محفزات الصراع وفكرة التسامح

لدى الإمارات قراءة ترى أن خلفيات المخاطر التي تتهدد المشرق العربي، هي التعصّب ورفض قبول الآخر ومحاولات إقصائه والسيطرة على أرضه مقدراته وشعوبه!
الأحد 2018/11/18
مكافحة طوفان البغضاء المستشري في العالم

تترافق فعاليات إحياء دولة الإمارات ذكرى مرور قرن على ولادة الشيخ زايد؛ مع تظهير مفهوم التسامح ودواعيه الإنسانية والتركيز عليه. وقد خُصصت للتسامح وزارة ترعى هذه القيمة الرفيعة، ببرنامج وطني يقوم على أركان سبعة، من بينها الدين الإسلامي الحنيف، وإرث الشيخ زايد نفسه، ودستور دولة الإمارات، وأخلاق المجتمع والمواثيق الدولية المشفوعة بوقائع التاريخ، وفطرة الإنسان، والقيم التي تشترك فيها الأمم.

وواضح أن الغاية من هذا التوجه هي تعزيز بعض المحددات الثقافية التي من شأنها دحض التمييز والعنصرية والكراهية وتجريم ازدراء الأديان ومقدسات الشعوب. وهذه محددات من شأنها مكافحة طوفان البغضاء المستشري في العالم بكل تجلياته وأقبحها الاستعلاء وإثارة النعرات، حتى بدا الآخر، الذي تدعو كل الأديان والفلسفات إلى تقبله؛ ذئبا في ناظر مسمّمي المناخات الصحية للتعايش بين البشر.

قد تبدو المهمة سهلة ويمكن إنجازها بكلام مُرسل دون مراكمة العناصر الضرورية لضمان بلوغ مقاصدها. لكنها في الواقع تحتاج إلى علم وعمل. فالتعصب هو الجرثومة المضادة التي تكمن وراء الحروب والقلاقل والأطماع الإقليمية والمطامح اللامشروعة. والأرجح أن هذه الجرثومة، في العالم الإسلامي، موروثة من الفقه الظلامي الرديء الذي أنتجته العصور الوسطى، وما تخللها من حروب دينية، يصعب على الإنسان، بمنطق نتائجها، أن يكون متسامحا. واللافت أن بعض بؤر الصراع الذي تشعله الأصوليات، وتتخذ لنفسها أغطية سياسية وحقوقية، و”جهادية” عند المسلمين، أو توراتية عند اليهود، أو صليبية عند الأصوليين المسيحيين؛ هي في الواقع مدفوعة بأحقاد تاريخية لا عقلانية، لدى من يدبّرونها ويستغلون الجهلة لإشعالها والاحتراق بنارها.

لقد نشأ مفهوم التسامح في أوروبا في عصر الأنوار والأنسنة، وكان ردا على الصراع الدامي في القارة، ما جعل المفكرين والفلاسفة يتوصلون إلى نتيجة مفادها أن التعصب الديني هو المحفز الأبرز للحروب الأهلية والتمزق الاجتماعي. والمسألة كلها كانت تتعلق آنذاك بالتطاحن بين الكاثوليكية والبروتستانتية، رغم قدم التسامح في العقيدة المسيحية!

حمل الإسلام، بعد المسيحية، معاني الدعوة إلى التسامح في القرآن الكريم. لكن التطبيقات التي اعتمدها مسيحيون ومسلمون نافذون على مر التاريخ هي التي حادت عن قيمة التسامح، وأدت إلى سفك الدماء في سياقات الصراعات البينية. فقد أنتج المسيحيون الإمبريالية التي لم تعرف الرحمة، وخاض المسلمون حروبا مريرة وتقاتلوا وتصارعوا للهيمنة على الممالك الصغرى وتصارعوا مذهبيا.

الأصولية اليهودية، تموّهت، ابتداء، بالعلمانية، ثم استحوذت على دولتها العلمانية التي تأسست بالقتل وسفك الدماء وتشريد الناس، أصولية فاقعة شديدة الجفاء لفكرة التسامح، علما وأن القوى التي واجهتها منذ البدايات، لم تكن أصولية، وإنما ذات منحى قومي أو وطني، ولم ترتكب جريمة الغزو ولا جرما تاريخيا يتطلب تسامحا أو عفوا. فمن ارتكب الجرائم بحق اليهود، هم الذين شنوا الحروب على بعضهم بعضا في القارة القديمة.

لدى الإمارات قراءة ترى أن خلفيات المخاطر التي تتهدد المشرق العربي، هي التعصّب ورفض قبول الآخر ومحاولات إقصائه والسيطرة على أرضه مقدراته وشعوبه!

24