محلاها عيشة الفلاح

الأربعاء 2015/01/21

لحن محمد عبدالوهاب أغنية “محلاها عيشة الفلاح” عام 1939، لكي تغنيها أسمهان في فيلم عبدالوهاب الأول الشهير “يوم سعيد” (1940). وقد غنتها ولكن باستخدام “الدوبلاج” على صورة الراقصة بديعة صادق التي كانت ترقص وتحرك شفتيها بكلمات تلك الأغنية، أو بالأحرى، “الطقطوقة” حسب التقسيمات الموسيقية التي كانت سائدة في ذلك، وكل منهما لها خصائصها ومواصفاتها الفنية بالطبع، ولكنها فروق لم تعد تثير حاليا اهتمام أحد، بعد أن أصبح كل ما يُغنى “أغاني”.

وكان مشهد الأغنية والرقصة، بحيويته الشديدة، وجمال إيقاعه، يبدو ونحن نشاهده اليوم، كما لو كان مشهدا من “أوبرا” تدور في الريف المصري.

في منتصف الأربعينيات كانت الحركة الوطنية المصرية قد بلغت ذروتها بعد الحرب العالمية الثانية، حينما أصبح جلاء الأنكليز عن مصر هو المطلب الأول الذي تتوحد حوله الأمة، في تلك الفترة ظهرت أيضـا عشرات الجمعيات والتنظيمات اليسـارية والتقدمية عمومــا، وأصبح الرأي السـائد في الوسط الثقافي، أنه لا يجوز التغـني بكلمات تشيد بحيـاة الفلاح في الريف المصري، الذي ينتشر فيه الجهل والمرض والفـقر، ويعــاني من ظلــم الإقــطاع.

حينذاك أصبحت أغنية أسمهان البديعة، التي سجلها عبدالوهاب فيما بعد بصوته، أغنية ملعونة، واعتبرت معادية للحركة الوطنية، خصوصا أنها كانت تتقاطع في الفيلم، مع مشاهد شديدة الرومانسية من الريف المصري، مما يتناقض مع تقاليد المدرسة “الواقعية” في الفن التي كانت قد بدأت تشتدّ وتقوى، وقد منعت الأغنية لفترة طويـلة بعد حركة الضباط في يوليو 1952.

وتلقائيا عاد الاعتبار إلى “عيشة الفلاح”، بعد أن أصبح الجميع الآن يترحمون على “ريف الماضي” الذي كان عامرا بالهدوء والخيرات، وبعد أن أدّت سياسة الانفتاح الاقتصادي، أي السوق الحرة التي تبناها نظام الرئيس السادات، إلى هجرة الفلاح المصري عن أرضه للمرة الأولى في تاريخه، بحثا عن سبل الرزق.

أصبحت “عيشة الفلاح” من الأغاني التي تؤدّيها كل من تريد أن تستعرض قدرتها على الطرب، فقد غنتها نجاة الصغيرة، ثم المغربية التي تمتلك صوتا ذهبيا كريمة الصقلي، والتونسية صاحبة الصوت الرخيم الرائع هالة المالكي، إلى السورية ميس حرب التي لا يزال صوتها يحتاج إلى الصقل والتدريب. والغريب أن كلمات هذه الأغنية التي يفترض أنها تمتدح “عيشة الفلاح” في زمن الإقطاع، من تأليف الشاعر الشعبي بيرم التونسي، الذي عرف بنقده الشديد للواقع المصري في تلك الفترة، وكان أول من كتب “الزجل” السياسي الهجائي، وقد نفاه الملك فؤاد لسنوات، خارج مصر عقابا له على أشعاره اللاذعة، ومن معطفه خرج كل الشعراء المصريين الشعبيين الذين اشتهروا فيما بعد، مثل فؤاد قاعود وفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم والأبنودي وغيرهم.

المدهش أيضا أن سرّ جمال تلك الأغنية وصمودها الزمني لأكثر من 75 سنة، والتي تعبّر كلماتها عن فرحة الفلاح بالحياة في الريف، هو أن عبدالوهاب استخدم في تلحينها “مقام البياتي”، الذي يتسم بالشجن والحزن والرقة المختلطة بالفرح أيضا؛ أليست الحياة في النهاية خليطا من كل هذه المشاعر؟

ناقد سينمائي من مصر

16