محمد أسد مستشرق جريء ترجم القرآن وشهد على القرن العشرين

الأحد 2015/01/25
أسد كان يعتبر من السباقين في مناقشة قضايا حساسة في الإسلام

ما يحدث اليوم، هو ما كان يحدث قبل مئة عام، صراع الحضارات بصوره المقنّعة المختلفة، الغرب المسيحي المستنفر من صعود الإسلام المتطرّف، يقابله إسلام مستنفر (غير إرهابي وتمثله الأغلبية الساحقة من مسلمي العالم) بمواجهة متغيرات العالم الحضارية، والعولمة، والثورة التكنولوجية الفائقة، وانهيار المفاهيم، وسقوط الأيديولوجيات، وتفتت المجتمعات، والفردية القصوى التي باتت مآل إنسان الكوكب، في مثل هذا المناخ مع فارق فقره المدني، ظهر رجل من قلب أوروبا، في قرية ليفو البولندية النمساوية، كان قد ولد في العام 1900، ليقوم برحلة معاكسة نحو الشرق، رحلة ثقافة ومفاهيم من جديد.

ليوبولد فايس، اليهودي المهاجر إلى الإسلام، كان من أصول ألمانية نقية، يدلّ عليها اسمه، في كنف جدّه الحاخام بنيامين فايس، عاش ليوبولد في فيينا ودرس فيها الفن والفلسفة، ليمتهن الصحافة، وتعرّف بالمثقفين في مدينته ثم في برلين، زاجاً بنفسه بين الفنانين من أمثال المخرج السينمائي مورناو، ثم وجد فرصته في وكالة رودولف دامرت للأخبار، ومنها أجرى حواراً غيّر حياته مع زوجة الكاتب الروسي الكبير غوركي في العام 1921.

دعاه قريبه إلى زيارة القدس، فلم يتردد، فهناك تقع جميع الأحداث الساخنة في الشرق الأوسط، ومن هناك زار دمشق وبيروت سيراً على الأقدام، وعرف القاهرة والأزهر على يد الشيخ مصطفى المراغي، ودخل معه في نقاشات حول الروح والجسد، ليصل إلى أنهما في الإسلام توأمان متطابقان، تعلّم بعدها اللغة العربية في مرحلة بحثه المعمق، وفي الشرق الأوسط فهم العالم من جديد، وراسل صحفاً ألمانية كثيرة، ولكن لم تشجّعه سوى صحيفة “فرانفكورتر تزايتونغ” التي عينته مراسلاً لها، ليواصل عمله الصحفي منتقداً المشروع الصهيوني الذي نادى بدولة قومية ليهود العالم، ثم رحل إلى برلين في العام 1923 وهناك تلقى عرضاً من مدير الصحيفة، للسفر إلى مصر والعراق وإيران وأفغانستان، فلم يتردد أيضاً، ليعيش عاماً ونصف العام شاهداً على إعلان الشاه رضا خان مملكته العلمانية، على حد وصف فايس، عاد بعدها إلى برلين ليعلن تحوّله إلى الإسلام في العام 1926 وليطلق على نفسه اسم “محمد أسد”.

ليوبولد فايس يدخل من عالم الصحافة مبكرا لاكتشاف الشرق، فيتحوّل بسرعة إلى مجالس للملوك والقادة بسبب إشهاره إسلامه وتنقله في مناطق التوتر والأحداث الحساسة


محمد أسد في السعودية


ومن هناك بدأت رحلته إلى العالم، تلك الرحلة التي بدأها من السعودية، حيث زار الملك عبدالعزيز في العام 1927، وسكن في المدينة المنورة، وأدى فريضة الحج إلى مكّة خمس مرات، وقام بجولات كثيرة في أنحاء نجد والحجاز والشرق والجنوب، طيلة ستة أعوام، وهناك توفيت زوجته الألمانية، وكان سلوكه الاجتماعي يعكس رغبته في تقديم نموذج مسلم مختلف، فحين تم تزويجه من فتاة من قبيلة “مطير” رفض متابعة الأمر وانفصل عنها حين اكتشف، ولم يكن يعلم، أنها طفلة بنت أحد عشر عاماً، ليتزوج من سعودية أخرى في العاصمة الرياض، وينفصل عنها، أما زوجته الثالثة فكانت السعودية الشمّرية التي تزوجها في العام 1930 في مدينة حائل. وفي السعودية أصدر صحيفته “عرفات” وكان قد بدأ يستغرق تماماً في الدراسات والأبحاث الإسلامية، ويساهم في الصحافة الأوروبية للتعريف بالإسلام وقضايا الشرق الأوسط، وحيث استقر في المدينة المنورة طلب منه الزعيم الليبي أحمد السنوسي السفر إلى ليبيا للقاء القائد التاريخي للثوار الليبيين عمر المختار، حيث ساهم محمد أسد في الحرب الشعبية الليبية ضد الاحتلال الإيطالي بنفسه، ودراسة إمكانية المساعدة في تمويل المقاتلين، ليبقى شهرين في ليبيا تحت الخطر.


النازية تقتل والديه


كانت بنية محمد أسد الثقافية، قائمة على الترحال والاكتشاف، وهو الأمر الذي تسبب في تغييره عقيدته، وتابع معه بقية حياته، فبعد أن شهد السنوات الممهدة لإعلان المملكة السعودية، قرر مغادرتها بعد ذلك بعام واحد، حين حزم أمره بالسفر إلى الهند عبر البحر الأحمر في العام 1932، وهناك التقى مع الشاعر الكبير محمد إقبال، وناقش معه فكرة الدولة الإسلامية المستقلة (التي ستصبح باكستان فيما بعد)، فطلب منه محمد إقبال البقاء في الهند لمساعدة المسلمين على تحقيق ذلك الحلم.

ولكن لم يلبث كثيراً حتى تم اعتقاله مع زوجته وابنه بسبب جنسيته الألمانية، بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية في العام 1939، وبقي معتقلاً حتى وضعت الحرب أوزارها في العام 1945، وخلال تلك السنوات، تم اعتقال والديه في ألمانيا على يد النازيين، وتمّت تصفيتهما مع من قتل من اليهود في الهولوكوست، وبعد خروج محمد أسد من السجن، واصل عمله مع مسلمي الهند لإعلان دولتهم، التي أعلنوها بالفعل في العام 1947، حيث تم منحه حينها الجنسية الباكستانية، وتعيينه رئيساً للجنة إعادة الإعمار الإسلامية، ثم أوفدته الباكستان لتمثيلها كمبعوث رسمي إلى الأمم المتحدة في العام 1949، وبقي في منصبه حتى العام 1952 حيث استقال وبقي في نيويورك.

أحمد السنوسي اللاجئ في السعودية أرسل محمد أسد لاستطلاع أوضاع ثورة عمر المختار في ليبيا ومحاولة تقديم الدعم المالي والعسكري له، ليبقى أسد في أرض المعركة شهرين مع الثوار تحت القصف الإيطالي

محمد أسد بقي يؤكد أنه لم يكن لديه أيّ طموحات سياسية، وأنه لم يتدخل في أي حدث مرّ به، ولكن المتتبع لحياته يلحظ عكس هذا، فما الذي يفعله رجل متفرغ للبحث بالقرب من الملوك وقادة الدول وفي بقاع حساسة ومتفجرة من العالم؟ خاصة وأنه كان قد أنهى حياته المهنية المعلنة مبكراً في سن الثانية والخمسين، حين غادر نيويورك متخلياً عن مهمته كمندوب للباكستان في الأمم المتحدة، متوجهاً إلى سويسرا، ليعيش عشر سنين متواصلة، ثم يترحل إلى طنجة في المغرب العربي، ويعيش فيها عشرين سنة، ثم ينتقل إلى البرتغال، ليعيش في ميخاس حتى وفاته في العام 1992.

ويبقى الجانب الفكري الذي وضعه محمد أسد، أكثر حضوراً حين نفكر في الطريقة التي صوّر بها الإسلام، لا سيما في كتابه “الإسلام في مفترق طرق”، أو “الطريق إلى الإسلام” وكذلك “منهاج الإسلام في الحكم” الذي وضع فيه تصوّرات الإسلام للدولة الدينية ومقومات نظام الحكم. كما أنه ترجم القرآن الكريم إلى الإنكليزية وكذلك صحيحي البخاري ومسلم في الحديث النبوي.


فكر أسد الجديد


لم يتعرض محمد أسد للنقد وبالمقابل لم يتمّ تحليله كما ينبغي، ولم يتم التشكيك به، كما حصل مع آخرين، ولم يُتهم بأنه قام بأدوار تشبه دور لورنس العرب، والفكر الذي تركه، يمكن التعرف إليه أكثر من خلال أعماله غير المترجمة إلى العربية، التي قدّم من خلالها رؤيته للإسلام، وفهمه الخاص للنص المقدس، ففي ترجمته للقرآن يقوم محمد أسد بإحالة الجنة والنار والجن والشياطين والملائكة إلى حالات رمزية وليست واقعية، أي أن تلك الكلمات باعتقاد محمد أسد حملت معانٍ غير تلك التي فهمها المسلمون طويلاً، فترجمته للقرآن كانت قد صدرت في العام 1980، عن دار الأندلس في جبل طارق، ولم يستعمل في تفسيره ذي الألف صفحة كلمة “الله” مرة واحدة، بل استعاض عنها بكلمة “GOD”، حرصاً على مخاطبة العقل الناطق بالإنكليزية، أما كلمة “طه” في بداية سورة طه، فقد ترجمها محمد أسد “O man: يا رَجُل”، وهي بالفعل كذلك في اللغات الآرامية والسريانية القديمة، وكذلك كلمة “أيّام” التي وردت في “خلق السماوات والأرض في ستة أيام”، فقد ترجمها محمد أسد على أنها “حقب” أو “عصور”، إلى جانب عدد كبير من المعاني التي وضعها أسد وفقاً لرؤيته دون التقيّد بالمرجعيات المكرّسة، متحرراً من قيود العقل.

عاش محمد أسد لحظات تأسيس السعودية وغادرها إلى الهند ليشهد تأسيس دولة إسلامية عرفت في ما بعد بالباكستان، فحصل على جنسيتها وأصبح ممثلها في الأمم المتحدة

رأى محمد أسد شخصية النبي محمد، بطبيعتها البشرية، وقرأ يومياته وحضوره قراءة سيكولوجية إنسانية، إضافة إلى البعد الرسولي الغيبي، وهو في هذا منسجم مع منهجه في اعتبار الأنبياء من البشر يصيبون ويخطئون، يقول محمد أسد في كتابه “الطريق إلى الإسلام”: “ومع ذلك فإنه (أي الرسول محمد) لم يَدَّعِ يوما إلا أنه بشر، ولم ينسب المسلمون إليه الألوهية قط كما فعل الكثيرون من أتباع الأنبياء الآخرين بعد وفاة نبيهم. والحق أن القرآن نفسه يزخر بالأقوال التي تؤكد إنسانية محمد: (وما محمد إلا رسول قد خَلَتْ من قبله الرسل. أفإن مات أو قُتِل انقلبتم على أعقابكم؟)”.

كان محمد أسد سبّاقاً في مناقشة قضايا حساسة في الإسلام كقضية الحجاب وقضايا فقهية كثيرة، فهو يعتقد بأن الحجاب ليس مفروضاً في القرآن إلا بما يناسب المجتمعات التي تعيش فيها المرأة المسلمة، فقد ترك لباس المرأة مفتوح التأويل، ولكنه اشترط فيه الحشمة.

عاش محمد أسد طويلاً، وكان تحت رعاية الأمير (الملك) سلمان بن عبدالعزيز، حتى وفاته ودفنه في مقبرة غرناطة مع المسلمين، وتمّ تكريمه مراراً في كل مكان، وفي العام 2008 أطلقت سلطات العاصمة النمساوية فيينا، اسمه على الميدان الواقع أمام مبنى الأمم المتحدة، فحضر الاحتفالية عمدة المدينة ميخائيل هويبل، والدكتور فهد بن عبدالله السماري، الأمين العام لدارة الملك عبدالعزيز، موفد الأمير سلمان حينها، ويعتبره كثيرون مفكراً تجديدياً، ويراه آخرون مغامراً متجاسراً في تناول الكثير من القضايا الحساسة في جوهر الدين الإسلامي، لكنه دون شك كان قد ترك تأثيراً واسعاً على من أعجب بشخصيته من العلماء المسلمين والعرب، فأخذوا بالسيرة ولم يلتفتوا إلى المضمون، بينما انشغل المسلمون بالحروب مع الرسوم الكاريكاتورية، بدلاً من تحليل الخطاب، وتجديد الفكر الإسلامي كما فعل محمد أسد وغيره.

8