محمد إبراهيم مبروك يغادر ومصر في مخاض الولادة

الاثنين 2014/11/10
محمد إبراهيم مبروك: الكتابة صلاة، والصلاة هي أكثر أعمال الإنسان خصوصية

كاتب آخر يغادرنا ويحرك دواخلنا برحيله الهادئ، فقد توفي أول أمس بالقاهرة المترجم والكاتب المصري محمد إبراهيم مبروك، أحد أبرز رموز الحداثة في القصة القصيرة المصرية خلال ستينيات القرن الماضي عن عمر يناهز 71 سنة.

في بداية مجموعته القصصية الأولى، التي جاءت بعد توقف عن الكتابة دام طويلا بعد تجربة اعتقال مريرة، "عطشى لماء البحر"، يتساءل الكاتب محمد إبراهيم مبروك في إهدائه هكذا: "ورداتي البرية هذه إلى مَن أحملها؟" ثم يأتي الجواب في تتمّة الإهداء حيث "يكمن الفقراء" كما ذكر.


ترك الكتابة


في ذات الإهداء الطويل يسبغ عليهم (الفقراء) صفات كثيرة، وإن دلّ ذلك على شيء فهو يدل على نبل وسماحة هذا الكاتب، إذ يقول عنهم "يجبرونك بعطائهم الأعظم، …على احترامهم، لما تحمله أرواحهم من نبل مفعم بروح سيادة كامنة، تتلمّس وعيها بذاتها في عالم كانت دائما كلما حملت أحجاره على أكتافها وبنته، يخذلها وتفقده".

لا أجد وصفا مناسبا يليق بالكاتب والمترجم والإنسان النبيل محمد إبراهيم مبروك الذي رحل عن عالمنا يوم السبت الماضي الثامن من نوفمبر 2014، بعد رحلة طويلة وممتدة مع المرض، حيث كان مصابا بورم في الدماغ، استلزم دخوله معهد الأورام، إلى أن نقل إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادي بعد مناشدات الكتاب، عقب تدهور حالته الصحية، لكنه لم يحتمل الأمر طويلا، ففارقت روحه الحياة. لا أجد له وصفا أنسب ممّا وصف به هؤلاء الفلاحين، فأردّه عليه دون نقصان أو زيادة.

ولد محمد إبراهيم مبروك في أوّل يناير عام 1943 بقرية طملاي التابعة لمحافظة المنوفية في دلتا مصر، والتي غادرها وهو في الثانية عشرة من عمره دون أن تمّحي من ذاكرته أبدا اللحظة التي تحركت بهم (هو وأمه وإخوته الصغار) عربة أتوبيس الكافوري، إلى الإسكندرية، التي مارس فيها أعمالا كثيرة لأنه كان يعول أسرة كبيرةَ العدد، قبل أن يرحل إلى القاهرة، وتخرّج في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية من قسم التاريخ.

محمد إبراهيم مبروك وصل بأسلوب المونولوج الداخلي إلى آفاق لم يسمع فيها وقع لقلم مصري من قبل

نشر له الأديب يحيى حقي في مجلة “المجلة” عدد أكتوبر 1966، أوّل قصة بعنوان لافت: "نزف صوت صمت نصف طائر جريح" وهي القصة التي أشاد بها يحيى حقي، منوّها بأن صوتا جديدا بدأ يفرض ذائقته الجديدة في الكتابة، كما أنها صدرت مصحوبة بقراءة نقدية للناقد الدكتور صبري حافظ، الذي قال عنه: "لقد وصل مبروك بأسلوب المونولوج الداخلي إلى آفاق لم يُسمع فيها وقع لقلم مصري من قبل". إلا أن هذا الاحتفاء بالقصة، قابله من جانب آخر تجاهل وتهميش من الشللية التي كانت مسيطرة على الوضع الثقافي آنذاك، وهو ما أثّر عليه، وصديقه محمد حافظ رجب، فعاد إلى الإسكندرية تاركا الكتابة.


خطوات الكلمات


ثمّة تحولات مهمة أثّرت في مسيرة الكاتب الإبداعيّة، وقد نتجت عنها ندرة في الكتابة. التحوّل الأوّل هو هجرته إلى الكتابة بعد الإنكار والتهميش لموهبته، وقد استمرت مدة طويلة لم يعد منها إلا بعد تجربة حب فاشلة.

والتحوّل الثاني هو تجربة الاعتقال فقد تمّ اعتقاله في مارس سنة 1967، وهو لم يبلغ بعد 23 عاما، وتعرض لتعذيب شديد، بسبب سخريته من الصحف القومية حينها قائلا: "إن جرائد الأهرام، الأخبار، والجمهورية تكرّر نفس البيانات والمعلومات، فمن الأجدر بمسؤوليها طباعة نسخة واحدة، وتختتم كل جريدة بالخاتم الخاص باسمها". كان لهذه التجربة تأثير سلبي كبير على الكاتب، حيث انقطع تماما عن الكتابة، بعد أن دامت التجربة سنة كاملة، خرج على إثرها، صامتا، يجترّ الألم، فما حدث له وما رآه في المعتقلات كان أصعب مما تتخيله رؤية كاتب حالم، بعد شعوره بعدم جدوى الكتابة، خصوصا بعد هزيمة 1967.

تجربة حب فاشلة تعيده للكتابة

التحوّل الثالث هو العودة إلى الكتابة بعد انقطاع طويل إثر تجربة الاعتقال، وقد أنجز فيها مجموعة “عطشى لماء البحر” والتي صدرت سنة 1984، ونشرها على نفقته الخاصة، والتي قال عنها "إنها بديل له عن الانتحار، حيث أنه سيحيا فقط من أجل الكتابة والقراءة"، وقد اعتبرها الدكتور خيري دومة "مجموعة من المونولوجات الداخلية المباشرة المفتوحة على بعضها البعض، لتكون في النهاية نصا واحدا طويلا مكوّنا من حلقات".

التحوّل الرابع وهو الأهمّ في حياة الكاتب جاء بعد أن قرأ رائعة الراحل "ماركيز" "ليس لدى الكولونيل مَن يكاتبه" فكان تأثير القصة عليه كبيرا، بعد أن سحره أدب أميركا اللاتينية، فقرّر بعدها أن يتعلّم اللغة الأسبانية، وهو في منتصف العقد الرابع من عمره، وبالفعل نجح فيما عزم عليه، وتفرّغ لترجمة أدب أميركا اللاتينية، فتوالت أعماله التي لم تقتصر فقط على ماركيز، بل ترجم أعمالا قصصية للعديد من كتاب أميركا اللاتينية ومنهم بورخيس، لوجونيس، إيزابيلا الليندي، خيرار دو ماريا، إييارجنجوتيا، أرتور، أوسلار بيتري.

في قصته "مسيح المراسم المحالة" تتماهى ذات الراوي/ الأنا مع المسيح فيخاطبها مناجيا هكذا "في البدء لم يكن، حتى اللاشيء لم يكن موجودا، لا الصوت ولا حتى الصمت".

وكأن هذه الكلمات رثاء لذاته التي عاشت ورحلت في الظلّ من أجل الكلمة الحرّة. والعجيب أنه يصدّر مقدمة طبعة المجلس الأعلى للثقافة لمجموعته القصصية الوحيدة "عطشى لماء البحر" بهذا التمني "لو كان بمقدورنا تفادي هذا الجحيم" وكأنه يطلق أمنيته وأمنيتنا للريح.

15