محفزات العفو ترفع نسب النجاح بين نزلاء السجون الجزائرية

المساجين في الجزائر يواجهون تأنيب الضمير بالقراءة والكتابة والتعلم.
الجمعة 2021/07/30
نسبة نجاح هامة في امتحانات نيل شهادة البكالوريا حققها عدد من المساجين

حقق عدد من المساجين الجزائريين نسبة نجاح هامة في امتحانات نيل شهادة البكالوريا وشهادة التعليم المتوسط، وفق إحصائيات لوزارة التربية الجزائرية. ويعود ذلك إلى ما تتمتع به هذه الشريحة الاجتماعية من تخفيف للعقوبة كان بمثابة المحفز لها للإقبال على الدراسة وتحقيق هدف نيل الشهادة ومن ثم الالتحاق بالجامعة والعودة إلى أحضان الأسرة.

الجزائر- تحول العفو الرئاسي السنوي عن المساجين أو التخفيف من عقوباتهم، إلى محفز كبير لهم للإقبال على الدراسة والاجتهاد داخل حجراتهم من أجل تحصيل شهاداتهم التعليمية، والاستفادة من التدابير التي دأب رأس السلطة في البلاد خلال السنوات الأخيرة على اتخاذها لفائدة هؤلاء، الأمر الذي سمح بإعادة تأهيل نفسي واجتماعي إيجابي للمخطئين في حق القانون والمجتمع، وسهل عليهم الاندماج السريع مجددا، وفوق ذلك العودة إلى أحضان الأسرة.

وكشفت الإحصائيات المعلن عنها من طرف وزارة التربية الجزائرية مؤخرا، عن تحقيق المساجين لنسبة نجاح فاقت الـ47 في المئة في شهادة البكالوريا، وأكثر من 31 في المئة في شهادة التعليم المتوسط، خلال الموسم الدراسي الجاري، الأمر الذي يترجم دور الإجراء في التحفيز على الدراسة والاجتهاد داخل السجون.

وكان الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، قد أقر قبيل عيد الأضحى، إجراءات عفو لفائدة السجناء الذين نجحوا سواء في شهادة التعليم المتوسط أو البكالوريا، وذلك ضمن حزمة العفو المعلن عنها مؤخرا من طرف الرئاسة والتي قدرت بأكثر من 14 ألف سجين من مختلف الفئات، ومن بينهم الناجحون في الشهادات التعليمية المذكورة.

ويرى المختص النفسي حسين بن زكري، بأن “هدف المختص النفسي داخل الزنازين هو متابعة المسجون وإزاحة تأنيب الضمير من ذهنه، وتخليصه من عقدة الذنب التي تظل تعذبه لفترات طويلة، وأن التعليم يعتبر نافذة نحو العودة مجددا إلى الحياة من وراء القضبان الحديدية، وأن المبدأ هو القضاء على المرض وليس القضاء على المريض “.

التكريمات الرسمية للسجناء الناجحين تحولت إلى تقليد استثنائي داخل السجون وذلك رغبة في تجاوز المحنة

وكان الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، المبادر الأول في الالتفات إلى الفئة المذكورة، في إطار استراتيجية تأهيل نفسي واجتماعي، ومساعدة المساجين على الاندماج السريع في المجتمع، بخلق محفزات تتمثل في تقليد العفو أو التخفيض من العقوبة، فضلا عن تقديم خدمة إنسانية لأسرة السجين التي تعاني مع سجينها.

وقال بن زكري، إن “العشرات من المساجين تمكنوا بفضل متابعة الدراسة من تجاوز مشكلتهم الكبرى التي أدخلتهم السجن، وواجهوها بالقراءة والكتابة والتعلم والمنافسة من أجل الظفر بنقاط ولم لا الحصول على الشهادات وأكبرها شهادة البكالوريا”.

وتحولت التكريمات الرسمية للسجناء الناجحين في الامتحانات النهائية، إلى تقليد استثنائي داخل السجون تعود من خلاله الرغبة في تجاوز المحنة والعودة إلى الحياة العادية، وسبق لمسؤولين كبار في الدولة أن أشرفوا على حفلات رمزية لفائدة هؤلاء، تمهيدا لإدماجهم من جديد وبسرعة في المجتمع.

وقالت سعيدة (42 عاما) لـ”العرب”، “إن السجين لما تطأ أقدامه السجن ينحت أيامه الطويلة على الجدران، فهناك ومهما كان الجرم تعيش معاناة نفسية معقدة خاصة بالنسبة إلى المرأة، التي تتمنى في بعض الأحيان عدم مغادرة السجن خوفا من نظرة المجتمع، لأن مفردة (المحابسية) ستخترق أذنها كقنبلة صوتية وتهز كيانها في كل مرة”.

وأضافت أن ارتكاب الجرم ودخول السجن، ليس كالعيش فيه أو الخروج منه، ففي السجن حياة أخرى ونمط آخر، لا يسلم منها إلا من يملك أو تملك قوة نفسية وذهنية، أو من انغمس في إعادة تكوين نفسه بالدراسة والتعلم أو التكوين، اللذين يسمحان للسجين بالاندماج المبكر مع كتبه وكراريسه، وإذا وفق في ذلك يستفيد من فرصة مغادرة أسوار السجن.

وتسرد نعيمة التي حازت على شهادة البكالوريا، تجربتها بالقول “تمكنت من تخطي سنوات محكوميتي القاسية بالانغماس في الدراسة وصناعة عالم خاص بي داخل السجن، وانتقلت من سنة إلى أخرى حتى السنة الثالثة، ورسبت في أول مرة، لكنني أعدتها ثانية وكان التوفيق من نصيبي وبتقدير مشرف”.

وتتفاوت درجة العفو على السجين الناجح بحسب العقوبة والجرم أو الجنحة، وقد تم إدراج ذلك في إطار إصلاحات أقرتها الجزائر خلال السنوات الماضية، وفيها من يستفيد من إعفاء تام، ومن يستفيد من الحرية النصفية، حيث يسمح لأصحابها من مزاولة دراستهم الجامعية أو تكوينهم حسب نظام خاص يتكون من نصف يوم في الجامعة، ثم يعود في المساء إلى الزنزانة.

ويرى مختصون في القانون بأن الخطوة عبارة عن “تحرير نسبي وإدماج تدريجي في المجتمع، فالحرية النصفية تمنح للسجناء الذين زاولوا تعليمهم وحتى المتدربين في مختلف المهن، في انتظار استفادتهم من تقليص العقوبة بالنظر إلى القوانين التي سنتها السلط القضائية، والتي تمنح فرصا عديدة لبعض الفئات من السجناء، حيث يتم تخفيف العقوبة عليهم وتمكينهم من العودة إلى الحياة اليومية، وحتى الوصول إلى درجات عليا في التعليم والحصول على وظيفة”.

السجون والتعليم في الجزائر

ويضيف هؤلاء بأن “الحرية النصفية هي وسيلة مجدية في مختلف المراكز العقابية، لمعالجة سلوك الانحراف والجرائم وإخراج السجناء من عقدة الماضي الأليم وسبب دخولهم السجن، وهي حافز قوي على تخطى المحبوس مراحل عديدة بشكل أسرع وبثبات، نحو العودة إلى حضن المجتمع والعائلة، عبر بوابة شهادة تعليمية أو تكوينية”.

وتضمنت التشريعات الناظمة اتفاقية بين إدارة السجون وإعادة الإدماج ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تدعى “العطلة الأكاديمية”، تسمح لحاملي شهادة البكالوريا من نزلاء المؤسسات العقابية بضمان القبول التلقائي عند التسجيل في الجامعة بعد خروجهم من السجن، فضلا عن تمكين كل سجين من دخول الجامعة مهما كان عدد السنوات الذي مرت على تاريخ حصوله على الشهادة.

وحسب بيان المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، فإنها سجلت “ارتفاع نسبة نجاح السجناء الذين اجتازوا امتحان البكالوريا، مقارنة مع عدد الناجحين برسم الموسم الدراسي الماضي، إذ بلغ عدد الناجحين 444 من أصل 814 مترشحا اجتازوا الامتحان، بزيادة مهمة بلغت 54.16 في المئة”.

وأكد البيان نسبة النجاح في امتحانات نيل شهادة البكالوريا بين صفوف نزلاء المؤسسات العقابية، وأن 96 في المئة منهم تقدموا للامتحان كمترشحين أحرار، وأن شعبة الآداب كانت في طليعة الشعب”.

ولفت إلى أن الناجحين السجناء لم يستفيدوا خلال هذا الموسم الدراسي، من دروس الدعم والتقوية بسبب التدابير الاحترازية المتخذة لمواجهة انتشار فايروس كورونا المستجد، وأن النتائج تراوحت بين الحسن والجيد، فأفرحوا بذلك أنفسهم وأسرهم حتى وهم داخل السجون.

21