محللون تحت طلب الأزمات

الخميس 2017/01/19

هو انفجار فضائي من نوع مختلف، لا نتحدث عن كوكب يصطدم بآخر أو مركبة فضاء تخرج عن مسارها، نحن نتحدث عن انفجار فضائي إعلامي عراقي.

الاصطدام هذه المرة بين المئات من القنوات التلفزيونية، والمئات من المحللين السياسيين الذين اقتحموا منازل العباد تحت قصف المدافع والتفجيرات وألغام الطائفية والأزمات المفتعلة، بحيث فوجئ العباد بغزو فضائي في زمن التشرذم والتحزب لم يسبق له مثيل. بعد سنوات طويلة اعتادوا فيها على قنوات حكومية قليلة لكنها وحدتهم فكريا بنسيج اجتماعي واحد، مثلما أفقدتهم أيضا بعض حقوقهم الاتصالية.

لقد شهد العراق الجديد، تناسل الفضائيات، مثلما شهد أيضا تناسلا لجيش من المحللين السياسيين والاستراتيجيين، وخبراء لشؤون العراق والشرق الأوسط والأدنى، كثيرا ما يصبون الزيت على نار فوضى الحروب الميدانية والطائفية، بدلا من تقديم المعلومات المعرفية والواقعية للجمهور. مثلما نشهد بالمقابل جيوشا من الإعلاميين يقتحمون بجهلهم وطائفيتهم هذه الوسائل التي أشعلت حرائق الطائفية والكره بين أبناء الوطن الواحد. فقد شهد الإعلام العراقي بعد الاحتلال دخول تجار اللحوم والبسكويت والألبان للاستثمار في الإعلام لتحقيق غايات معروفة، مثلما دخلت العملية السياسية جحافل من السياسيين العراقيين الذين أجادوا في دول المهجر بيع الخضروات والكباب والمسابح وفن العمالة ضد أوطانهم.

إن العدد المتزايد للمحللين السياسيين باطراد على شاشات الفضائيات العربية ظاهرة تستحق الوقوف عندها، ولا سيما أن هؤلاء باتوا يساهمون اليوم في صياغة الرأي العام العراقي عبر ما يقدمونه من معلومات، أو حتى عبر ما يقومون به أحياناً من تسريب معلومات استخباراتية عن لقاءات وطبخات سياسية في الكواليس.

وما يزيد الطين بلة وخطورة، هو أن العديد من هؤلاء يقدمون أنفسهم على أنهم محللون استراتيجيون من الطراز الرفيع ولديهم من المعارف والخبرات العسكرية ما يدفع بأرقى وأهم مراكز الأبحاث ومعاهد الدراسات الاستراتيجية في العالم للتواضع أمامهم، علما أن معظمهم لم يسبق له أن كتب حتى مقالا واحدا بالشؤون الاستراتيجية.

تتفق التعاريف الموضوعة للمحلل السياسي، على أنه يجب أن يكون قادرا على سبر أغوار الحدث السياسي، وعدم الوقوف عند ظواهره السطحية، والسعي إلى كشف بواطنه ومسبباته والتنبؤ بتداعياته المستقبلية، فيما الأغلب ممن يظهر على الفضائيات لا يمتلك القدر الكافي معرفيا، لمهمة التحليل وإنما لمهمة التنجيم.

هؤلاء الذين يسمونهم في الفضائيات (خبراء) و(استراتيجيون)، يتكاثرون بسرعة هائلة على الشاشات، يوزعون آراءهم العاجلة ويثوّرون مواقف ضد مواقف أخرى، يصرخون ويتقاذفون الشتائم، ويتبادلون تُهم الخيانة والارتهان للأجنبي أو العمل كأبواق لدى السلطة؛ دون أن نجد في كلامهم حكمة تنقذ العباد من وجع السياسة العراقية ومآسيها، وسلوك (صبيان) السياسة الجدد.

لا يزال المحلل السياسي في العراق يركز على إثارة الرأي العام، كاشفا عن الإحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية من دون البحث في الأسباب المباشرة، مع العجز عن فهم علاقتها الجدلية مع الزمان والمكان وحركة التاريخ ، بل يسعى إلى تأويلها وفق الجهة الممولة له أو الحزب الذي ينتمي إليه ليس أكثر.

ولقد لاحظ راصدو (بيت الإعلام العراقي) من خلال رصد قرابة 455 حلقة لبرامج حوارية مختلفة في 15 محطة فضائية محلية تبث من العراق وخارجه، أن هناك مستويات مختلفة من الخطاب الإعلامي منها: استعمال عبارات للسب والقذف بشكل واضح، والتصريح بمعلومات من دون أدلة وشواهد، والاعتماد فقط على رأي الضيف، واللجوء إلى الصراخ والاشتباك اللفظي، وفقدان مقدمي البرامج قدرتهم على التحكم بالحوار، وتوجيه اتهامات مطلقة بـ(الإرهاب، التواطؤ، الخيانة) تعتمد التعميم ضد مكونات دينية واجتماعية بعينها، والتشهير من دون أدلة، وتضليل المقدمين على إجابات الضيوف، واستثمار ملفات سياسية وأمنية مثل داعش، الحشد الشعبي، الجيش العراقي، النزاع النفطي واللاجئين، لإسقاط قوى سياسية، وطغيان لغة الافتراضات وتسويقها للجمهور على أنها حقائق مطلقة.

ونقول أخيرا إذا كان لدينا هذا العدد الكبير من خبراء التحليل السياسي لِمَ لا يتحسن وضعنا السياسي، وهو وضع سيء لا نجده في كل أوطان العالم، أم أن المنجمون الجدد اكتشفوا بجهل أن إدارة الأزمات لا تقوم إلا على إدارة الأزمات بالأزمات، فالغيمة لا تمطر غباراً وكذلك سحابة الدخان لا يُنتظر منها الغيث؟ وبعيداً عن التهوين والتهويل لما يجري في الفضائيات العراقية فإن هذا الاحتضار قد يفضي إلى قيامة فتنهض العنقاء من رمادها.

كاتب عراقي

18