محمد إسماعيل رائد مغربي لاحقته لعنة "لامورا"

المشهد السينمائي المغربي يعتبر فيه إسماعيل حجر أساس رئيسيّا، عمل دون تردّد على مساعدة المخرجين الشباب في أعمالهم الأولى وحمل همّ تطوير السينما في المغرب، وظل حاضرا في كل المحطات.
السبت 2021/04/10
مخرج يرحل وفي نفسه غصّة على السينما

إذا كان الفن السينمائي من بين أقوى الوسائل المعاصرة التي تخلق الألفة مع العالم من حيث التسلية والمتعة والرغبة وتحفيز التفكير والتأمل، فإن بعض النقاد يعيبون عليه سرد حكايات مجتمعية في قالب سينمائي. هكذا يصنّف الناقد السينمائي أحمد السجلماسي، المخرج المغربي محمد إسماعيل الذي رحل عن عالمنا مؤخراً. ويضيف السجلماسي “إن أفلام إسماعيل يمكن أن توصف بالسهل الممتنع، بسيطة في بنائها وسردها وعميقة في نفس الوقت من حيث المواضيع التي تتناولها، والذي يزيد من قيمة جميع أفلامه حضور البعد الإنساني”.

بعد سبعين خريفا رحل إسماعيل عن عالمنا جسدا وبقي روحا بأفلامه، أعطى الشيء الكثير للسينما، وعاش لها وفيها، وذابت أعصابه بين رحى كاميراتها.

الحب والحرب

يعتبر إسماعيل من رواد صناعة السينما المغربية، عاند من أجل صناعة الفيلم وأثرى الخزانة السينمائية، لكنه اشتكى من عدم إنصافه كفنان وإنسان، فغياب الدعم المادي لإخراج فيلمه الروائي الطويل الأخير “لامورا” جعله يفقد كل ما كسبه طيلة عمره، الشيء الذي أثر في وضعه الصحي حسب الكثير من مقربيه.

ولد في مدينة تطوان شمال المغرب عام 1951، وهي المدينة التي أحبها وكانت أرضيته التي اكتشف في قاعاتها السينمائية رفقة والديه أفلاما متنوعة فانغرست فيه بذرة أثمرت مخرجا ومنتجاً وسيناريست. يقول إنه ترعرع فيها، وفيها صوّر أعماله، وكان يعود إليها كلما سنحت له الفرصة. ربما انعكست ظروف نشأته وطباعه على اختياراته السينمائية؛ كان إسماعيل يحب الناس البسطاء، لهذا ترجم معاناتهم في أفلامه مع البطالة والهجرة والتسلط، كما أن مشاعر الحب ونقيضه وقيم والتعايش كانت لبنات أساسية لكل أعماله.

إسماعيل يعدّ من مخضرمي السينما المغربية، ومن أوائل المخرجين الذين قدموا عدة أفلام كان لها صدى واسع، فقد كانت لديه سيطرة فنية كاملة على مشاريعه السينمائية، بالإضافة إلى امتلاكه فهماً عميقاً للتقنية

قبل انهياره العصبي الأخير كان يشعر منذ بداية تصوير الفيلم أنه إنما قام بلفّ حبل مشنقة حول عنقه، اشتكى من عدم كفاية الدعم الذي تلقاه لإعداد الفيلم وفق ما يطمح إليه. وانتقد العديد من الجهات التي قدّمت له وعودا ثم تخلت عنه، ما جعله يحس باليأس. فقد ضحى ماديا وقطع أجزاء كبيرة من روحه كي يتمم فيلمه “الحب في زمن الحرب”، وبدل أن يكون العمل السينمائي فأل خير تحول إلى لعنة، وكان سببا في نهاية حزينة لإسماعيل، نتيجة جلطة دماغية بعدما تراكمت عليه الديون.

هل هي مؤامرة حيكت بإمعان لنسفه من الداخل، أم هو فقط الحظ السيء؟ أو ربما ظروف غامضة تكالبت عليه كي لا يخرج فيلمه؟ تروي زوجته جميلة صادق كيف أن المنتج المنفّذ الذي اعتمده إسماعيل لم يكن أميناً معه، تقول “دخلنا في متاهة إنتاجية كبرى، لأن ذلك الرجل كان بلا دراية بالإنتاج”.

وتوضح صادق أن “لامورا” كبّد زوجها حوالي 60 مليون درهم، غير أن ضعف الدعم الذي قدمه له المركز السينمائي المغربي وتأخر استلامه دفعا العديد من المتعاونين معه إلى مطالبته بأموالهم وتهديده، ما قاده إلى الانهيار.

فيلم “لامورا” يصوّر قصة حب بين شاب مغربي قدم إلى إشبيلية للقتال باسم الدين وفتاة إسبانية اسمها ماريا، أنساه عشقها أوجاع الحرب، ولم يحل إجهاض العلاقة بين الشاب والفتاة دون أن تثمر فتاة إسبانية بملامح عربية.

قبل ذلك بخمس سنوات قدّم إسماعيل فيلم “إحباط” الذي كان يحكي عن تأثيرات صدمات نفسية قوية منذ الطفولة على شاب ناجح مهنيا، ما جعله يفقد الأمل في المستقبل وفي النساء، قبل أن يقلب حياته رأسا على عقب تعرّفه على راقصة محترفة، وإقباله على التعافي لدى طبيبة نفسية.

المخرج الواقعي

فيلم إسماعيل “وداع أمهات” يحمل مقومات العمل السينمائي التاريخي، ترشّح للأوسكار، وتم عرضه في مجلس الشيوخ بفرنسا وبلجيكا، وكان سيمر في الكونغرس الأميركي لأنه عالج قضية التعايش الذي امتاز به المغرب. (الصور من فيسبوك)
فيلم إسماعيل “وداع أمهات” يحمل مقومات العمل السينمائي التاريخي، ترشّح للأوسكار، وتم عرضه في مجلس الشيوخ بفرنسا وبلجيكا، وكان سيمر في الكونغرس الأميركي لأنه عالج قضية التعايش الذي امتاز به المغرب. (الصورة من فيسبوك)

كانت البداية الحقيقية مع الأفلام الطويلة في عام 1997 حين اكتشف الجمهور المغربي إسماعيل في فيلم “اوشتام” الذي يقول البعض إنه مجرد حكاية، لكن إسماعيل عاكس هذا الطرح مؤكدا أنها حكاية للواقع بأدوات بصرية. وقال “لم أنصّب نفسي مخرجا للسينما الواقعية، مع أن الأفلام التي جاءت بعد ‘اوشتام’ كانت سينما الواقع، والفترة التي مررت فيها من مجموعة تراكمات في العمل التلفزي والسينمائي خضعت لتكوين شامل ومستمر. ولم أدخل إلى عالم السينما قادما من دراسة الحقوق بمدينة الرباط إلا وكانت الرغبة إلى جانب الإصرار على النجاح في المهمة في وقت كانت فيه الأطر قليلة”.

كان إسماعيل خلف الكاميرا واحداً من أهم المبدعين الذين قدّموا مجموعة أفلام سينمائية روائية كبرى وأخرى تلفزيونية، فهو صاحب “وبعد…”، و”هنا ولهيه” و”وداعا أمهات”، و”أولاد البلاد”، وهو الذي حدّد الرؤية الإبداعية لـ”أمواج البر”، و”علال القلدة” و”علاش لا؟” و”الزمان العكر”، بالإضافة إلى العمل السينمائي “شقة 9”.

يعدّ من مخضرمي السينما المغربية ومن أوائل المخرجين الذين قدموا عدة أفلام كان لها صدى واسع. وبشهادة المخرج سعد الشرايبي، رفيق دربه الذي ظل سنده في أيامه الأخيرة، كانت لدى إسماعيل سيطرة فنية كاملة على مشاريعه السينمائية، بالإضافة إلى امتلاكه فهماً عميقاً للتقنية أهّله لممارسة الإنتاج والإخراج وكتابة السيناريو وإدارة وتنفيذ الإنتاج، فقد أتى إلى المهنة بعد عمل مضن ومستمر بعدما تخصص في صناعة السينما ومن ثمة انتقل إلى الإخراج، لأنه تعلم عن كثب ما الذي يجعله مخرجا جيدا.

ارتباطه العاطفي والقوي بصناعة السينما كان واضحاً جداً، شهد له به الجميع، وكانت النتيجة اختيار أفلامه للمشاركة في المهرجانات داخل المغرب وخارجه من قرطاج بتونس إلى واغادوغو، كيرالا، بروكسيل، القاهرة، روما وغيرها، وقد حصل من بعضها على جوائز قيمة.

كان يبحث باستمرار عن المواضيع التي تهم شرائح عديدة في المجتمع، مثل البطالة والهجرة، وحاول توجيه الأسئلة والعثور عن إجابات، وكان يقول “تناولت نماذج متعددة للهجرة في كل أبعادها؛ الإنسانية والدرامية. هي مشروع سينمائي متكامل خصوصا وأننا خسرنا الكثير من السواعد في البحر”.

فيلمه “وداع أمهات” يحمل مقومات العمل السينمائي التاريخي، ترشّح للأوسكار، وتم عرضه في مجلس الشيوخ بفرنسا وبلجيكا، وكان سيمر في الكونغرس الأميركي لأن الفيلم يعالج قضية التعايش الذي امتاز به المغرب بين اليهود والمسلمين، وقد تساءل الفيلم لماذا هاجر اليهود من المغرب في ستينات القرن الماضي؟

رؤية مغايرة

المشهد السينمائي المغربي يعتبر فيه إسماعيل حجر أساس رئيسيّا، عمل دون تردّد على مساعدة المخرجين الشباب في أعمالهم الأولى. وحمل همّ تطوير السينما في المغرب، وظل حاضرا في كل المحطات.
المشهد السينمائي المغربي يعتبر فيه إسماعيل حجر أساس رئيسيّا، عمل دون تردّد على مساعدة المخرجين الشباب في أعمالهم الأولى. وحمل همّ تطوير السينما في المغرب، وظل حاضرا في كل المحطات. (صورة من الفيسبوك)

حرص على البقاء متواصلاً مع الجميع، بعدما آمن بأن الإخراج عملية تعاونية لترجمة رؤيته الإبداعية إلى حركة على الشاشة، كانت بالنسبة إليه سلوكا حيوياً لإنتاج أفضل فيلم ممكن، وقد حافظ على رؤيته الفنية متوقّدة بعد أربعين سنة من العطاء والاحتكاك بتفاصيل الكاميرا، ولم يغادر دنيانا إلا بعد أن ختم حياته بفيلم يؤرخ للحب والحرب. تجربة فنية عريضة من الصعب رسم حدودها وتحديد معالمها بدقة وسهولة، وحضور وازن في الملتقيات والمهرجانات السينمائية المغربية والدولية، وعطاء إنساني قل نظيره في تبادل لحظات الفرح.

وفي الوقت الذي حصل فيه معظم المخرجين على درجة علمية في صناعة السينما أو الإعلام تخرج إسماعيل بدرجة جامعية في القانون، لا علاقة لها بالكاميرا، فالتحق بالتلفزة المغربية في عام 1974، حيث أنتج وأخرج العديد من الأفلام والمسرحيات والمنوعات، لتكون الخبرة والتجربة مفتاح الحياة المهنية الناجحة التي اعتمد عليها في إنتاج وإخراج أعماله التي لاقت أصداء طيبة وساهمت في بناء سمعة مهنية إيجابية.

إسماعيل كان حجر أساس في المشهد السينمائي المغربي، عمل دون تردد على مساعدة المخرجين الشباب في أعمالهم الأولى. حمل هم تطوير السينما في المغرب، وظل حاضرا في كل المحطات.

كل الذين عملوا معه يشهدون بأن الرجل خلق بيئة عمل هادئة في جو من الاحترام والمرونة وتشجيع الحالمين بموقع مرموق في عالم السينما، وسرّ نجاحه أنه كان دوما يطمئن الممثلين بأنه موجود من أجلهم في

كل خطوة، ويقوم بتوصيل أفكاره في مرحلة ما قبل الإنتاج، ويتحدث عن التفاصيل قبل أن يبدأ المشهد، وبعدما تدور الكاميرا يعطي الممثل حيزا من السيطرة في أداء اللقطة كاملة قبل أن يتحدث. لقد كان حقًّا يصغي إلى غرائز الممثلين وحسّهم العميق.

أفلامه تدور حول مواضيع تهم شرائح عديدة في المجتمع، مثل البطالة والهجرة، وكثيراً ما حاول توجيه الأسئلة والعثور على الإجابات.
أفلامه تدور حول مواضيع تهم شرائح عديدة في المجتمع، مثل البطالة والهجرة، وكثيراً ما حاول توجيه الأسئلة والعثور على الإجابات.

 

12