محلات الأنتيك في بيروت تتحول إلى صناديق للذكرى

في سوق الأنتيك في بيروت دعوة إلى اكتشاف الأسرار وسبر أغوار التاريخ، واكتشاف الماضي من خلال تحف تروي بصمتها العميقة ألف حكاية وحكاية. وللماضي في سوق العتّق في منطقة البسطة في بيروت رائحة الذكريات، وحنين الحاضر إلى الماضي وحنين المستقبل إلى الحاضر. وسوق العتّق أو الأنتيك اسم اقترن بمنطقة حوض الولاية في البسطة، حيث يتم في هذا السوق بيع وشراء الأثاث والتحف القديمة. وكان يقصد السوق في الماضي القريب زبائن من مختلف الجنسيات والطبقات لبيع وشراء التحف النحاسية والزجاجية والخشبية المزخرفة، لكن اليوم أصبحت هذه السوق تعاني من الركود والكساد.
السبت 2017/06/17
تحف بحكايتها وأسرارها

بيروت - تفوح روائح الزمن الجميل في سوق “العتّق” أو “الأنتيك” في منطقة “البسطة التحتا” وسط بيروت وكأن التاريخ يتنفس في المذياع القديم في هذا السوق التي ضربت شهرتها أصقاع العالم في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

وتمتد السوق من إطفائية الباشورة وصولا إلى جسر حوض الولاية لتروي محتوياته ذكريات الزمن الجميل، وتشكو حاضرا يؤذن بالموت السريري بعد أن طالت شهرتها أصقاع العرب والغرب في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

بدأت نشأة السوق في أربعينات وخمسينات القرن الماضي بجهود فردية لأشخاص عشقوا هذه التحف مثل محمد حمود، الملقب بـ”الباشا”، وهو أحد مؤسسي السوق، إضافة إلى كل من أبي علي مسلّم، وجعفر شرف الدين. ويذكر أصحاب السوق أشخاصا آخرين ارتبطوا بنشأته، منهم أبوعلي بدير وأحمد علّول وأبومحمد حجازي وأبوفرج عمار وإبراهيم سعد، الذين ساهموا في انتعاش هذه التجارة في الستينات واتسعت رقعة السوق لتضم أكثر من 100 محل لا زال معظمها صامدا، بينما استسلم بعضها لضغوط الحياة الاقتصادية وتخلى عن هذه التجارة.

ويقول أحمد مخزومي، أحد أصحاب محال الأنتيك في منطقة البسطا “كانت سوق العتّق تعتمد على ثلاثة محال فقط، وعندما انتشرت هذه التجارة وذاع صيتها، قفز العدد إلى أكثر من مئة محل تجاري، والسوق أصبحت مقصداً للسياح الأجانب والعرب والمغتربين اللبنانيين”.

وتجارة الأنتيك عشق يرثه التجار عن آبائهم لما فيها من بريق وفن، ويشير حسين هزيمة إلى إنه ورث المهنة عن جده وهو يعمل الآن في المحل الذي تملكه العائلة منذ 150 سنة، يفول “أحببت هذه المهنة منذ صغري، وأعرف العديد من الهواة ومحبي اقتناء هذه التحف”.

ويقول حسين، إن هذه المهنة جعلته يعرف الكثير من نجوم السياسة والفن والأعمال، تعرف إليهم من خلال تفتيشهم عن تحف الأنتيك القديمة، وتطورت علاقته بهم لأنه يؤمّن لهم التحف التي يرغبون فيها شرط أن تكون أصلية، مؤكدا أن الأنتيك الأصلية لها تاريخ وجذور، وكذلك قصور قديمة كانت فيها.

قطع الأنتيك الحقيقية كلها ذهبت إلى بيوت الأثرياء

ويقول التاجر علي ماجد “أحببت هذه المهنة لأنها تتطلب فنا وذوقا رفيعا، وأربابها أصبحوا يعدون على أصابع اليدين، والخبرة تلعب دورا كبيرا في تحديد أصل التحفة وعمرها، والقليل القليل من يعرف خبايا وأسرار الشرقيات التي تحمل بصمات الفن العربي والحضارة الإسلامية”.

وارتبطت سوق الأنتيك بالطبقة الأرستقراطية التي تتميز بشغفها بالقطع القديمة النادرة، وتفتش عمن يمتلك ويقتني التحف والأثاث العتيق، التي تزداد قيمتها يوماً بعد يوم، بسبب قدمها أو ارتباطها بأحداث تاريخية لتصبح ثروات حقيقية من الناحية المالية والمعنوية.

ويقول محمد حمود أحد المؤسسين لسوق الأنتيك إن حركة البيع والشراء كانت لها مواسم معينة، والزبائن يقصدون السوق من لبنان وخارجه، وطلبات الزبائن تنصب على التحف القديمة التي تمتلك تراثا وتاريخا، مضيفا أن هناك تحفا يعود تاريخ صناعتها إلى 130 عاما، والمعروضات تتراوح بين القطع النحاسية والزجاجية المزخرفة والخشبية من مختلف الأحجام، وتكون هذه التحف شاهدة على حقبة من حياة شعوب اشتهرت بصناعة هذا الاختصاص.

قيمة التحفة في عمرها

يقسّم الأنتيك إلى نوعين قديمة يتجاوز عمرها المئة عام، وحديثة لا يتجاوز عمرها الخمسين عاما، وتتوزع على ثلاثة أنواع، وهي الشرقي والإسلامي والأوروبي.

أما مقتنيات السوق، بحسب حمود، “فكانت في البدايات مقتصرة على الأنتيك المحلي من حيّ السراسقة وشارع الحمرا والأحياء التراثية في بيروت، وبعد تطور هذه الصناعة بدأ التجار يستوردون البضاعة من بلدان عدة، منها مصر وسوريا وتركيا ومن مختلف أنحاء أوروبا”.

ويوضح أن “قطع الأنتيك الحقيقية، التي يفوق عمرها المئة عام، أصبحت نادرة اليوم، وكلها ذهبت إلى بيوت البعض من المقتدرين اللبنانيين وعشاق القديم، وإلى خارج لبنان، مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا، أما الحديث الموجود في السوق اليوم فأغلبه شرقي من مصر وسوريا”.

ويقسم علي عزّو، صاحب أحد المحال التجارية في السوق، بضاعة الأنتيك إلى أنواع عديدة، منها “المخطوطات والزجاجيات والخشبيات والصدفيات”.

للتحف الشرقية عشاقها

ويفرّق، بينها بوصفها “أنتيك باب أول، وأنتيك باب ثاني، ويعتمد معيار هذين البابين عنده على عمر القطعة، وكمية الجهد اليدوي الذي استحقته من قبل صانعها”.

ترميم الأنتيك فن

لا تصل قطع الأنتيك التي يأتي بها السماسرة أو أصحابها الذين دفعتهم الظروف إلى التنازل عنها وبيعها سليمة، بل غالبا ما يخلف الزمن آثاره عليها لذلك يوجد في السوق خبراء ترميم هذه القطع من اللبنانيين والمصريين وسوريين خاصة والذين تعلموا المهنة منذ الصغر، فإصلاح التحفة يحتاج إلى صبر وخبرة في الترميم ومعرفة بالمواد التي سيستعملونها في إعادة ألق التحف وبريقها وحضورها.

يقول رضا عبدة هنادي إنه تعلّم صناعة الموبيليا في دمياط ثم تحوّل إلى حرفة الترميم حين هاجر إلى بيروت، مضيفا أنه اهتم بالترميم لأن القديم أفخم وأقوى وأجمل من الموبيليا الحديثة، والترميم يتعلق غالبا بالحفر الفني الموجود في الأثاث القديم، لذلك يفترض في المرمم أن يكون عارفا وقادرا على استدراك النواقص.

ويقول إن مهنة ترميم الخشب تعتمد على هواية الشخص وحبه لها، ويشرح طريقتها بأنها تكون بفك الشيء القديم، قطعة قطعة، وترمم قطعة قطعة، وتغيير القطع المكسورة أو التي تحتاج إلى تغيير، وترمم بواسطة الخشب القديم نفسه، ويتم علاجه ضد السوس وتجهيزه ودهانه، بالشمع للحفاظ عليه، حتى يظهر كله بخشب واحد وبلون واحد أيضا.

ويؤكد رضا أن الشباب لا يقبلون على تعلّم مهنة ترميم قطع الأنتيك لأنهم يعتقدون أنها مهنة آيلة إلى الزوال أمام التقدّم التكنولوجي وتراجع هواية جمع التحف في صفوف الأجيال الجديدة.

ويشير إلى أن القطع القديمة بدأت بالتلاشي تماما وأصبحت من الأشياء النادرة، موضحا أن أسعار القطع القديمة الأصلية تظل دائما غالية الثمن، لأن الناس يبحثون عنها باعتبارها قطعة تراثية.

قطع فنية نادرة

ركود في البيع والشراء

عن حركة البيع والشراء في سوق الأنتيك، يقول محمد حمود إن “الحركة الشرائية معدومة. الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السوق اليوم لا يمكن فصلها عن أزمة البلد بشكل عام، والتي بدأت قبل العديد من السنوات”.

ويوضح “كان اعتمادنا كله على السائحين الأجانب والعرب، وخاصة الخليجيين، ومع تراجع الحركة السياحية في البلد، نتيجة تردّي الأوضاع السياسية والأمنية، تراجعت حركة السوق أكثر من 70 بالمئة عما كانت عليه في السنوات الماضية”.

ويعيد ركود الحركة التجارية في السوق إلى أسباب عدةّ، على رأسها “الأزمات التي مرت على لبنان، وغياب الدعم الحكومي لهذه التجارة، وغياب ثقافة الأشياء القديمة لدى الجيل الجديد، الذي اعتاد على التطور والتكنولوجيا”.

وبجانب الأزمة الاقتصادية التي يعانيها لبنان، وتراجع الحركة السياحية، يعزو أحمد علول، أحد تجار السوق، تدهور الحركة التجارية إلى أن “أصحاب المهنة الحقيقيون قد ماتوا، والجيل الجديد لا علاقة له بالمهنة وغياب ثقافة الأشياء القديمة لدى الجيل الجديد الذي اعتاد على التطور والتكنولوجيا”.

ويضيف أن “التجار الجدد خرّبوا السوق؛ بسبب جهلهم بقواعد المنافسة والبيع والشراء، حيث يعرّضون الزبون للوقوع في فخ شراء البضاعة المقلّدة، وهذا ما يؤثر على سمعة السوق”.

ويرى علول أن “لفتة اهتمام من بلدية بيروت والوزارات المعنية (الثقافة والسياحة) لإعادة تأهيل السوق وإعادة إحيائها بمهرجانات تراثية بنكهة القدم، يمكن أن تخفّف وقع المعاناة على سوق كانت من بين الأهم والأكثر شهرة من بقية الأسواق منذ عشرات السنين، وتحوّلت محلاتها اليوم بسبب ركود الحركة الشرائية، إلى مجرد صناديق للذكرى ومراكز للتفرّج”.

ويؤكد صاحب محلات قبلان في سوق الأنتيك أنه “لم تمرّ على السوق أزمة كالأزمة المستمرة منذ سنوات وهي سائرة نحو بالتفاقم”، ورغم أنه لجأ إلى سياسة التنزيلات على أمل جذب الزبائن، ولكن دون جدوى، وعزا قبلان ركود الحركة إلى نوع هذه التجارة التي تعتبر من الكماليات، ومن المعروف أن الإنسان يتخلى عن الكماليات في أزماته الاقتصادية”.

ويرى حاجة سوق الأنتيك إلى اهتمام بما يتناسب مع مهمّته ودوره كمعلم تراثي وسياحي في العاصمة، إذ تتنوّع فيه محال ومعروضات تتميّز بتراثيّتها وفنونها الجميلة كأنّ رائحة الذكريات تلامس الحاضر والمستقبل.

ويرى قبلان ضرورة تسهيل حركة الناس في الشارع بتوفير مواقف للسيارات وتنظيم حركة السير وإنارة الشارع بما يتلاءم وتراثيته. فالطابع القديم للسوق يفترض تحويله إلى معلم سياحي وتراثي بارز لأنّ فيه ما يؤهّله لذلك.

وحسب رأيه فان السوق يُحاكي التراث البيروتي العريق الذي يجب ربطه بالحداثة والعصرنة ليشعر من يمرّ فيه بعبق الإرث والجمال والحداثة والأصالة.

20