محفوظ عبدالرحمن.. أديب أنسته الدراما صنعته الأولى

رحل عن عالمنا الكاتب المصري محفوظ عبدالرحمن، بعد صراع طويل مع المرض، عن عمر ناهز الـ75 عاما، وكان الراحل قد تعرض منذ أسبوعين لجلطة دماغية مفاجئة نقل على إثرها للمستشفى، ورافقته في المستشفى زوجته الفنانة سميرة عبدالعزيز، وعبدالرحمن واحد من أهم كتاب الدراما العربية، حيث قدم عددا من أهم الأعمال الناجحة.
الأربعاء 2017/08/23
جنازة في حجم المنجز (عدسة محمد حسنين)

القاهرة – بوفاة كاتب المسلسلات والأديب والمثقف المصري العربي محفوظ عبدالرحمن، الذي غادر دنيا الناس مؤخرا، عن 75 عاما، لم تفقد الدراما التلفزيونية وحدها واحدا من فرسانها الفطاحل، بل فقدت الساحة العربية بمجملها أحد كبار مثقفيها.

وعبدالرحمن الذي درس التاريخ فتعمق في دراسته، حيث تخرّج من قسم التاريخ بكلية آداب جامعة القاهرة في العام 1960، كان التاريخ عشقه الأكبر، ويمكن النظر إلى إنجازه الثقافي في إطار تلك المظلة التاريخية.

هذا الإنجاز يتجلى من خلال أبعاد ثلاثة هي: أولًا الكتابة الدرامية التاريخية، وثانيا الانتماء القومي العربي، حيث يمكن توصيفه بأنه واحد من القوميين العرب، ثم ثالثا أنه أديب أنسته الدراما صنعته الأدبية.

هوس بالتاريخ

في الدراما التلفزيونية المصرية، كان محفوظ عبدالرحمن من القلائل الذين تحولت الدراما على أيديهم من مجرد تسلية ضعيفة المحتوى والمضمون وتزجية وقت فراغ المشاهدين إلى مدرسة فنية شاملة تعلم فيها من تابعوها بإمعان خفايا تاريخ العرب، مُجسدا في شخوص من لحم ودم تتنفس وتتحرك.

كانت بدايته مع مسلسل “سليمان الحلبي”، ذلك الشاب السوري الذي كان يدرس بالأزهر في القاهرة، والذي انحاز إلى انتمائه العربي فثار على احتلال الفرنسيس لمصر واغتال قائدهم كليبر.

المسلسل الذي قدمه عبدالرحمن عام 1975 وأخرجه المخرج الفلسطيني عباس أرناؤوط، لم يكتف فيه عبدالرحمن بسرد وقائع هذا الاحتلال ولا بفظائع وسلبيات حملة بونابرت على مصر في عام 1798، بل عرض كذلك لما تركته الحملة من آثار إيجابية على المصريين والعرب، حتى أن البعض اتهمه ساعتها بالترويج للفرنسيين.

اهتمام عبدالرحمن بالتاريخ هو "الثيمة" الثابتة في مشروعه الدرامي، فالتاريخ عنده "المعبر عن الدراما البشرية كلها"

وكان الرجل أمينا مع نفسه ومع منهجه الموضوعي في عرض وقائع التاريخ، وهو ما ظل يتوخاه طوال مسيرته، فنجده في “بوابة الحلواني” (24 حلقة) يقدم رصدا تاريخيا، لكن على طريقة الدراما، لتاريخ مصر في نهايات القرن التاسع عشر، والثمن الباهظ الذي تكبده المصريون البسطاء نظير حفر “الترعة الكبيرة”، إذ أزهقت منهم نحو 120 ألف روح.

ويكاد يجمع كل نقاد الدراما على أن مسلسل “أم كلثوم” هو الأهم في مشوار عبدالرحمن الدرامي على الإطلاق، وقد كتبه في عام 1993، وتولت بطولته كوكبة من كبار ممثلي مصر كانوا يتنافسون فيما بينهم على المشاركة فيه.

وفي هذا المسلسل “الأشهر” لم ينظر عبدالرحمن إلى أم كلثوم بحسبانها مجرد مطربة عبقرية فقط، وإنما قدمها كإحدى صانعات التاريخ المصري والعربي، كمدخل لتاريخ البسطاء الذين اهتم بهم دائما.

تاريخ أم كلثوم بدأ من أربعينات القرن العشرين حتى سبعيناته، وراح عبدالرحمن يتتبع من خلال حكايتها مجريات ودواخل وخفايا السياسة المصرية آنذاك، حتى أنه هو نفسه قال بعد مشاهدة المسلسل “نعم.. أم كلثوم كانت فعلا مرآة حقيقية للنهضة المصرية التي بزغت مع ثورة 1919”.

وظهر هذا الغوص “المحفوظي” في التاريخ من خلال الدراما في كل مسلسلاته تقريبا، سواء في “ليلة سقوط غرناطة”، أو “مصرع المتنبي”، أو “محمد الفاتح”.. وغيرها، وكان اهتمامه بالتاريخ هو “الثيمة” الثابتة المعهودة في مشروعه الدرامي كله، فالتاريخ بالنسبة إليه كان “المُعبّر عن الدراما البشرية كلها”.

وانتماء محفوظ عبدالرحمن القومي ظهر بوضوح في مسلسلاته كلها، وكذلك في أفلامه الثلاثة “القادسية” و”ناصر 56” و”حليم”، والذين شاهدوا تلك الأفلام لا بد أنهم أدركوا كيف أنهم أمام مثقف هاجسه باستمرار لم شمل العرب، والتذكير بما كان لهم من مجد تليد، ويحلم بعودة هذه الأمجاد.

وبرز هذا الحلم أكثر ما برز في “ليلة سقوط غرناطة” وفي فيلم “القادسية”، الذي نبّه فيه مبكرا إلى أن الخطر الفارسي على الأمة العربية ليس وليد العصر الحاضر، بل يعود إلى لحظة فتح العرب المسلمين فارس أيام سعد بن أبي وقاص.

محفوظ عبدالرحمن: أم كلثوم كانت فعلا مرآة حقيقية للنهضة المصرية التي بزغت مع ثورة 1919

انتماء قومي

قبل الدراما وبعدها، فإن محفوظ عبدالرحمن هو بالأساس أديب، ولولا أن الدراما التلفزيونية استهوته فملكت عليه قلبه وفؤاده وسرقته من الأدب لكان الآن واحدا من أهم الأدباء العرب.

وكتب عبدالرحمن 12 مسرحية، من بينها “اللبلاب”، و”عريس لبنت السلطان”، و”كوكب الفئران”، و”حفلة على الخازوق”، و”الفخ”، و”محاكمة السيد ميم”، كما أن له روايتين هما “نداء المعصومة” و”اليوم الثامن”، فضلا عن مجموعتين من القصص القصيرة، هما “أربعة فصول شتاء” و”البحث عن المجهول”.

وأشار نقاد الأدب إلى أن ثمة خصائص ثلاث تميز بها أدب محفوظ عبدالرحمن، أهمها اهتمامه الملحوظ بالسياسة في كتاباته الأدبية، حيث لا تنتمي تلك الأعمال إلى أي صنف آخر إلاّ السياسة.

والخاصية الثانية أن هاجسه الأكبر وهو يكتب كان مقاومة الفساد وفضح أساليب الفاسدين من الكبار والمتنفذين في المجتمع، والثالثة أنه تأثر بمنهج كتبة المسرح وهو يكتب القصة والرواية، إذ أنه بالأساس “أديب مسرح”، ولعل هذا ما يفسر نجاحه في الكتابة الدرامية التلفزيونية، من حيث الاعتماد على الحبكة المسرحية وجعلها تلفزيونية، وأيضا في لغة الحوار، والتركيز على الحكي بطريقة خشبة المسرح.

ومحفوظ عبدالرحمن سيبقى منه في ذاكرة المثقفين والمواطنين العرب الكثير، إلاّ أن أكثر ما سوف يبقى بالتأكيد، أنه كان من أهم كتّاب الدراما التلفزيونية العرب في القرن العشرين.

16