محكيات المنع

الأربعاء 2017/03/01

في مرحلة من التاريخ العربي المعاصر كان المنع والمصادرة إعلانا لميلاد عدد كبير من الظواهر الكتابية، وتذكرة عبور كتابات أخرى إلى صفوف أمامية، وكادت تلك التجربة المريرة والعبثية إلى حد ما، تتحول عند الكثيرين إلى حلم أو إلى لوعة سرية، فينتاب الكاتب الذي لم تمنع أعماله، أو لم تصدر بحقه مذكرات اعتقال، أو فتاوى إهدار الدم، أن كتابته عادية، مسالمة بمعنى ما، ولا شأن لها، وأن مساره يفتقد إلى تجربة جوهرية من شأنها إنضاج وعيه بالمجتمع ودولة التسلط وآليتها الجهنمية، تلك التي كانت تلف كتابات طليعية شتى بهالة تشارف القدسية، وسرعان ما بات الانتساب إلى ذلك الماضي (والأفق) الأسود انتماء إلى حقل الكتابة ذاتها، وما تتصل به مدارات ورمزيات خالبة للأذهان.

صحيح أن مياها كثيرة تدفقت تحت الجسر، لكن التولّع الأصيل للقارئ العربي بأدوار البطولة استمر في الوجود، فالكتابة يلزمها جانب مظلم تلعب فيه دور الضحية، وتنتج مواجعها المرزئة، في محيط معجون بالكوارث والخطوب… أستحضر في السياق الراهن روايات وقصائد وأفلاما عديدة مرتجلة، ركبت موجات عالية في العقيدة والسياسة والقيم الاجتماعية، وأوقعها حظها الذهبي أمام قرارات خرقاء منعت تداولها في بعض الأقطار العربية، في زمن ليس من مرادف فيه لحكاية المنع إلا الغباء المركب، لهذا تتكرر بين الفينة والأخرى حكايات فقدت بريقها القديم لمنع هذا أو تقديم ذاك إلى المحاكمة، دون أن تتلوها أمجاد أدبية أو نقدية تذكر.

وبتنا أمام ما يمكن تسميته مجازا بـ”محكيات المنع”، لكتاب يعسر الإقرار بانتماء جلهم إلى حيز الشعر والنثر والتفكير النقدي، وسعي إلى بطولات دونما مسوغ ولا سياق، تدنّس القضايا في مستنقع الفضيحة، في حالات غير سوية على الدوام، لكن لماذا الكتابة في النهاية؟ لماذا لا يقتصر الأمر على فضفضة عمومية لا تسمي نفسها رواية أو شعرا أو مسرحا أو سينما؟، مادامت هذه الأجناس تخطت منذ سنوات طويلة عقدة المأساة؟.

أذكر حوارا نقديا جمع، قبل سنوات، بين عدد من الروائيين والنقاد في ندوة عقدت عن أدب الهامش في المغرب، وكان النقاش غالبا ما يربط بين “الهامشية” والتعبيرات النصية التي لفظتها مجتمعات الأدب، عبر حجب ظاهر أو خفي، بيد أن القناعة التي كانت تساورني دائما أن الهامشية لا علاقة لها بالمصادرة والحجب، فهي ركيزة أساس للكتابة التي لا تتواءم دوما مع المحيط، لكنها لا تبحث عن إنصاف ولا مركز، لهذا فأنت عزيزي القارئ لا يمكن أن تكون روائيا وحقوقيا ولا ناقدا ونقابيا ولا مسرحيا وداعية، لا يليق أن تلحق الكتابة بإحساس الهامشية، تتكئ عليه وتبتغي به الوسيلة.

كاتب من المغرب
15