محكمة أميركية تدين الخيال

الاثنين 2014/05/26

قديما كان النقاد وأساتذة الأدب يحذرون المبتدئين من إضافة عبارة “رواية واقعية”، لأن ذلك يناقض الأدب السردي القائم أساسا على التخييل واللغة والبحث عن أسلوب متفرد، لخلق عالم ينبع من الواقع لا محالة، ولكنه مصوغ بطريقة فنية لا تنقل ذلك الواقع بعلاته، بل تسمو به لتجلو منه قيما ومعاني إنسانية. ولكن حضارة هذا العصر دأبت على تشجيع هذا النوع من الكتابة المستمد مباشرة من الواقع، بأحداثه وجرائمه ومؤامراته وكوارثه وحروبه، ورصدت له من الثقل المالي والإعلامي ما ساهم في تبوّئه قائمة أكثر الكتب مبيعا، خاصة في أميركا حيث أصبح تجارة مجزية.

لا نعني هنا أولئك الذين يملكون موهبة كدان براون وستيفن كينغ وجون لو كارّي وسواهم ممن حققوا أرقاما خيالية، وإنما المقصود أولئك الذين ليس لهم بالكتابة أوهى صلة، ويلتمسون العون من كاتب أو صحافي ينقل تجربة تخرج عن مألوف الحياة المعتادة، تعمل دور النشر العملاقة على ترويجها.

والشرط في مثل تلك التجارب أن تكون حدثت بالفعل، ذلك هو العقد القرائي الذي يربط الباث بالمتلقي. والويل لمن ادعى تجربة لم يعشها، وهو ما حصل في الأعوام الأخيرة لميشا دوفنسيكا التي نشرت عام 1997 كتابا بعنوان “العيش مع الذئاب” زعمت فيه أنها يهودية نجت من المحرقة وهي طفلة، وعاشت مع الذئاب إبان الحرب العالمية الثانية.

هذا الكتاب نال رواجا كبيرا، وترجم إلى أكثر من عشرين لغة عالمية، ثم وقع تحويله إلى شريط سينمائي بالعنوان نفسه، ما غيّر حياة تلك المرأة من بؤس مقيم إلى رخاء ونعيم. ولكنّ خلافا مع الناشر دفعه إلى البحث عن حقيقتها، فإذا هي بلجيكية كاثوليكية تدعى مونيك دو فاييل، لم تغادر مسكنها طوال الحرب. وبعد سنين، قضت محكمة أميركية الشهر الماضي أن تدفع “الكاتبة” غرامة مالية إلى ناشرها تفوق العشرين مليون دولار.

ما يمكن استخلاصه: أولا أن الفن عندما يتحول إلى بضاعة محكومة بقانون السوق، يصبح وسيلة يتمعش منها حتى اللصوص والقتلة وتجار المخدرات. ثانيا أن المحكمة أخطأت بتغريم تلك المرأة فما أتته يدخل في ما يسميه أراغون “الكذب بصدق” في تعريفه للأدب الروائي. ثالثا، أنها ما كانت لتحاكم لو كتبت رواية غير متخيلة على طريقة ترومان كابوتي في رواية “بدم بارد”، ولم تنخرط في دوامة الكتب الأكثر مبيعا. رابعا وأخيرا، لكل تلك الأسباب تظل تلك الكتب في عمومها عديمة القيمة، لا ترقى بحال إلى مستوى الأدب.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15