محكمة لإنصاف لبنان.. وسوريا

الأربعاء 2014/01/15

كانت الطريق إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي تعقد جلستها الأولى الخميس، طويلة. دماء كثيرة بذلت من أجل الوصول إلى هذا اليوم الذي يشير إلى أن العدالة لا يمكن إلا أن تأخذ مجراها، إن في لبنان وإن في سوريا، وأنّ القاتل لا يمكن إلا أن يجد من يحاسبه. سينصف التاريخ لبنان واللبنانيين عبر دماء رجل قال يوما: “ما حدا أكبر من بلده”. وقد تبيّن أن هذا صحيح، لكن الصحيح أيضا أن رفيق الحريري كان في حجم دولة، وكان الهدف من التخلّص منه التخلّص من لبنان لا أكثر ولا أقلّ.

ما نشهده نقطة تحوّل في تاريخ الوطن الصغير وفي سوريا أيضا. للمرّة الأولى منذ الاستقلال اللبناني، هناك محاكمة للقاتل ولمن وراء القاتل. في كلّ الجرائم السياسية الكبيرة التي ارتكبت في لبنان، كان هناك دائما تجهيل للطرف الذي اختار القاتل وحدّد له مهمّته.

يظهر اليوم، مع قرب انعقاد المحكمة الدولية التي تشكلت إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، أنّ شيئا ما تغيّر في العمق في الشرق الأوسط عموما، وفي لبنان تحديدا. لم تنفع الجرائم التي ارتكبت في مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري في تغطية الجريمة الأصلية. حتى وضع اليد على البلد لم يعد ينفع. هناك انقلاب تتوالى فصوله منذ ما قبل تفجير موكب رفيق الحريري عندما جرى التمديد لإميل لحود على الرغم من صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتلته مباشرة محاولة اغتيال مروان حمادة في الأول من أكتوبر عام 2004. هذا الانقلاب، الذي شمل، في فصل من فصوله، استحضار حرب اسرائيلية على لبنان صيف 2006، واحتلال وسط بيروت لتعطيل الحياة الاقتصادية في البلد ثمّ غزو المدينة، لم يحل دون انعقاد المحكمة الدولية. سمّت المحكمة المتهمين الخمسة الأول. معروفة الجهة التي ينتمون إليها. وستسّمي عاجلا أم آجلا المتّهم الأساسي، أو المتّهمين الأساسيين الحقيقين اللذين يقفان وراء الجريمة والإعداد لها.

كان رفيق الحريري على حقّ عندما قال بالحرف الواحد قبل أقلّ من ثماني وأربعين ساعة من اغتياله، مساء السبت في الثاني عشر من شباط- فبراير 2005 تحديدا: “الذي سيقتلني مجنون”. القاتل مجنون بالفعل، لأنّه لم يدرك أن الجريمة لن تمرّ على غرار ما حصل بعد اغتيال كمال جنبلاط في العام 1977 ثم بشير الجميّل والمفتي حسن خالد ورينيه معوّض وعشرات آخرين. لم يوجد في الدولة اللبنانية من يسعى بالفعل إلى السير حتى النهاية في التحقيق في كلّ جريمة من هذه الجرائم الموصوفة.

كانت حسابات القاتل خاطئة هذه المرّة. كان يعتقد أن المسألة مسألة أسبوع في أبعد تقدير، وينسى الناس رفيق الحريري. لذلك طلب إميل لحود في أوّل جلسة لمجلس الوزراء انعقدت بعد الجريمة إعادة فتح الطريق أمام فندق سان جورج، حيث مسرح الجريمة، وذلك “كي ينصرف الناس إلى أشغالهم”. قد لا يكون إميل لحّود لعب دورا محوريا في الجريمة، لكنّ تصرّفه في مجلس الوزراء كان تعبيرا دقيقا عن طريقة تفكير الذين خططوا لها وكلّفوا مجموعة معيّنة تنفيذها. كانوا يظنون أن الحدث سيكون عابرا، إلى أن تبيّن أنه زلزال هزّ المنطقة. من كان يصدّق أن الجيش السوري سيخرج يوما من لبنان؟ من كان يصدّق أن النظام السوري سينهار بالطريقة التي انهار بها ولن يعود أمامه سوى الاستسلام كلّيا لإيران؟

من اغتيال رفيق الحريري وصولا إلى اغتيال محمّد شطح، ما زال لبنان يتعرّض إلى اعتداء تلو الآخر. يبدو القاتل على استعداد لتدمير لبنان من أجل تغطية الجريمة الكبرى وسلسلة الجرائم التي ارتكبها، والتي استهدفت اللبنانيين الشرفاء الذين لم يكن لديهم في يوم من الأيّام وهم في شأن نيات النظام السوري وكلّ من يستخدمه في عملية تدمير لبنان ومؤسساته تحت شعار “المقاومة”. هذا الشعار الذي يتبيّن كلّ يوم أنّه مجرّد غطاء لمحاربة ثقافة الحياة وتحويل لبنان مجرّد مستعمرة إيرانية خلفا لمرحلة الوصاية السورية. هذا كان الهدف البعيد المدى لاغتيال رفيق الحريري ورفاقه، وما تلا ذلك من جرائم شملت إغراق البلد بالتكفيريين من نوع “فتح الإسلام” الذين هم صناعة النظام السوري والذين يسيّرونه من طهران.

تمثّل المحكمة الدولية جذوة الأمل الباقية لدى كلّ لبناني يحلم باستعادة بلده. يعكس انعقاد الجلسة الأولى للمحكمة رغبة المجتمع الدولي وإصراره على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان. ويعكس في الوقت ذاته وجود لبنانيين ما زالوا على استعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إلى اليوم الذي تتحقق فيه العدالة. في طليعة هؤلاء الرئيس سعد الدين رفيق الحريري الذي أكّد بفضل صموده وتمسّكه بمبدأ العدالة أن هناك لبنانيين ينتمون إلى تيّار المقاومة الحقيقية التي من دونها لا مستقبل للبلد. إنّه التيار المقاوم لثقافة الموت وإثارة الغرائز المذهبية وتوظيفها في خدمة مشروع القضاء على لبنان.

ساهم هؤلاء المقاومون، كلّ على طريقته في الوصول إلى يوم انعقاد المحكمة. إنه يوم كلّ الشهداء، من بينهم وسام الحسن ووسام عيد بشكل خاص، وقد دفعا غاليا ثمن مساهمتهما الفعّالة في كشف المجرمين ومن يقف خلفهم.

إنّه يوم المقاومة الحقيقية، يوم سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار أمين الجميّل وانطوان غانم وفرنسوا الحاج ومحمّد شطح. إنه يوم الشهداء الأحياء مروان حمادة وإلياس المرّ ومي شدياق. إنّه أيضا يوم اللبنانيين الذين أدركوا منذ البداية معنى اغتيال رفيق الحريري بالطريقة التي اغتيل بها وما الذي يريده العقل الجهنمي الذي وراء الجريمة. هؤلاء صنعوا الاستقلال الثاني وما زالوا يقاتلون من أجل منع انهيار لبنان… هؤلاء لا يمكن إلا أن ينتصروا، خصوصا أنّ زمن العدالة تجاوز لبنان إلى سوريا. لم يعد بعيدا اليوم الذي سيصل فيه إلى ما هو أبعد من سوريا، نعم، إلى ما هو أبعد من سوريا والنظام القاتل فيها…


إعلامي لبناني

8