محمد أبي ناصر بالحديد صنع النجاح في مدينة الرياح

الخميس 2014/06/26
بقايا أدوات قديمة تنقل المشاهد إلى عوالم سحرية لا تخلو من سريالية

الصويرة – (المغرب) - مدينة الصويرة أو موكادور الرابضة على شريط ساحلي ساحر بجنوب المغرب، تشتهر بمآثرها التاريخية العريقة وبتنوع ثقافتها التي جعلت منها في السنوات الأخيرة الوجهة السياحية المفضلة للمغاربة والأجانب على حد سواء. إنها مدينة عالمية يحج إليها السّياح من مختلف بقاع العالم طيلة أيام السنة، ليصل ذروته خلال أيام المهرجان الدولي لفن كناوة الذي يقام سنويا في شهر يونيو.

رغم أن فن كناوة صار أيقونة فنية للمدينة، فإن الزائر يصادف في أزقتها ألوانا من الفنون الأخرى التي تثير المتلقي، بسبب حيازتها لمقومات تغريب المألوف التي تتواءم مع الطابع الأسطوري، الذي يتمّلَّك كل زائر للمدينة، وليس غريبا أن يجد هذا الزائر نفسه أمام أشكال فنية مثيرة ومجنونة، صُنعت من بقايا أدوات قديمة تنقله إلى عوالم سحرية لا تخلو من سريالية.

إن تطويع المعدن مهنة قديمة غايتها نفعية صرفة، كما هي متجسدة في العمل المألوف الذي يزاوله الحدّاد، لكن فكرة مجنونة عنّت للفنان محمد أبي ناصر في الصويرة قبل اثنتي عشرة سنة، حين شرع، وخلافا لمهنة الحدادة التي تعلّمها من والده الراحل، في صنع أشكال فنية سريالية انطلاقا من مواد أولية هي عبارة عن متلاشيات مستغنى عنها بعد أن فقدت قيمتها النفعية، لتتحول في ورشته إلى إبداعات جمالية غريبة تشد الانتباه.

أباريق شاي تقليدية قديمة بألوان مختلفة تحولت إلى دجاجة أو طاووس، بقايا عوادم سيارات أو دراجات نارية تتحول إلى فنان “كناوي” يعزف مبتسما على آلته الوترية.

أدوات مطبخية وبقايا بطاريات أو مصابيح معطلة تصير نملة أو قطة عازفة، سلاسل حديدية مدورة تتحول إلى شعر مفتول لشباب بوهيمي..

إنه جنون فني حقيقي مستوحى من عوالم المدينة التي تلهم موضوعاته. ويحكي محمد أبو ناصر أن أعماله الأولى أثارت الكثير من السخرية والتهكم، بسبب لا معقوليتها المفرطة، لكن إقبال الزوار على ورشته بخاصة الأجانب منهم وتعبيرهم عن شديد إعجابهم شجعه على المضي قدما في هذا الفن، قبل أن يصير فنا شائعا في مدينة الرياح.

أباريق شاي تقليدية قديمة بألوان مختلفة تحولت إلى دجاجة أو طاووس، بقايا عوادم سيارات تتحول إلى فنان "كناوي"

فإذا كانت مراكش قد اكتسبت شهرتها عبر ساحتها (جامع الفنا) التي تقدم فرجات مفتوحة لفن الحلقة، وأصيلا التي جعلها موسمها الثقافي وجهة النخبة من المفكرين والكتاب والفنانين التشكيليين، فإن الصويرة استطاعت جمع ما تناثر في غيرها؛ لأنها صارت بحق ورشة فنية مفتوحة على المدهش والغريب والمتجدد، وهو ما تحاول أعمال الفنان أبي ناصر أن تصوره بشكل جمالي بالغ الأناقة.

لا تكاد تجد محلا للملابس التقليدية يخلو من إكسسوراته كالجلباب الواسع بلونه الأخضر الشهير والطاقية المزركشة بالألوان المختلفة، والتي يتدلى منها خيط معقود يحركه الكناوي في اتجاهات دائرية مع عملية العزف، حيث إن سرعة دورانه تعبر عن درجة التماهي مع عوالم العزف.

فضلا عن اعتماد بعض المطاعم التقليدية على بعض ممارسي هذا الفن لإضفاء أجواء روحانية خاصة على فضاء المطعم.

ومن هذا الضوء نستطيع تفسير هذا الحضور الطاغي لشخصية الكناوي بأحجام ووضعيات مختلفة، ويقر محمد أبو ناصر أن الكناوي شخصية قريبة منه لكون جاذبيتها الصوفية وصولاتها الروحية، شبيهة بما يعتمل في دواخله وهو يعمل في ورشته، إذ يكاد الفنّانان يتشابهان في قدرتهما على اقتناص لحظات روحية فارقة.

يؤكد محمد أبو ناصر أن علاقة خاصة بهذه الحشرة المعجزة في نظام عيشها الصارم وقوتها الخارقة، فضلا عن جرأتها الشهير على نبي الله سليمان كما يحكي ذلك القرآن الكريم. فهي، أي النملة، علامة على الجرأة بمعناها النبيل، ولا تنفك عن إمداده بمعاني القوة الروحية. وفي مجموعته القصصية “حديث النمل” تحضر قصة تلك النملة الشجاعة التي ثارت على حكم فيل ضخم يمارسه قهره وقسره على شعبه، فعبأت رفاقها من النمل الذي تخلى عنها في مرحلة حاسمة من صراعهم مع الفيل لتلقى حتفها.

16