محمد آيت ميهوب: نقد الشعر يعيش عوائق كثيرة

الناقد التونسي يؤكد أن الرواية السيرذاتية مؤشر على اليأس من تغيير الواقع، وأن التحديات التي يواجهها الناقد بمثابة سنان رماح عليه أن يسير فوقها دون أن يسقط منها ودون أن تجرحه.
الثلاثاء 2019/11/12
انتهت الروايات الكلية ذات الرؤى المتماسكة

يواجه الناقد الأدبي المعاصر جُملة من التحديات تثير التساؤلات حول الدور الذي يتعين عليه أن يلعبه في خضم تحولات أدبية ومجتمعية وثقافية راهنة لاسيّما في ظل تنوع الأجناس الأدبية وتداخلها، وبزوغ أنماط من الكتابة الإبداعية غير مُحددة في التصنيفات المألوفة، فضلا عن تنوع الثيمات والقضايا والأفكار التي باتت تشغل المُبدعين العرب. “العرب” حاورت الناقد والروائي التونسي محمد آيت ميهوب حول اشتغالاته النقدية والتحديات التي يواجهها في عمله النقدي.

صدر حديثا للناقد والكاتب محمد آيت ميهوب كتاب بعنوان “التداخل الأجناسي في الأدب العربي المعاصر” عن دار ورقة التونسية. ويتحدث ميهوب عن كتابه الأخير قائلا إنه “يتعرض إلى الكتابة وإلى مسألة نزوع الأجناس الأدبية إلى أن يتفاعل بعضها مع بعض، ويتداخل أحدها في الآخر. فلا وجود لجنس أدبي نقيّ صاف محصّن دون أن تخترقه الأجناس الأخرى. ذلك ما تشهد به النصوص الأدبية حديثها وقديمها، في مشارق الأرض ومغاربها”.

ويضيف الناقد التونسي “يكفي أن نلقي نظرة، وإن عجلى، على ما ربط بين الشعر والنثر في الأدب العربي القديم من حوار أجناسي، وما وصل بين المأساة والملهاة في الآداب الغربية من عميق الصلات حتى يتأكد لنا عمق حقيقة الاتصال بين الأجناس الأدبية قديما”.

تداخل الأجناس

الحديث عن “التداخل الأجناسي” هو لا شكّ مسألة نقدية حديثة ظهرت مع الرومنطيقيين في القرن الثامن عشر حين شككوا في مبدأ الصفاء الأجناسي وعملوا على المزاوجة بين المأساة والملهاة، وجعلوا من الصدق الفني حين يعبّر الكاتب عن تجربته الذاتية مطلبا أسمى من الامتثال لقواعد الكتابة الأجناسية.

ويتابع ميهوب “لا شك أنّ كتابات الناقد والمفكر الروسي ميخائيل باختين في حوارية الرواية وما تولّد عنها من مباحث بنيوية وسيميائية تتصل بالتناص والتعالق النصي ودراسة الخطاب مع جوليا كريستيفا ورولان بارت وتزفيتان تودوروف وجيرار جينيت قد أكدت أنّ التداخل الأجناسي حقيقة أدبية واقعية لا مراء فيها. ويبقى مدار البحث على حجم هذا التداخل وأبعاده ووظائفه وعلاقة كل ذلك بمسألة الأجناس الأدبية: هل يكون الإقرار بالتداخل الأجناسي واستحالة نقاوة الجنس الواحد كافيا لمساندة من دعا إلى تقويض الأجناس الأدبية، أم أنّ هذا التداخل نفسه خاصية من خصائص الجنس نفسه ومن ثم فلا حاجة ولا إمكان لإلغاء الأجناس الأدبية؟”.

على الناقد أن ينغلق على ذاته مسترشدا بها في الحكم على النص وأن ينفتح على آراء الآخرين في الآن نفسه

أولى ميهوب اهتماما بدراسة الرواية السيرذاتية في الأدب العربي.. وبسؤاله هل يعد الارتكان إلى هذا الشكل الأدبي نوعا من الابتعاد عن مشكلات الراهن العربي من قبل الأدباء العرب أم أن الشكل السيري في الرواية العربية قد أسهم في إضفاء درجة من المصداقية في التعرض لذلك الواقع ومشكلاته من منظور ذات الكاتب ومعاناته الخاصة، يجيب الناقد “الرواية السيرذاتية شكل من أشكال التداخل الأجناسي ودليل آخر على سطوة الرواية وإمبرياليتها وقدرتها الهائلة على ابتلاع غيرها من الأجناس الأدبية. وبوصفي كاتبا للرواية وقارئا نهما لها وناقدا متابعا لمسيرة الرواية العربية فإني أوافقك إلى حد بعيد في ما ذهبت إليه. فانتشار هذا الجنس الروائي الفرعي اليوم يكشف عن يأس من تغيير الواقع وتحقيق الأحلام الجمعية العربية الكبرى، فتحولت الرواية من وصف الواقع الخارجي ومحاولة فهم آليات تطوره إلى الغوص في آبار الذات العميقة والاكتفاء بتفاصيل السيرة الذاتية البسيطة وملاحقة الطفل فينا”.

ويضيف “بيد أن ذلك لا يعني البتة الانعزال عن العالم والذوبان في الأنا. على العكس تماما فما أكثر ما كانت الروايات السيرذاتية العربية أكثر جرأة على تعرية الواقع ومجابهة التابوهات، وأعمق نفاذا إلى حقائق الواقع، ونحن نعرف أن السيرذاتية نفسها تشتمل في الوقت نفسه على سيرة الأنا وسيرة الآخر، سيرة الفرد وسيرة المجموعة بل إن الأنا نفسه هو آخر كما قال رامبو”.

يرى الناقد التونسي أننا نعيش اليوم طفرة سردية حقيقية لاسيما في ما يتعلق بالرواية تحديدا. صحيح أن استحداث جوائز مالية مهمة في  العقد الأخير قد حفز الكتّاب على كتابة الرواية وجعل البعض يهجر الشعر إليها وشجع الناشرين على أن يراهنوا على الرواية ويفردوا لها مجالا من برامجهم النشرية، ولكن هذا لا يهم الناقد كثيرا فما يعنيه في المقام الأول هو أن هيمنة الرواية واقع قائم تشهد عليه الآلاف من الروايات التي تصدر سنويا بينما لم تكن إصداراتنا الروائية العربية تتجاوز عشرين رواية سنويا قبل ثلاثين سنة.

ويلفت آيت ميهوب إلى أنه لا من الطبيعي جدا ألا يكون التوازن ثابتا بين الكم والكيف فالغث كثير ولكن السمين موجود أيضا، وما فتئت الروايات الجيدة تحقق تراكما وحضورا واضحين لا لبس فيهما، فهناك الكثير من النصوص الرائعة التي تميزت دون أن ترشح لأي جائزة. ومن المعايير التي استند إليها في هذا الحكم نجاح هذه الروايات في تفكيك الواقع العربي وفهم آليات تحولاته. ولكن هذا لم يعد بالأمر الهين مقارنة بما كانت عليه الحال في أواسط القرن الماضي وصولا إلى تسعيناته، فالتحولات صارت رهيبة ويومية ومفاجئة في أغلب الأحيان. وذلك يجعلنا لا ننتظر اليوم ظهور روايات تحمل تصورات كلية للواقع وتفسيرات متماسكة كشأن روايات نجيب محفوظ ورواية “مدن الملح” لعبدالرحمن منيف.

تحديات الناقد

الرواية السيرذاتية دليل آخر على سطوة الرواية وإمبرياليتها
الرواية السيرذاتية دليل آخر على سطوة الرواية وإمبرياليتها

يدمج ميهوب في عمله ما بين النقد والإبداع، في مطلع شبابه نشر مجموعة قصصية بعنوان “الورد والرماد” ورواية بعنوان “حروف الرمل” ثم عكف على إتمام دراساته العليا والفراغ من أطروحة الدكتوراه، في الأثناء ولِه بالترجمة وأنجز عدة ترجمات، لكنه ينوه بأن ذلك كله لا يعني أنه ترك الإبداع في مستوى رؤية العمل البحثي نفسه وفي مستوى أسلوب الكتابة والعبارة. فمن يقرأ نصوصه الإبداعية ودراساته النقدية وترجماته يجد خيطا رفيعا يربط بينها.

ثمة تحديات تواجه الناقد الأدبي في الوقت الراهن تحدث عنها جابر عصفور في وقت سابق وعلى رأسها التحدي المنهجي، التحدي الثقافي والتحدي السياسي. يقول آيت ميهوب “أضيف إليها التحدي الذاتي والتحدي الزمني والتحدي التقويمي وأخيرا التحدي الإشهاري. فكلها سنان رماح على الناقد أن يسير فوقها دون أن يسقط منها، ودون أن تجرحه في الوقت نفسه”.

ويتابع “على الناقد أن ينغلق على ذاته مسترشدا بنفسه في الحكم على النص وأن ينفتح على آراء الآخرين في الآن نفسه، وعليه أن ينشد النص الذي يقنعه هو تحديدا وأن يواكب التغيرات الرهيبة في الذوق وطرائق الكتابة والتلقي الأدبي في وقت واحد، لكن ينبغي عليه في كل الحالات أن يعي خطورة دوره النقدي ويدرك أنّ عمله جزء أساسي في اكتمال دائرة الإبداع من الكاتب إلى القارئ. حينها لن يتساهل في عمله ولن يجامل ولن يساوم، وسيكون سندا للمبدعين الطليعيين الحقيقيين في التصدي لاكتساح النزعة الاستهلاكية للأدب، ومرافقا لهم في مسيرتهم المضنية نحو تطوير جماليات الكتابة العربية ونحت مكانة مميزة للأدب العربي في الساحة العالمية”.

وعن مدى قدرة النقد المعاصر على التعامل مع الإشكاليات المستجدة في الأنواع الأدبية بعيدا عن القوالب النمطية نقديا، يشير ميهوب إلى أنه إذا تحدث عن النقد السردي لاسيما المتشبع بالمناهج الأكاديمية الحديثة، فمنذ عقدين تقريبا أخذ جزء كبير منه يتعامل مع التحولات العميقة التي عصفت بنقاء الأجناس الأدبية وكسرت صرامة التنميطات النقدية المعروفة والتي تجاوزها الإبداع. وقد ساعد على ذلك مراجعةُ المنهج البنيوي والقراءة المغلقة والانفتاحُ على المناهج السياقية الجديدة كالمنهج التداولي والنقد الثقافي. أما النقد الشعري فيعيش عوائق كثيرة فعلا ولا نستطيع أن نتبين له خطا منهجيا وخلفية فكرية واضحين، أحيانا نجد تداخلا غريبا لدى الناقد الواحد بين المنطلقات النظرية الحديثة والمرتكزات التصورية والإجرائية التقليدية، وأحيانا أخرى نتبين خلطا عقيما بين النقدي والجمالي والأيديولوجي. أشعر أن المنجز الشعري العربي اليوم بمختلف تفرعاته قد تجاوز كثيرا المتابعة النقدية له.

ويرى ميهوب أننا أمام نوعين من النقد: نقد انطباعي صحافي في الغالب ويطغى عليه الارتجال والإخوانيات، ونقد أكاديمي يستند إلى المناهج الغربية ويحاول متابعة ما يستجد هناك من إشكالات وقطيعات إبستيمولوجية، وخير النقاد من يحسن فهم تلك النظريات ويسعى إلى أن يوائم بينها وبين النصوص العربية.

15