محمد أبي سمرا: الكتابة الميدانية تقودني إلى ما يخالف الأدب الخالص

الجمعة 2013/11/29
أبي سمرا: كتبت سيرة أشخاص عاديين هم صورة للمجتمع

ولد محمد أبي سمرا عام 1953 في قرية شبعا اللبنانية، تخرج من دار المعلمين عام 1977 وبدأ يعمل في الصحافة الثقافية إلى جانب عمله بالتعليم ككثير من أقرانه المدرسين الصحافيين الملتزمين بالقومية والعروبة والأحزاب العقائدية. نال شهادة دبلوم في علم الاجتماع الثقافي عام 1984، وكانت أطروحته حول الأخوين رحباني وفيروز وتأثيرهم في الحياة اللبنانية. بعدها سافر إلى ليون عام 1985 هربا من حمى الحرب. في هذا الحوار يحدّثنا أبي سمرا عن مناخاته الإبداعية واتصالها بالمعيش اللبناني والثقافي العربي.

في فرنسا كتب محمد أبي سمرا روايته الأولى "بولين وأطيافها"، تلتها الأعمال الآتية رواية "الرجل السابق" و"سكان الصور" و"كزابلانكا بيروت كردستان" و"موت الأبد السوري، شهادات جيل الصمت والثورة" و"أقـنعة المخلّص، شهادات في الشيعة العونية وإمامها".

سيرة روائية

قد يكون ضيفنا من أكثر المجربين في مختلف أنماط الكتابة "رواية وقصة وتحقيقات وشعرا"، وقد يكون كل كتاب يمثل تجربة خاصة مخالفة للتي سبقتها، لكن هل تبقى كل هذه المحاولات جزءا من الخوف في الوقوع في نمط معين؟ يجيب محمد أبي سمرا قائلا: "كتبت الشعر في بداية مراهقتي الكتابية، ثم انتقلت إلى كتابة الشهادات والتحقيقات الصحفية في ثمانينات القرن الماضي، وخلال إقامتي سنتين في فرنسا في أواسط الثمانينات كتبت روايتي الأولى "بولين وأطيافها"، ونشرت في التسعينات، ثم كتبت روايتين أخريين "الرجل السابق" (1995) و"سكان الصور" (2003).

ويضيف قائلا: ’’في الأثناء تطورت في كتابات صحفية ميدانية عن ظواهر الحياة اليومية والاجتماعية في لبنان، وكتبت أيضا سيرا لأشخاص عاديين، حياتهم تعبر عن ظواهر اجتماعية وسياسية، لكن كتابة هذه التحقيقات والسير كانت معاكسة للكتابة الصحفية السائدة في أنها تروي وقائع الحياة اليومية ومصائر الأشخاص والفئات الاجتماعية على نحو روائي. في عام 2004 صدر لي كتاب "بلاد المهانة والخوف"، وهو عن رحلات في شمال سوريا وكردستان العراق والمغرب. وفي كتابي "أقنعة المخلّص، شهادات في الشيعة العونية وإمامها" هذا وسيرة ظاهرة ميشيل عون السياسية، بعد عودته إلى لبنان عام 2005 وخروج أبرز ناشطي تياره على منعطفه في اتجاه حزب الله. يروي هذا الكتاب ظروف نشأة التيار العوني المسمى التيار الوطني الحر من خلال سير أبرز ناشطيه’’.

ساحل النصارى

في الشأن ذاته، يواصل أبي سمرا قوله: ’’كتابي عن طرابلس "ساحة الله ميناء الحداثة" الذي صدر عام 2010 يروي وجوها من الحوادث الطرابلسية ما بين خمسينات القرن العشرين والعقد الأول من الألفية الثالثة. أما كتابي "موت الأبد السوري، شهادات جيل الصمت والثورة" فكنت قد بدأت جمع مادته وكتابتها منذ جلاء الجيش الأسدي، وهو يروي سيرا لسوريين تعرضوا للسجن والمطادرة في أزمنة مختلفة، لكن هذه السير حاولت أن تروي الحياة اليومية والاجتماعية لهؤلاء الأشخاص في بيئاتهم وعائلاتهم ومدنهم، وهذه السير لم تكتمل إلا بعد انطلاق الثورة السورية، إذ أنني استكملت هذه السير بأخرى لناشطين سوريين في السنة الأولى من الثورة فروا إلى بيروت، والآن أنا بصدد إعداد كتاب عنوانه "ساحل النصارى- ضاحية حزب الله"، وهو يروي وقائع يومية ميدانية عن تحوّل القرى الساحلية التي تحولت ضاحية لبيروت بدءا من الخمسينات ثم مربعا أمنيا لحزب الله في النصف الثاني من الثمانينات. هذه التقلبات بين الرواية الروائية والرواية السيرية الاجتماعية، غير مقررة سلفا، و قد قادتني إليها الظروف والتجارب الكتابية والعمل الصحافي. في الكتابة الروائية الأدبية العربية غالبا ما يخليها التصور الأدبي العربي للكتابة من مادتها الحية. الأدباء العرب يتصورون أن الكتابة الأدبية هي إنشاء لغوي أكثر منه ملامسة لمصائر أفراد وشخصيات ومجتمعات. أنا أكتب وكأنني أسلمت نفسي للكتابة الميدانية تقودني أحيانا إلى ما يخالف الأدب الخالص الذي لا أعرف ماذا يكون’’.

مرآة للحرب

وعن مجموعة التحقيقات الصحفية عن طرابلس، وهل قصد أبي سمرا إيجاد بداية أو أرضية مختلفة عن بدايتها الأولى؟ وهل أن كتاباته التي عادت إلى الموضوع والمكان وتفاصيل الحياة، انحراف عن أصل المدينة؟ يقول: ’’كما كُتب في مقدمة كتابي عن طرابلس، أنا لم أكن أعرف الشيء الكثير عن هذه المدينة، لقد كتبت عنها لأتعرف إليها. نتصور أحيانا أنهم لا يكتبون إلا ما يعرفونه. أنا أكتب عن المدن والأماكن والأشخاص كي أتعرف إليهم. ما دفعني إلى الكتابة عن مدينة طرابلس حادثة تابعتها في المدينة عام 2000 وهي ظهور خلايا لمجموعات سلفية فذهبت إلى زيارة المدينة زيارة صحفية ثم جرتني الحوادث والعمل الصحافي إلى استطلاع ميداني واسع لأحوال المدينة خلال الحرب (1975- 1985)، فسجلت سيرا لطرابلسيين يزيد عددها عن العشرين وهي سير تفصيلية عن الحياة المدينية في زمن الحرب وما قبلها وصولا إلى ظهور الجماعات الإسلامية فيها، وهذا الكتاب هو كتاب عن مجتمع الحرب في طرابلس ويشكل مرآة لهذا المجتمع في لبنان عموما. تعلمت أن أستطيع التعرف على بناء كتابي لتركيبة مجتمع ما، من خلال سيرة شخص واحد ولد ونشأ وعاش في هذا المجتمع هذا ما فعلته في تسجيلي لسير وشهادات عن طرابلس’’.

الأدباء العرب يتصورون أن الكتابة الأدبية هي إنشاء لغوي أكثر منه ملامسة لمصائر أفراد وشخصيات ومجتمعات

ويضيف قائلا: ’’إن سيرة شخص واحد يمكن كتابتها بصيغ لا متناهية العدد وكل واحدة تختلف عن الأخرى. أعني في هذا أن الشخص نفسه يروي سيرته في كل مرة بشكل مختلف. كل يوم تجربة في حياتنا تغير نظرتنا إلى أنفسنا وإلى سيرنا’’.

وجه بيروت

بيروت، هذا الفضاء الحميمي، مدينة الألفة والتحادث بين الأشياء، بزوارها ومقاهيها وأماكنها التي تمد يد الصداقة، هل تركت أثرا في كتابات أبي سمرا؟ يجيبنا محدّثنا بالقول: ’’أنا أعيش في بيروت منذ ستينات القرن الماضي، ولكنني لا أستطيع أن أستقر على وصف أو صفة تفصيلية واحدة لأي لحظة من لحظات حياتي في هذه المدينة الحميمة والألفة والتحادث في بيروت مسائل تخص كل شخص يعيش فيها. لكن هناك صورة نمطية كثيرة عن بيروت (الحداثة والتفتح والحرية.. إلخ..) أنا أرى أن بيروت تتميز بسفور النساء فيها قياسا إلى النساء في المدن العربية المجاورة، هذا السفور النسائي هو صنيعة المسيحيين لكن هذا السفور لا يعني أن النساء السافرات غير تقليديات في نظرتهن إلى حياتهن وأنفسهن والمجتمع والتقاليد. إنه سفور الحداثة النمطية التي لا تعيد تكوين الأشخاص من جديد ولا تغير كثيرا نظرتهم إلى أنفسهم. حتى أنني أحيانا أحسب أن هذا السفور موضة أو دُرجَة باعثها الاستعراض’’.

رواية العالم

كتاب "طرابلس ساحة الله وميناء الحداثة" هل كان تحت تأثير هذا التحوّل الذي يجري في الواقع اللبناني، أم تحت تأثير ظرف آخر، في هذا السياق؟ يقول محمد أبي سمرا: "لا أعرف إن كانت هناك كتابة تفرق بين المعيش والمتخيل، فيما نحن نعيش دقائق يومياتنا، يجري في أذهاننا مونولوج دائم تختلط فيه الصور والأفكار والهذيان والوقائع، والكتابة هي القدرة على المزج العضوي بين هذه الصور والمونولوجات والأفكار والمشاهد والوقائع. أنا لا أعرف ما هي الكتابة الأوتوماتيكية، أنا أكتب بصعوبة بالغة وبتركيب بالغ أيضا؛ فلكي تنقل حادثا وقع لك مع شخص ما عليك أن تروي الحادثة رواية واقعية محايدة وأن تعيّن موقع الشخص منها، وأن تنظر في تصوره ودوافعه كأنك إذ توقف الزمن تفتحه على نحو بانورامي لكي تروي العالم في لحظة واحدة هذا العمل يتطلب حرية في اختيار زاوية النظر وتعددها، فشهادات الكتاب الأدباء عن الحوادث والوقائع يكتبونها من تصورهم عن أنفسهم أنهم أدباء.

مأزق الثورات

بعد مرور قرابة السنتين على بداية الثورات العربية لضيفنا رأي عن الأسباب العميقة لتعثر المراحل الانتقالية في دول الربيع العربي، وأبرز التحديات التي تعيشها دول ما بعد الثورات العربية، وخاصة المشهد السوري؛ يقول محمد أبي سمرا: ’’لا أملك مقدرة على الخوض في مثل هذه المواضيع، لكني أرى أن ما سميته تعثر الثورات العربية مسألة موضوعية. فحين بدأت الثورات العربية نظرنا إلى مشاهدها كصور وغاب عنا تماما أن المجتمعات ليست صورا. يستطيع آلاف الناس في لحظة ما الخروج إلى الساحات والشوارع ورسم مشهد احتفالي كرنفالي لخروجهم هذا، لكن بعد هذا المشهد كل شخص من المتظاهرين يعود إلى مسار حياته. كيف يمكن لشخص بلغ الخمسين مثلا أن يقف فجأة ويقول: "أريد أن أغير حياتي"، أظن أن بلدان الثورات العربية وقفت وقالت أريد تغيير هذا الواقع، لكن كيف أستطيع أن أغير؟ هذا هو مأزق الثورات العربية؛ بعد تظاهرات المشهدية انكشف المجتمع الراكد منذ خمسينات القرن العشرين، والذي كشف هو عدم وجود فاعل سياسي متكون ومنجز في هذه المجتمعات’’.

حزب الله صنيعة بيولوجية إيرانية في المجتمع الشيعي اللبناني ولديه طموح في أن يحكم لبنان، وهو الآن يقاتل في سوريا بأوامر إيرانية

ويضيف قائلا: ’’أحيانا يظهر هذا المكون مجسدا في الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم في مصر لسنة واحدة، ثم قام المصريون والجيش بخلعهم من السلطة فازداد انكشاف غياب الفاعل السياسي الشعبي غير الإسلامي في مصر، فعاد المصريون إلى تفويض الجيش في إدارة أمور بلادهم، وبذلك أصبح شبان الثورة وميدان التحرير في العراء هذا المثال المصري يختلف عما يحدث في سوريا مثلا، فنظام حافظ الأسد يبدو من أعتى الأنظمة في البلدان العربية والمجتمع السوري مفكك ومفتت في وجه هذا النظام الشرس’’.


سياسة الهذيان

وعن لبنان ووضعه الراهن، في ظل الانقسامات والتطورات الأخيرة التي ذكرتنا بسنوات الحرب الأهلية، وعن بداية مأساة جديدة أصبحت تدق أسواره؛ يقول أبي سمرا: ’’الفاعل الأكبر في إدارة المأساة اللبنانية الآن هو حزب الله الشيعي "التوتولاري"، هذا الحزب هو صنيعة بيولوجية إيرانية في المجتمع الشيعي اللبناني ولديه طموح في أن يحكم لبنان، وهو الآن يقاتل بأوامر إيرانية في سوريا، متخيلا أن المشرق من إيران إلى بيروت يمكن حكمه بحلف شيعي- علوي يلحق بها الأقليات في هذه البلدان، هذا التصور لدى حزب الله إمبراطوري وهذياني وتغذيه الانتصارات الكارثية التي حققها حزب الله في 2000 وبعد 2005’’.

14