محمد أبوشقة عقل مصري شاب يطلق سياسة "طرق الأبواب"

المُتحدث الرسمي لحملة السيسي، يمتلك أدوات مختلفة للتعبير عن نفسه لكونه أكثر من إداري ناجح للحملة الرئاسية، ويتعمّد طرح رؤى جديدة لشكل الحياة السياسية في مصر.
السبت 2018/03/24
محامي أحمد عز المنضبط ناطقا باسم حملة السيسي الانتخابية

كثيرون يرون فيه نموذجا للفتى الطامح، ودليلاً  ظاهرا على احتضان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للشباب، والدفع بهم للقيام بدور حيوي، وهو ما يسير عكس الاتجاه الذي يروجه قطاع منهم، يعتقد أن مؤسسات الدولة تعمل على تهميشهم، والضجيج الذي يحيط بمؤتمرات الشباب التي تعقد ترمي للتغطية على الإخفاقات، وليست دعما للشباب.

 تحوّل هذا الشاب فجأة إلى مصدر رئيسي في أخبار الانتخابات الرئاسية في مصر، التي انتهت جولتها في الخارج مؤخرا، وتبدأ جولتها الحاسمة في الداخل خلال الفترة من 26 - 28 مارس الجاري.

محمد بهاء أبوشقة، المُتحدث الرسمي لحملة السيسي، ومستشاره القانوني، تنبّأ له البعض بتولي منصب كبير في الفترة الرئاسية الثانية للسيسي، ويعتبرونه نموذجا للشاب الكفء ويمتلك مواهب عديدة ومؤهلات متنوعة.

ثمّة قوى في المُعارضة ومعها بعض الناشطين الذين اعتزلوا العمل السياسي أو أُبعدوا عنه، تعتبر أبوشقة صورة لنماذج شبيهة تستخدمها الحكومة في مصر بهدف رسم لوحة “مُزيفة” لمشاركة الشباب وصعودهم السياسي.

ومنذ تولي السيسي سدّة الحكم وخطابه السياسي يبدو داعما لصناعة جيل سياسي جديد، وكوادر إدارية تقود مؤسسات متهالكة، عن طريق إنشاء منظمة شبابية تابعة للرئاسة وتنظيم مؤتمرات في مدن مصرية مختلفة، تستهدف بحث قضاياهم.

ظهور مختلف

ومع كل المحاولات التي بذلت لاحتواء الشباب، بقيت أزمتهم كامنة بسبب التراجع الملحوظ في ملف التعبير عن الرأي وحرية الإعلام وحقوق الإنسان، وما يتردد عن تزايد معدل الاعتقال في صفوفهم.

وهو ما انعكس بشكل واضح في إصدار قانون يمنع التظاهر في الشارع، غرضه منع الشباب من التجمع بكثافة، وعدم تكرار التظاهرات الواسعة التي عمّت شوارع  وميادين رئيسية في مصر عقب ثورة 25 يناير 2011، التي تراها نسبة كبيرة من الشباب في مصر ملهمتهم، والتي جرى السطو عليها من قبل الإخوان ثم المؤسسة العسكرية.

أبوشقة ينتمي إلى عائلة سياسية عريقة، فهو نجل بهاء أبوشقة القيادي بحزب الوفد والمرشح حاليا لرئاسته، وحاصل على شهادة الدكتوراه في القانون الجنائي، وتعكس نبرات صوته موضوعية تليق بسياسي مخضرم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمناقشة قضية دستورية

في الثلاثين من يونيو 2013 ومع تأجّج الغضب الشعبي ضد جماعة الإخوان المسلمين، ورئيس الجمهورية الأسبق محمد مُرسي، عرف المصريون شبابا مُستقلين وبعيدين عن الأحزاب، دعوا إلى حملة باسم “تمرُّد” جمعت الملايين من التوقيعات من المواطنين المصريين الذي أيّدوا إسقاط حكم الإخوان.

أخرجت الأحداث أسماء لامعة من الشباب، منها محمود بدر، أحد مؤسسي حملة “تمرّد” ونجح في دخول البرلمان، وآخر يُدعى  محمد بدران رئيس اتحاد طلبة الجامعات السابق وظهر بجوار السيسي خلال افتتاح تفريعة قناة السويس، وأطلق عليه بأنه “فتى السيسي المُدلل”، وتولى بعد ذلك رئاسة حزب سياسي جديد اسمه “مستقبل وطن”.

ورغم محاولات الدولة دعم الشابين، ليكونا نواة في الحكومة، غير أن كليهما لم يمتلك الكاريزما أو المؤهلات التي تجعل منهما نموذجا لافتا للانتباه، فاختفى بدران بحجة الدراسة في الخارج، واختفى بدر عقب تعرضه لحملة إعلامية نالت من مصداقيته.

ظهور أبوشقة جاء مختلفا عن غيره. ويبدو أن الحكومة استوعبت الدرس، ولم تجازف بتقديم أشخاص من السهل النيل من مصداقيتهم والتشكيك في ولاءاتهم وقلة خبرتهم، فوقع اختيارها عليه.

أبوشقة في نهاية الثلاثينات من العمر، صاحب بشرة خاصة تمثّل قطاعا كبيرا من المصريين، قانوني معروف في أوساط رجال الأعمال والمستثمرين بالداخل والخارج، من قبل أن يقوم السيسي باختياره مستشارا قانونيا له ومتحدثاً رسميا باسمه، بمعنى أن له قاعدة جيدة يستند عليها.

اختيار أبوشقة للقيام بدور المتحدث الرسمي، مر بمراحل عدة، فمن يحظى بثقة السيسي، من الواجب أن يكون من ضمن صفاته الكتمان والهدوء والابتعاد عن مواطن الشبهات والدقة، والطاعة العمياء أيضا، وكُل ذلك يتطلب شخصية ذكية.

حملات جديدة منفتحة

ينتمي أبوشقة إلى عائلة سياسية عريقة، فهو نجل بهاء أبوشقة القيادي بحزب الوفد والمرشح حالياً لرئاسته، وحاصل على شهادة الدكتوراه في القانون الجنائي، وتعكس نبرات صوته موضوعية تليق بسياسي مُخضرم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمناقشة قضية دستورية.

الحكومة المصرية تتعرض في هذه الفترة لانتقادات كثيرة، بعدما ألقت القبض على الفريق سامي عنان بعد إعلان ترشحه. وبعد عدول أحمد شفيق عن ترشحه، وخلو الانتخابات من مرشحين منافسين حقيقيين.
الحكومة المصرية تتعرض في هذه الفترة لانتقادات كثيرة، بعدما ألقت القبض على الفريق سامي عنان بعد إعلان ترشحه. وبعد عدول أحمد شفيق عن ترشحه، وخلو الانتخابات من مرشحين منافسين حقيقيين.

يُتقن اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ويتواصل بسلاسة مع وسائل الإعلام الأجنبية. ويلاحظ  متابعو الحملة الرئاسية استخدامه مُصطلحات غربية للتعبير عن تحركات الحملة مثل “طرق الأبواب”، ربما تكون مقصودة للإيحاء أنه منفتح على العالم، ولديه خبرة اقتصادية.

تبنّى مؤخرا ما يعرف بـ”حملات طرق الأبواب” في كل مكان من جنوب مصر إلى شمالها، ومن سيناء شرقا إلى مرسى مطروح غربا، لتعريف الناس بمزايا السيسي ولماذا يجب إعادة انتخابه مرة أخرى؟ كذلك يهتم بالمرأة مُكررا اعتماد الحملة عليها، قائلا عن مشاركة النساء “كُلهم رجالة.. والراجل منهم بألف رجل”، مقتديا بالرئيس السيسي الذي يعتبر المرأة سندا رئيسيا لشعبيته.

برز هدوء وحنكة أبوشقة كثيرا خلال محاولات أجهزة الإعلام الأجنبية اقتناص إجابات شافية منه، وأشهر تلك المواقف عندما سأله أحد الصحافيين عن الذمة المالية للسيسي، فجاء رده هادئا بأنها “معلنة ومنشورة في الجريدة الرسمية، لو كلف أحدهم نفسه واطلّع على الموقع الإلكتروني للوقائع المصرية، يُمكنه الإطلاع على ثروة الرئيس والتي تقلصت إلى النصف بعد تبرعه بنصف ما يمتلك فور توليه رئاسة الجمهورية”.

يمتلك أدوات مختلفة للتعبير عن نفسه لكونه أكثر من إداري ناجح للحملة الرئاسية، ويتعمّد طرح رؤى جديدة ومختلفة لشكل الحياة السياسية في مصر خلال السنوات المقبلة، ويعطي انطباعا بالتفاؤل والمستقبل يحمل الخير لمصر في عهد السيسي.

مرشح بلا منافسين

تعرضت الحكومة المصرية لانتقادات كثيرة خلال الأسابيع الماضية، بعدما ألقت القبض على الفريق سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق، بعد إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية. ثم عدول أحمد شفيق رئيس الوزراء الأسبق عن ترشحه، وبدا موقفها حرجا لأنها لم تستطع الرد على تساؤلات شغلت عقل وقلب كثير من المصريين بسبب خلو الانتخابات من مرشحين منافسين حقيقيين.

قال أبوشقة مُدافعا عن خلوّ الانتخابات الرئاسية من مُرشح قوي ينافس السيسي “لا يوجد نظام سياسي في العالم يستوجب أن يصطحب المُرشح منافسين له في العملية الانتخابية”.

ورد على انتقادات استبعاد مُرشح مثل الفريق عنان، قائلاً “السيسي أشرف كثيرا من أن يُدبّر مؤامرات لاستبعاد أشخاص بعينهم ومنعهم من الترشح”.

على المستوى القانوني عُرف أبوشقة  كواحد من أهم المحامين في مصر، وترافع في كثير من قضايا التي تهم الرأي العام

توري المعارضة أن محمد أبوشقة واجهة تستهدف تحسين الصورة وبث فكرة إلى العالم الخارجي بأن الدولة تعتمد على الشباب وتمنحهم فرصة، وكأن مصر عدمت شبابا آخرين، أو لا يوجد سوى أبوشقة يستحق أن يكون نموذجا للتسويق.

وطبقاً للإحصائيات، يشكل الشباب في مصر بين 18 و35 سنة، نحو 35 بالمئة من المواطنين البالغ عددهم حوالي مئة مليون نسمة، وانصرف معظمهم عن ممارسة السياسة من خلال الأحزاب عقب انسداد الفضاء العام، ووجدوا في العزوف ملاذا وفي السخرية على مواقع التواصل بابا للتعبير عن مواقفهم.

 يُجيد أبوشقة تطويع العمل السياسي في إطار قانوني، بما يجعله شبيهاً في الحجة والبراعة بأحمد فتحي سرور رئيس البرلمان المصري الأسبق في عهد مبارك، والذي عُرف بأنه أبرز من كان يقوم بصياغة تشريعات تناسب مصالح النظام الحاكم في ذلك الوقت، وأطلق عليه لقب “ترزي قوانين النظام”، في إشارة إلى براعته في تفصيل القوانين.

تعود الخلفية السياسية لمحمد أبوشقة إلى والده المُحامي الشهير بهاء أبوشقة الذي يترأس حالياً اللجنة التشريعية في مجلس النواب، والذي تخرج في كلية الحقوق عام 1959 وعيّن رئيسا لنيابة شمال القاهرة، وأصبح قاضياً قبل أن يُقرر في منتصف السبعينات من القرن الماضي الاستقالة والتفرغ للمحاماة.

انضم الأب إلى حزب الوفد الليبرالي، بعد أن عاد إلى الحياة السياسية سنة 1984 بدعوى قضائية ألزمت الحكومة المصرية إعادة الحزب لنشاطه السياسي، عقب فترة تجميد امتدت نحو ثلاثة عقود، وترقى أبوشقة في المناصب حتى منصب سكرتير عام الحزب.

على المستوى القانوني عُرف أبوشقة  كواحد من أهم المحامين في مصر، وترافع في كثير من قضايا التي تهم الرأي العام، ونجح ومعه نجله محمد في تخفيف حُكم الإعدام إلى مؤبد على رجل الأعمال هشام طلعت مُصطفى في قضية قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، ثم أفرج عنه مؤخرا لدواعي صحية.

تردد اسم الابن إلى جوار أبيه، كمحام كبير، وانتشر اسمه في كثير من وسائل الإعلام، لأن قضية هشام طلعت وتميم، احتلت حيزا من اهتمامات الرأي العام، داخل مصر وخارجها، ويبدو أن الأب كان متعمدا ترك المجال للابن للحديث والرد على وسائل الإعلام، كي يبدأ سلّم الشهرة مبكرا.

الطريق لمنصب كبير

لا يعني انتماء الأب لحزب الوفد، والابن كمتحدث لحملة السيسي وجود تناقض في المشهد كما يتصوّر البعض، لأن الحزب نفسه أعلن رسمياً تأييده للسيسي كرئيس للبلاد لولاية ثانية.

قوى عديدة في المعارضة ومعها بعض الناشطين الذين اعتزلوا العمل السياسي أو أبعدوا عنه، تعتبر أبوشقة صورة لنماذج شبيهة تستخدمها الرئاسة في مصر بهدف رسم لوحة “مزيفة” لمشاركة الشباب وصعودهم السياسي.
قوى عديدة في المعارضة ومعها بعض الناشطين الذين اعتزلوا العمل السياسي أو أبعدوا عنه، تعتبر أبوشقة صورة لنماذج شبيهة تستخدمها الرئاسة في مصر بهدف رسم لوحة "مزيفة" لمشاركة الشباب وصعودهم السياسي.

 كما أن أسلوب المعارضة  الذي انتهجه الحزب خلال عهد مُبارك،  كان أقرب إلى دور “السنّيد السياسي” منه إلى الصدام مع النظام، وكانت حركته في الشارع محدودة ومُقيدة انصياعاً لسطوة النظام الحاكم في ذلك الوقت.

يؤكد المحامي الشاب، الذي سبق أن ترافع عن رجل الأعمال والسياسي السابق أحمد عز، أن جذب استثمارات جديدة إلى البلاد يتطلب إصلاحات تشريعية جذرية لكافة القوانين الخاصة بالاقتصاد، ولا سيما قوانين الاستثمار والإفلاس والتراخيص الصناعية والمنتج المحلي والاستقرار الضريبي، فهي ضرورية لتحسين مناخ الاستثمار.     

قال في إحدى لقاءات التليفزيونية “أي مُستثمر قادم إلى مصر يريد أن يعرف أولا كيف يمكنه الخروج من السوق. وهذا بلا شك يمنحه الاطمئنان والشعور بالثقة للدخول إلى سوق جديد”، هذا التوجه يضاعف ثقة رجال الأعمال فيه، ويرى فيه البعض أنه يستحق مكانة اقتصادية متقدمة ومنصبا سياسيا لامعا.

طُرح اسم أبوشقة خلال عامي 2015 و2016 كرئيس مُحتمل لمجلس النواب، على أن يدخل إلى المجلس بالتعيين، لكن وجود والده داخل مجلس النواب دفعه للتراجع، ما حول الأنظار ناحية علي عبدالعال رئيس البرلمان حاليا.

الأداء المتوازن للمستشار القانوني للسيسي رُبما يُقربه أكثر من منصب سياسي كبير، رغم حداثة سنه، لكنه في الوقت ذاته سلاح ذو حدين، لأنه يعني لدى البعض الخروج مُبكرا من الدائرة المقربة من الرئيس السيسي، ويخضع لمتطلبات العمل السياسي المباشر، من حيث الإغراءات والعقوبات.

معروف أن المقربين من السلطة لا يخضع صعودهم لنظرية بعينها، فقد يحصل البعض على نفوذ وثروة لا يتوقعها. كحالة أحمد عز الذي نجح في الصعود السياسي وسيطر على الحزب الوطني الحاكم، في السنوات الأخيرة من حكم مبارك. ثم انتهى به الحال إلى السجن بعد ثورة 25 يناير، واضطر إلى دفع مبلغ 1.7 مليار جنيه (نحو 80 مليون دولار) للتصالح وتسوية قضاياه، ثم اضطر إلى اعتزال العمل السياسي والعام بعد خروجه من السجن.

كذلك حالة  جمال مبارك الذي كان يتم إعداده كرئيس للجمهورية خلفا لوالده، ثم انتهى به الحال إلى السجن، وبعد الإفراج عنه عزف عن ممارسة أي عمل سياسي.

لكن الذين يعرفون الشاب محمد أبوشقة، يرون أن مؤهلاته تمكّنه من الصعود والطريق يبدو مفتوحا أمامه، ليتبوأ منصبا خلال الفترة الثانية لحكم السيسي.

في هذه الحالة يمثّل وقوع الاختيار عليه كوزير للشباب أو غيره، نقلة نوعية في مسيرته، وليس بالضرورة أن يواجه مصيرا غامضا، لأنه يفهم حدود وآليات اللعبة السياسية في مصر، ويعلم جيدا أن التضحية به في أي وقت ليست بعيدة، إذا كان هناك ضرورة أو تحقق الإطاحة به مصلحة سياسية معينة.

12