محلل سياسي تونسي يتوقع إطاحة تيار الحداثة بالإسلام السياسي

الجمعة 2014/11/21
تحذيرات النهضة وترهيبها للتونسيين من "تغول" النداء ما هو إلا مجرد "فزّاعة"

تونس - في حوار مع “العرب” تحدث أستاذ القانون الدستوري والباحث والسياسي الصادق بلعيد عن قضايا مهمة تشغل الرأي العام التونسي اليوم، لعل أهمها ما يعتبره بروز مفهوم “التغول” الذي يشدد على أنه “مفهوم مصطنع”. كما بين بلعيد ضمانات ذهاب تونس في طريق الديمقراطية بلا رجعة مهما كان حاكمها. بالإضافة إلى حديثه عن مصير ممثلي الإسلام السياسي الذي بات قاب قوسين من الاندثار لأسباب عديدة.

كثر في الساحة السياسية التونسية، خلال المدة الأخير، الحديث عن ظاهرة “تغوّل” بعض الجهات الحزبية على حساب بقية الأطراف في الساحة السياسية التونسية. وكانت حركة النهضة الإسلامية، أبرز من تحدّث عن “التغوّل”، على إثر فوز حزب نداء تونس، في الانتخابات التشريعية، مدعية أن فوز النداء الكاسح في الانتخابات، قد يجعله يهيمن على السلطات الثلاث، خاصة وأن رئيس الحزب، الباجي قائد السبسي يعتبر أكثر المترشّحين في الانتخابات الرئاسية حظوظا للفوز.

في المقابل، رأى خبراء وسياسيون تونسيون، أن تحذيرات النهضة، وترهيبها للتونسيين، من “تغول” النداء، ما هو إلا مجرد “فزّاعة” سيقت لغايات انتخابوية صرفة، فمن المستبعد أن ينفرد طرف واحد بالسلطة دون بقية الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني، بالنظر إلى الأحكام الدستورية الجديدة في تونس، هذا بالإضافة إلى وجود تيارات متعددة داخل حزب نداء تونس.

من القائلين بهذا الرأي، أستاذ القانون الدستوري والمحلل السياسي التونسي، الصادق بلعيد، الذي أكّد في حواره مع “العرب” أن مسألة” التغوّل” ملف مصطنع، وحكاية لم تطرح إلا من طرف الذين كانوا يحكمون خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إذ لم يأت أي حزب آخر بمثل هذه التخوفات، فقط النهضة وشريكاها في حكومة الترويكا (المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات).

قواعد الديمقراطية الثابتة لا ترحم كل من حدثته نفسه بالاستهزاء بالعهود وبالأمانات وبالأخلاق السياسية

وأضاف بلعيد أن من يتحدثون اليوم عن “التغول” هي الأطراف الفاشلة في الانتخابات التشريعية، و”من يتحدثون اليوم على التغول هم أنفسهم من مارسوا التغول خلال فترة حكمهم”.


ضمانات عدم تغول شق معين


في ذات الموضوع، أشار العميد الصادق بلعيد إلى أن “الدستور التونسي يمنع التغوّل ولا فائدة من ترويج خطاب التخويف”، لأن تونس اختارت طريق الديمقراطية والتداول على السلطة والانتخابات الحرة، والحكم للصندوق الذي يمثّل رأي التونسيين ورغبتهم، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، إن الفترة التي نعيشها اليوم تختلف عن الفترة السابقة، فلدينا دستور نافذ الفاعلية وهو الذي وضع أسس الديمقراطية وشروط العمل السياسي في البلاد، ووضع في آن واحد سلطا تقف في وجه من تحدّثه نفسه عن التغوّل، فمثلا اليوم لدينا محكمة دستورية مستقلة ولها صلاحية النظر في القوانين وإبطالها إن ثبت عدم صلاحيتها، وهذا يعني أن مجلس نواب الشعب (البرلمان)، لن يكون لديه صلاحيات مطلقة، بل سيكون تحت نظر المحكمة الدستورية.

وأضاف بلعيد: نحن نعلم أن الحكومة لديها صلاحيات موزعة بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وكل واحد لديه ما يختص به، وإذا فكّر أحدهم في أن يكون المسيطر فالدستور يمنعه من ذلك، فإذا أفرطت الحكومة في التغول يستطيع الرئيس أن يطلب من مجلس النواب حلها وإقالتها، إلى جانب أن مجلس النواب هو نفسه يمكن أن يضع حدا لهذه الحكومة، رئيس الجمهورية أيضا إذا تجاوز حدود صلاحياته فمجلس نواب الشعب والمحكمة الدستورية مخوّلان دستوريا لمحاسبة هذا الرئيس وعزله، إن اقتضى الأمر، والإيقاف كلمة مستعملة حرفيا في الدستور.

الصادق بلعيد: من يتحدث عن التغول هي الأطراف الفاشلة في التشريعية


تحالف القوى الديمقراطية


عند الحديث عن القوى الديمقراطية والحداثية وما يمكن أن تفعله مع اقتراب يوم الانتخابات الرئاسية الحاسمة، وخاصة مع تزكية حزب آفاق تونس للباجي قائد السبسي، يرى الصادق بلعيد أن الأحزاب الحداثية لم تنجح، إلى حد ما في التأثير في الشأن السياسي التونسي، وفي تكوين قوّة أو أغلبية قوية في الانتخابات التشريعية.

واستطرد الخبير القانوني التونسي، أن الوضع اليوم يفرض على هذه الأحزاب أن تجتمع في الانتخابات الرئاسية وتقف متكاتفة في صفّ واحد. واعتبر بلعيد في ذات السياق أن أكثر إمكانية للتقارب، في ظل الوضع الحالي، قد تكون بين الأحزاب الوسطية واليسارية، نافيا إمكانية حدوث تقارب بين الأحزاب اليمينية المحافظة أو المتشددة دينيا.


تراجع تيارات الإسلام السياسي


على ضوء نتائج الانتخابات التشريعية، ومن خلال قراءة صدى الشارع التونسي وتوقّعاته للانتاخبات الرئاسية وللفترة المقبلة في تونس، يبدو جليّا أن قوى الإسلام السياسي فشلت في الحفاظ على “مكانتها” التي حظيت بها في انتخابات المجلس التأسيسي (2011) تحت ستار التديّن.

في هذا السياق، يشير الصادق بلعيد إلى أن حركة النهضة لم تتمكن من تقديم مرشح للانتخابات الرئاسية، أي شخصية ترمز لرؤية الحزب، ومن لم يكن قادرا اليوم على مثل هذا العمل فأراه غير قادر عليه في يوم آخر في السنوات القادمة.

يجب أن تفهم النهضة أن الظرف الذي سمح لها بالتلاعب (من الناحية الدينية الشعبية) لم يعد سانحا الآن، وذلك لسببين، داخلي وخارجي؛ أما السبب الداخلي فهو لأن الشعب فهم تماما أن النهضة انتهت واستعمالها للإسلام كان بهدف حصولها على مكاسب سياسية والكثير من مناصريها سابقا لم يصوتوا لها في الانتخابات التشريعية، ولهذا فشلت.

ومن الناحية الخارجية، فمن لعبوا على حبل الإسلام المعتدل والمتطور وما شابه من الشعارات التي سوّقوها في البلدان الغربية، أظهروا أنهم بعيدون كل البعد عما يدعونه من ديمقراطية وحداثة. ويضيف بلعيد قائلا: أرى أن حلفاء الإسلاميين في الغرب سيفيقون من غفلتهم ويعلمون أن مساندة تيارات الإسلام السياسي لم تأت إلا بالمآسي والمضار في تونس وفي غيرها من البلدان العربية، لذلك يجب مواجهة هذا الخطر، وعلى المجتمع المدني أن يتحمل مسؤوليته الكاملة في توجيه الشعب التوجه الصحيح في طريق التقدم والرقي.

تونس اختارت السير في طريق الديمقراطية والتداول على السلطة


فشل الترويكا


السؤال الأخير مع أستاذ القانون الدستوري، الصادق بلعيد، كان حول أسباب فشل حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي، رغم أنهما من أعرق الأحزاب التونسية، ومدى تأثير اتفاقهما مع حركة النهضة، خلال فترة حكم “الترويكا” عليهما، رغم فوز حركة النهضة بعدد هام من المقاعد في مجلس نواب الشعب.

يشير بلعيد، في هذا السياق، إلى أن الأحزاب السياسية كثيرا ما تضمحل لأحد سببين إثنين أو للإثنين معا، الأول، عند حدوث قطيعة بين القاعدة وبين القيادة بسبب ضعف أدائها أو لزيغها عن الاتجاه الأيديولوجي الذي بنيت على أساسه.

والسبب الثاني يتمثل في قطيعة عميقة بين الأساس الأيديولوجي لذلك الحزب وبين متطلبات الواقع المعيش، بحيث تصبح تلك القاعدة الفكرية غير ذات معنى أو أي فاعلية سياسية، وفي بعض الحالات -وهو مؤشر على أزمة عميقة جدا- قد يجتمع العاملان الإثنان في نفس الوضعية، فينهار ذلك الحزب دون إمكانية تدارك الأمور…؛ وإذا كانت الحياة السياسية في العديد من البلدان العريقة في ممارسة الديمقراطية تعطينا أمثلة على ما نقول، فإننا، في الحقيقة، سنجد في الوضع الحالي في تونس ما قد يكون أقوى تأييدا لمثل هذه الملاحظات.

لنتذكـّر أن تونس كانت خاضعة لمدة سنتين إلى حكم سياسي شبه مطلق استأثر به تحالف ظرفي بين حزب “متغول” وبين أزلام استسهل انتقاؤهم لهشاشة تموقعهم في المشهد السياسي؛ وزيادة على أن هذا التحالف غير طبيعي أساسا، فإن ما اقترن به ثلاثتهم هو أن صعودهم إلى الحكم كان قائما -على ما اتضح على مرّ الأيام- على محض مغالطة انتخابية انخدع بها الكثير من المواطنين البسطاء (ومنهم الكثير من الأميين) وحتى بعض المثقفين منهم،الذين ثمنوا فيهم تضحياتهم الجسام أيام نظام بن علي ومنهم من أغراهم تديّنهم، فصوتوا لهم ولبعض الذين كانوا يتشدقون بكفاحهم في سبيل «حقوق الإنسان والحريات العامة»، وآخرون يدّعون تفانيهم في الدفاع على المبادئ الاشتراكية والتقدمية والحداثة.

لكن، هذه الخديعة ما كانت لتدوم طويلا؛ فعلى سبيل المثال، فإن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية تراجع من 30 نائبا إلى 4 فقط، وتيار المحبة إلى نائبين فقط، وأما الحزب الجمهوري، فلم يكتب له إلاّ مقعد واحد، وكذلك الأمر بالنسبة للتحالف الديمقراطي ولجبهة الإنقاذ الوطني.

12