"محطة الشمال" لكلير سيمون: اختزال العالم في محطة

الجمعة 2014/06/27
الفيلم حكايات سفر وضجر من ثنائية الحضور والغياب

باريس – دائما ما تكون أعمال المخرجة الفرنسية المولودة بلندن “كلير سيمون” سنة 1955 أيقونة لمقاربات سوسيولوجية، تكشف من خلالها واقع المجتمع بتناقضه وانسجامه، بصخبه وعنفه، لترسم فسيفساء مكتملة يعكس فيها كل فرد لونا وحجما معينين، ليكون هذا الكل، متكاملا ومتجانسا رغم اختلافاته.

ببساطة يمكن حل شيفرات أعمال كلير سيمون، دون البحث والاشتغال على الرمزيات الفنية المتوارثة، والعناصر المتعارف عليها والتي تدخل في تكوين جسد الفيلم، في عملية بحث مستمر عن معنى باطني وعميق.

لكنها تكتفي بنقل حكايات المجتمع بكل تفاصيلها، تعيد نسج هذه الحكاية بطريقتها، وتوزع الأدوار على من تجد فيهم الشروط التي تعكس قناعتها في تجسيد الشخصيات، بعد أن تؤمن بقدرتهم على نقل “الحدوتة” بكل إقناع، وإدراك لتفاصيلها.

الفيلم الجديد “محطة الشمال” إنتاج 2013، تجربة سينمائية أخرى لكلير سيمون، إذ يعد هذا العمل الخامس لها في مجال إخراج الأفلام الروائية، إذ جاء مشبعا بالتجربة الفنية والنضج الفكري، وأظهر التوجه الصريح لهذه المخرجة، واعتناقها لمذهب الواقعية، وقد اختارت محطة القطار لتكون فضاء تجري من خلاله وقائع وأحداث عملها، خاصة وأن محطة الشمال تعدّ من أكثر محطات النقل حركة ونشاطا عبر السكك الحديدية في العالم.

يؤمها يوميا آلاف الأفراد، وكل واحد فيهم يخبئ حكاية خلف تقاسيم وجهه، ومن بينهم القصة التي نسجت خيوطها من خلال كتابة سيناريو العمل من قبل كل من كلير سيمون، وسيرل أمتاي، وأوليفير لورل، وأدّى أدوار البطولة فيه مجموعة من الممثلين ينتمون إلى مرجعيات وعرقيات مختلفة.

من بينهم المخرجة والمؤلفة والممثلة الفرنسية المولودة بالجزائر “نيكول غارسيا” (1946)، التي أدّت دور ماتيلد، والممثل الشاب ذو الأصول الجزائرية وابن أخ كل من المسرحي مصطفى كاتب، والروائي الشاعر كاتب ياسين وهو “رضا كاتب” (1977)، الذي أدّى دور إسماعيل، والممثل البلجيكي “فرانزواس ديمناس” (1973)، الذي أدّى دور ساشا، والممثلة الكندية ذات الأصول التونسية “مينة شكري” (1983)، التي أدّت دور جوان، بالإضافة إلى ممثلين آخرين.

عن طريق طاقم الممثلين الذين يحملون جنسيات مختلفة وهويات متعددة ومفككة، نقلت المخرجة كلير سيمون واقعا معينا، حيث أسقطت هويات ممثليها وعكستها على محطة الشمال هذه، التي تعتبر بمثابة خلية نحل لنشاطها وحيويتها، ونموذجا مصغرا لفرنسا، بما تحمله من مكونات مختلفة.

"محطة الشمال" إنتاج 2013، تجربة سينمائية أخرى لكلير سيمون، إذ يعد هذا العمل الخامس لها

من هنا تبدأ حكاية إسماعيل طالب الدكتوراه، الذي اختار هذه المحطة ليجري بحثه السوسيولوجي لإنجاز مذكرته الجامعية، من خلال احتكاكه اليومي بالمسافرين، وتوزيع الاستمارات عليهم، لسبر آرائهم حول الحياة في هذه المحطة التي تعكس عالما بأسره، إذ لا تختلف عنه في شيء.

ليسمح له هذا البحث بأن يعرف كل تفاصيل هذا الفضاء الحي، وفي خضم ذلك يلتقي ماتيلد أستاذة جامعية تدرس التاريخ، وتنشأ بينهما علاقة مهنية قوية، تقوم من خلالها ماتيلد بمساعدة إسماعيل وتسهيل تواصله مع المحيطين به، لتتطور هذه العلاقة بينهما حتى تصل إلى الحب والحميمية، رغم فارق السن بينهما، إذ يتبين أن أيام ماتيلد معدودة، لإصابتها بمرض خطير ومميت، من هذه المحطة تبدأ حياتهما رغم قصرها، وإذ ذاك تحدث العديد من التقاطعات في هذه المحطة، تعكسها شخصية ساشا الذي يبحث عن ابنته الضائعة ذات الـخمس عشرة سنة، يملأ الأمل قلبه في لقائها من جديد، في إحدى زوايا المحطة أو على أرصفتها.

جوان هي الأخرى ضائعة بشكل مختلف، بعد أن تشظت حياتها بين العديد من المدن، بين ليل وباريس ولندن، وذلك ما فرضته عليها طبيعة عملها كبائعة عقارية، لكسب قوتها وعيشها، ضاربة عرض الحائط بثماني سنوات من الدراسة الجامعية، ليبيّن القدر إحدى صفحاته ويظهر بأنها كانت من بين طالبات ماتيلد. من خلال هذه الأجزاء تتشكل مشاهد الفيلم وقصته، يُسير خيوطها حب إسماعيل لامرأة تفوقه سنا، والتي تدرس التاريخ لكنها لم تستفد منه، لتشبثها في آخر عمرها بحلم لن يدوم طويلا، والذي سيموت بموتها، وساشا يتقد قلبه أملا في حياة رفقة ابنته الضائعة، وجوان المسكينة المشتتة.

تتواصل خيوط هذه القصة على وقع ضوضاء المسافرين، وصياح الباعة، وصفارات القطار، وصرير عجلاته على السكك، وتتطاير دخانه في الفضاء، وبين انتشار المشردين والمتسولين، وأمام رجال الشرطة بعيونهم الثاقبة لمحاولة معرفة كل شاردة وواردة، من أجل أن يحكموا قبضتهم على كل تفاصيل المحطة، ويكون ذلك بمثابة مرآة عاكسة للسلطة الفرنسية التي تبحث دائما على الاحتواء بأيّة طريقة وإن خالفت شرائعها وشعاراتها، مشاهد تربطها رائحة قرميد سقف المحطة وحديده البالي، من هنا يأتي خبر وفاة ماتيلد على إسماعيل وجوان، هذه الأخيرة التي أودعتها ماتيلد قبل وفاتها مذكرتها الصوتية التي يحتاجها إسماعيل، وهكذا يعودان إلى مدينة ليل، وفي ذهن كل واحد منهما ألف سؤال وهاجس.

نجحت المخرجة كلير سيمون في نقل حياة وهموم الناس من خلال محطة الشمال، وقد استطاعت أن تصوّر فرنسا وتختزلها في إحدى المحطات حسب أحد تصريحاتها.

16