في المستقبل”.

ورغم خطورة هذه المشكلة، لا تهتم الدول التي تعاني من ندرة المياه بها، قدر اهتمامها بتوفير المياه العذبة للاستخدامات المختلفة. ويضيف “علينا أن نجد حلا يكون معه إنتاج الطين أقل من إنتاج الماء العذب، وإدارة هذه المادة الملوثة”.

ومع حلول العام 2025، يتوقع أن يبلغ عدد محطات التحلية في العالم 17 ألفا و500، علما أنه لم يكن يتجاوز الثلاثة آلاف في العام 1990.

وتشير الدراسة أيضا إلى إمكان الاستفادة من الطين المالح في الزراعات المائية، وأيضا في إنتاج الطاقة الكهربائية، فالملح يحتوي على بعض المعادن والأملاح مثل الماغنيزيوم والكالسيوم والبوتاسيوم والليثيوم، ومن الممكن استخراجها بفضل التقنيات الحديثة والاستفادة منها.

ويشير منصور قدير أيضا إلى إمكان الاستفادة من الطين المالح في زراعة طحالب غنيّة بالبروتين تستخدم كمكمّل غذائي. ويقول “علينا أن نحوّل هذا النوع من الأبحاث إلى إنجازات ملموسة، على أمل أن تتحوّل تلك المشكلة إلى أمر إيجابي على الصعيد الاقتصادي”.

20