محطات في نشأة النقد الثقافي

الجمعة 2018/01/26

منذ عدة سنوات كنتُ ضيفا على المفكر الراحل ستيوارت هول ببيته بغرب لندن وهناك دار بيننا حوار طويل حول تجربته الإنسانية والثقافية والفكرية ومساهمة هذه التجربة في ميلاد الدراسات الثقافية والنقد الثقافي ببريطانيا بشكل محدّد وخاص.

أوضح لي هول أنه لفهم أيّ ظاهرة لا بد من تعقّب مرجعياتها التاريخية لأنّ لكلّ شيء تاريخه الخاصّ به. ففي تقديره إن فهم مضامين وأهداف وسياسات الدراسات الثقافيّة والنقد الثقافي أمر يستدعي العودة إلى مجموعة من المراحل والظواهر التاريخية التي أثّرت بشكل تدريجي وأدّت إلى نشأة كلاَ من النقد الثقافي والدراسات الثقافية.

في البداية لا بد أن ندرك أنّ الثقافة في المجتمعات الرأسمالية الأوروبية/ الغربية كانت تصنّف كقوة هيمنة من جهة، وكنوع السلعة التي توفر المتعة الترفيهية من جهة أخرى، وخاصة من طرف الطبقة البرجوازية الغربية، وفي الوقت نفسه فقد كانت هذه الطبقة تنظر باستخفاف إلى ما كان يسمى بالثقافات الهامشية مثل ثقافات العمال، والسود وعامة المهاجرين الآتين من مجتمعات غير أوروبية/ غربية، وثقافات النسوة.

لكي نؤرخ لميلاد النقد الثقافي فإنه ينبغي علينا أن نأخذ بعين الاعتبار العديد من الظروف والظواهر والملابسات المتشابكة والمعقّدة هناك لحظة، مثلا، تاريخية لها فرادتها وتتمثل في “الثورة الصناعية” التي غيّرت العلاقات والقيم والمفاهيم بما في ذلك بنية وعادات وأسلوب حياة العائلة في المجتمعات الأوروبية، وهي العائلة التي بدأت تتفكك وتشهد بالتوازي بروز ثقافة جديدة فيها وهي ثقافة الفرديّة التي بمقتضاها يقرّر الأفراد مصيرهم.

وحين تفجّرت الحرب العالميّة الأولى والثانية أيضا ذهب الرجال خلالها إلى الحرب، ولكن في هذه اللّحظة بالذات بقيت المعامل والمؤسسات الاقتصادية فارغة من العمّال الذكور فذهبت النساء إلى تلك المعامل، وإلى مختلف مراكز العمل، وعوضن أزواجهن وأقرباءهن الذكور، وعندما عاد الرجال من الحرب وجدوا النساء اكتسبن هوية مختلفة وبدأن في الكفاح الثقافي والسياسي والاجتماعي مما أدى إلى تشكّل ملامح جديدة لهويّة النساء الأوروبيات وخاصة في البلدان المصنّعة منها.

ففي الأربعينات والثلاثينات من القرن العشرين، كانت هنالك أيضا حركات التحرّر الوطني في العالم الثالث، وكان جزء أساسي من الغرب ينظر إلى ثقافات المجتمعات المستعمرة على أنها ثقافات بدائية لم ترق بعد إلى أن تكون ثقافات إنسانية منتجة للمعنى الحداثي. ففي هذه اللحظة التاريخية التي تميّزت بما يمكن أن نسمّيه بالمقاومات الثقافية في البلدان المستعمرة بدأ مفهوم الثقافة يتغيّر ويتشكّل من جديد ويخرج من نفق المركزية الأوروبية.

كاتب جزائري

15