محمد أنور السادات مشاكس لا يجيد لعبة المعارضة

السبت 2017/03/04
محمد أنور السادات سياسي لا تعيش له حصانة ولا تستمر معه عضوية في البرلمان

القاهرة- لم يدرك السياسي المصري محمد أنور السادات أن الصوت العالي والدخول في معارك كلامية معارضة للأوضاع الحالية لم تعد تجد قبولا لها وأن إقصاءها عن المشهد أصبح السبيل الأمثل للرد عليها لتجنب إثارة الرأي العام في وقت تسعى فيه غالبية دوائر الحكم إلى الاصطفاف نحو المزيد من الهدوء بعيدًا عن الخوض في أمور قد تستغلها بعض التيارات المناوئة للنظام وتوظفها وفقًا لأهوائها ومخططاتها.

وفي غفلة سار في طريق معاكس لا ترغب فيه بعض الدوائر والشخصيات التي تدين بالولاء للنظام، واستمر صوته العالي يرتفع تحت قبة البرلمان المصري بالخوض في قضايا كان يصعب على غيره التطرق إليها، على الأقل حاليًا، والدخول في معارك كلامية مع شخصيات وجهات لها نفوذها في الدولة.

ودون سابق إنذار وجد نفسه خارج البرلمان بعدما صوّتت الأغلبية على إسقاط عضويته يوم الاثنين الماضي بتهمة تسريب قانون الجمعيات الأهلية لسفارة أجنبية (سويسرا)، وتزوير توقيعات بعض زملائه تجاه التحفظ على بعض مشروعات القوانين ليصدر الحكم عليه بالإقصاء النهائي من العمل النيابي والتشريعي والرقابي ولينال نفس مصير زميله السابق بالمجلس الإعلامي توفيق عكاشة.

كان السادات من بين النواب القلائل في المجلس الذين وقفوا مع عكاشة بعد أن صوّتت الأغلبية على إسقاط عضويته للقائه سفير إسرائيل بالقاهرة دون إذن المجلس في مايو الماضي، وبرر آنذاك وقوفه إلى جانبه بأنه يخشى في يوم من الأيام أن ينال نفس المصير ويتكاتف الجميع عليه، وتحققت مخاوفه.

اعتاد منذ دخوله إلى البرلمان ألا يتحسس خطواته عند الخوض في أيّ قضية شائكة أو معركة جانبية أو الإدلاء برأي معارض يضعه في طريق السير ضد التيار أو تصنيفه كأحد أبرز المغضوب عليهم ما تسبّب في أن يخلق لنفسه جملة من العداوات داخل مجلس النواب وخارجه بدءا من رئيس الحكومة نفسه أو بعض الوزراء والمؤسسات المهمة في الدولة مثل الجيش والشرطة، ولم يتورع في الهجوم عليهما والتلويح بإمكانية محاسبتهما.

صحيح أن مختلف القضايا التي أثارها النائب المشاكس تحت قبة البرلمان كانت تمسّ قضايا حياتية ولها وجود على أرض الواقع وبحاجة إلى من يتبناها، لكن حماسه الزائد في عرضها والبحث وراءها والتحدث بشأنها عجّل بقرار إقصائه من البرلمان لا سيما وأن الأغلبية في المجلس من ائتلاف دعم مصر المؤيد للحكومة تعاملت معه مبكرًا على أنه من المعارضين، وجرى نصب الكمائن له ووضعه تحت المجهر طوال الوقت.

في نفس الوقت، أصرّ السادات أن يسير في طريقه غير عابئ بما يخطط له من وراء الكواليس، ما أدخله في صدامات ومعارك خرج منها خاسرًا ولم يحقق أيّ نجاحات تذكر في القضايا التي طرحها، حيث كان يواجه إما بقطع الصوت عنه أثناء الحديث أو التشويش عليه أو تهديده بتطبيق اللائحة البرلمانية عليه بحرمانه من الجلسات.

وكلها كانت رسائل للصمت، لكنه لم يفهم ذلك سريعًا أحيانًا، وفي بعض الأحيان كان يفهم ويعاند ويمضي دون تراجع حتى حانت لحظة الحسم بتصيد إحدى سفرياته إلى جنيف وبرفقته 9 من نواب البرلمان لحضور مؤتمر دولي حول حقوق الإنسان دون إذن البرلمان، فكانت أول تهمة يتلقاها التمويل الأجنبي من منظمات دولية ولقائه مع رموز دولية في غفلة من المجلس.

السادات يجد نفسه خارج البرلمان بعدما صوتت الأغلبية على إسقاط عضويته الاثنين الماضي بتهمة تسريب قانون الجمعيات الأهلية لسفارة أجنبية (سويسرا)، وتزوير توقيعات بعض زملائه تجاه التحفظ على بعض مشروعات القوانين

لم يصمت أمام هذه الرسالة وأصرّ على أن يعاود الاستمرار بعد فوزه برئاسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان، لكن صدامه هذه المرة كان مع رئيس المجلس علي عبدالعال متهمًا إياه بأنه يسعى إلى إسكات كل صوت معارض وإضعاف عمل اللجنة، وتدخّل لدى الأجهزة الأمنية لمنعه من زيارة السجون ومحاولة إفشاله بعدم مناقشة المظالم التي تأتي للجنة من مواطنين يكشفون التجاوزات الأمنية وعورات بعض ضباط الشرطة.

كمائن سياسية

كانت القشّة التي قصمت ظهر السادات مبكرا ودفعت أكثرية النواب لاتخاذ موقف ضده والنيل منه كبرلماني مشاكس لا يكف عن إثارة البلبلة أنه وقف تحت قبة البرلمان رافضا زيادة معاش العسكريين إلى 10 بالمئة حسبما يريد رئيس المجلس، وقال آنذاك “نعم نقدر تضحيات رجال الجيش لكن الزيادة غير مبررة وهذه الفئة تزيد مرتباتها كل فترة والوضع الاقتصادي لا يسمح في ظل حالة التقشف العامة”.

وقتها وقعت معركة كلامية حامية بينه وبين عبدالعال رئيس مجلس النواب بعدما قال له الأخير “لن أسمح لك بإهانة المؤسسة العسكرية والتشكيك في وطنيتها، وإذا تجاوزت أكثر من ذلك فسيكون الرد قاسيًا”، وردّ عليه السادات بالقول “أنا أمارس دوري التشريعي والرقابي وأنت تأخذ حديثي في طريق تتعمّد أن تأخذني إليه بوضعي في مواجهة مع المؤسسة العسكرية”، وكاد رئيس المجلس يطرده من الجلسة لولا تدخل بعض النواب لتهدئة الأمر.

لم تمرّ أيام على هذه الواقعة حتى فتح النائب قضية مخالفات السجون وتدهور الأوضاع فيها ما اضطر الكثيرين من نواب الأغلبية للهجوم عليه واتهامه بأنه يعمل لصالح تيارات معادية للنظام ويصر على الخوض في قضايا “لا يصح الحديث فيها بهذا الشكل”، حتى خرج السادات وأعلن استقالته من رئاسته للجنة حقوق الإنسان متهما عبدالعال ونواب الأغلبية بتعمد إلغاء عمل اللجنة ووقف مناقشة قضايا المظاليم.

غير أن قيامه بنشر وثائق تثبت شراء رئيس المجلس ووكيله سيارات مصفحة بأكثر من مليون دولار في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر كان بمثابة نقطة النهائية لوجوده داخل البرلمان بعدما وجد المجلس نفسه في مواجهة مع الفقراء والإعلام والمعارضين من مختلف التيارات، واتهموه بأنه “يعمل في واد والشعب في واد آخر”.

مشكلة السادات الحقيقية أنه لم يكن محنكًا برلمانيًا عند الدخول في أيّ معركة سياسية أو اجتماعية أو حتى مع البرلمان والحكومة وأحيانًا ما كان يختار الوقت الخاطئ لفتح ملفات مثيرة، وفي نفس الوقت لم يخلق لنفسه ظهيرًا برلمانيًا يدافع عنه إذا تعرض لاستهداف كان متوقعًا ما جعل منه هدفًا يسهل اصطياده من جانب النواب الذين نصّبوا أنفسهم مدافعين عن النظام والحكومة.

وإن كان هناك داخل البرلمان من يتوافقون فكريًا في النهج والأسلوب والطريقة التي يعارض بها فهؤلاء لا يتجاوز عددهم نحو 40 عضوًا من المستقلين وائتلاف “25-30” المعارض على طول الخط، وبالتالي ساعد غياب الظهير البرلماني المدافع عنه أن يغيب هو نفسه عن البرلمان إلى حين انتهاء فترة المجلس الحالي بعد 3 سنوات، ويمكن أن يغيب عن الساحة السياسية إلى الأبد إذا فتحت بعض الدوائر ملفاته وقدمت أسانيد تدينه أمام النيابة العامة.

السادات الجديد لم يستطع أن يكون البرلماني المحنك الذي يفهم بواطن الأمور ويعي متى يتحدث وفي أي وقت يتحتم عليه الصمت لتجنب الإقصاء السياسي

تسريب وتزوير

السادات شخصية سياسية لا تجيد لغة الدفاع عن نفسها ولا تختار الآلية التي من خلالها يستطيع إقناع الآخر بأنه على صواب، فمثلا عند طرح قضية سفره إلى مؤتمر حقوق الإنسان في جنيف من دون إذن البرلمان ولقائه مع المفوض السامي لحقوق الإنسان هناك برر ذلك بأنه “ذهب ليستفيد من خبرات المؤتمر ويتعرّف على طريقة ممارسة هذا الحق”، ودفع بأن هناك من يحاولون التربص به والتشكيك في وطنيته.

وعند اتهامه بتسريب مشروع قانون الجمعيات الأهلية لسفارة سويسرا بالقاهرة من جانب غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي التي طالبت البرلمان بالتحقيق معه برر ذلك بأن “القانون نفسه تم نشره في الصحف ووسائل الإعلام”، وبالتالي لم ينف عن نفسه تهمة تسريب القانون للسفارة، واكتفى بتقديم مبرر غير مقنع لوصوله إلى يد السفير الذي عاتب الوزيرة على تقديمها قانونًا بهذا الشكل إلى البرلمان لإضعاف دور الجمعيات الأهلية في مصر.

ويعدّ السادات من أكثر نواب البرلمان الذين تسببوا في إثارة غضب الرأي العام على الأداء البرلماني بشكل عام، وحتى إن كان يتم إسكاته تحت قبة البرلمان بشكل أو بآخر، والتضييق على آرائه والتشويش على القضايا التي يطرحها فإنه كان يشاكس من خلال بعض وسائل الإعلام ويدلي بآراء نارية تتعلق بطريقة إدارة البرلمان والتضييق على المعارضين بداخله وعدم التطرق إلى الملفات التي تتعلق بالمسائل الحياتية للناس.

وقال ذات مرة في أحد البرامج “رئيس المجلس إداري ضعيف للغاية لا يجيد لغة الحوار ولا يستطيع السيطرة على النواب ويسعى لأن يكون البرلمان خاليًا من كل صوت معارض أو شخصية تغرد خارج السرب، وهناك ملفات بعينها غير مسموح للمجلس بتناولها أو الخوض فيها”.

صحيح أن كلام السادات يبدو مقبولًا في إطار النقد لكنه لم يدرك أن رئيس البرلمان شخصية لا تقبل النقد حتى في أضيق الحدود وتتعامل معه باعتباره “محاولات تشويه وإثارة بلبلة”، سواء كان ذلك صادرًا عن شخصية برلمانية أو وسيلة إعلامية، وفي الكثير من الأحيان يصوّب الاتهامات لأصحاب الصوت العالي بأنهم يعملون لصالح أجندات خارجية حتى وإن كانوا يتحدثون في أمور يعلمها رجل الشارع في مصر.

ينجح ويرسب

يُحسب على السادات، منذ أن وصل إلى كرسي البرلمان، أنه لا يجيد قواعد اللعبة حتى ينأى بنفسه عن الإقصاء النهائي منها ولا يراعي اعتباره شخصًا واحدا يحارب دوائر عديدة مع شخصيات لها ثقل ونفوذ سياسي واجتماعي داخل أي نظام حكم ما يجعله يتعرض لخسائر جمة، لكنه في ذات الوقت يعيد بناء نفسه سريعًا للعودة إلى المشهد من جديد فهو اعتاد أن يرسب ويعيد النجاح ثم يعاود الخسارة.

في برلمان 2005، إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وقت أن كان يتم التنكيل بالمعارضة بشتى السبل، اصطدم السادات أواخر عام 2006، يوم كان عضوًا في البرلمان آنذاك، مع زكريا عزمي النائب عن الحزب الوطني الحاكم ورئيس ديوان رئيس الجمهورية متهمًا إياه بأنه ساعد رجل الأعمال ممدوح إسماعيل على الهرب إلى لندن بعد غرق عبارة السلام 98 ووفاة من كانوا على متنها وطالب بمحاكمة عزمي على جريمته.

كان من البديهي أن يصمت نواب الحزب الوطني الحاكم أو زكريا عزمي نفسه حتى تم الحشد لإسقاط عضويته بحجة إفلاسه وفقدانه الصفة الاعتبارية وحدث ذلك في 2007، وخرج من البرلمان ليعيد بناء ذاته من جديد حتى دخل في مجال الاستثمار بالتنمية السياحية وصناعة السفن وتجارة الأخشاب وأصبح أحد كبار رجال الأعمال.

القشة التي يقال إنها قصمت ظهر السادات مبكرا ودفعت أكثرية النواب لاتخاذ موقف ضده والنيل منه كبرلماني مشاكس لا يكف عن إثارة البلبلة أنه وقف تحت قبة البرلمان رافضا زيادة معاش العسكريين إلى 10 بالمئة

لذلك يوصف السادات بأنه “البرلماني الذي لا تعيش له حصانة ولا تستمر معه عضوية البرلمان”، فما بين إسقاط عضويته في برلمان 2007 وتكرار الأمر في برلمان 2017، أي عشر سنوات، استطاع خلالهما أن يكون “بيزنس مان” محترفا، ورئيس حزب “الإصلاح والتنمية” وعضوا في برلمان الإخوان المنحل (2013)، لكنه لم يستطع أن يكون البرلماني المحنك الذي يفهم بواطن الأمور ويعي متى يتحدث وفي أيّ وقت يتحتم عليه الصمت لتجنب الإقصاء والإعدام السياسي.

معارض معقول

لكن السادات يتميز بأنه “معارض في حدود المعقول”، بمعنى أنه لم يسبق له مهاجمة الرئيس عبدالفتاح السيسي أو انتقاده على أيّ فعل أو قرار اتخذه، إذ يتجنب أن يصطدم برأس الدولة بشكل مباشر ويمارس دوره في المعارضة مع المؤسسات نفسها، وهناك نقطة أو نقاط لا يقترب منها سواء بشكل مباشر أو حتى بالتلميح لتجنب أن يتم تصنيفه على أنه يعمل لصالح تيارات معادية للنظام وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين ما قد يقضي على مستقبله السياسي للأبد.

يمكن تفسير ذلك أيضًا بأنه ينتمي إلى أسرة رئاسية بالأساس، فهو ابن شقيق الرئيس الراحل محمد أنور السادات وبالتالي يدرك حدود انتقاد شخص الرئيس وتبعاته وما يمكن أن يعود عليه من سلبيات جراء المضي في هذه الخطوة، وربما لأنه لم يغب عن أذهانه كيف كان عمه “الرئيس الراحل” يتعامل مع بعض المعارضين لشخصه أو يفهمون أن الهجوم عليه أمر مباح حتى وإن كان السيسي نفسه يسمح بجزء من المعارضة ويعتبر أنها تضفي قدرًا من التوازن السياسي في الداخل.

إن كان إقصاء السادات من البرلمان بإيعاز من دوائر في الحكم أو بتبرع من المقربين للنظام فإنه بات عليه أن يمضي في طريق التعلم من دروس الماضي والحاضر ليؤسس إلى المستقبل بأن يجيد اللعبة ويقرأ المشهد العام وفحوى الرسائل الموجهة إليه ولآخرين على شاكلته قبل أن يعود مجددًا ويواجه مصير الإقصاء مرة أخرى.

12