محمد الثبيتي.. حنجرة منحوتة تجاويفها للغناء

الجمعة 2014/01/24
الراحل الثبيتي.. صوته يحسن الإفضاء بالنبرة

الرياض - ما أن يُشاهد الشاعر محمد الثبيتي (1952-2011) في ملتقى حتى تتعالى الصيحات مطالبة إياه بإلقاء بعض قصائده التي يحفظها الجمهور عن ظهر قلب. وهذه ميزة نادرة قلما ينالها أحد من الشعراء. الأمر الذي يعني أنه قد مسّ الوجدان الشعبي واستوطنه، بما حققه من قدرة استثنائية للتعبير عن هواجس وأشواق وأحاسيس الناس. وما يحظى به من مكانة شعرية ساطية، يمكن اختصارها في مفهوم الكارزما وفرط الإعجاب التي جعلت منه رمزا شعريا جماهيرياً.

أنْ يُطالَب الشاعر محمد الثبيتي بالذات بإلقاء قصائده بنفسه أمرٌ يؤكد استحسان الجمهور، ليس لشعره فحسب، بل لنبرة صوته وللطريقة التي يُنشد بها نصوصه. حيث تظهر ردّة الفعل الفورية للجمهور بشكل مثير، من خلال تحوّله إلى كورس يردّد معه تراتيله بمنتهى الانتشاء، فيما يوحي بالأداء التكاملي الذي يشترك فيه الفرد مع الجماعة، أو يحرضهم على ذلك الإفراز الشعوري لإثراء المشهد الآني والحياتي. كما يتبين ذلك بشكل مُبهج عندما يُنهي قصيدته “قرين” حيث تتعالى الصيحات بانفعال كورالي “لله ما أجملك”.


هدهدة الذات


إن الشاعر المغنّي يمنح قصيدته متعة مضاعفة عندما يقرأها بنفسه، إذ يعكس ذلك إحساسه بها وصيرورة تشكلها على مستوى اللفظ والمعنى. فبمجرد أن يبدأ الثبيتي في الترنُّم برائعته “تغريبة القوافل والمطر” ويهمس بأول مقاطعها “أدر مهجة الصبح.. صبّ لنا وطنا في الكؤوس.. يدير الرؤوس″ يندمج معه المستمعون في الغناء وكأنه قائد الأوركسترا، الذي يلوّح لهم باللحن الخاص بالشارة الموسيقية التي تحيل إلى معزوفة أو أغنية مشهورة. وبسرعة فائقة تتحقق معادلة اندماج الجمهور.

على هذا الأساس كان الشاعر الراحل يتعامل مع قصائده. أي كنصوص معدّة للإلقاء، كما تفترض أصول الشعر، وليس كتراتيل ذاتية للقراءة الاختلائية بالذات. ولذلك يكون في حالة اتصال حضوري بجمهوره، وفي حالة انفصال وجداني في الآن نفسه. بمعنى أنه يضع نفسه في مقام “المغنّي” بمعناه الفني الواسع، الذي يتيح لشخصية المؤدي فرصة مضاعفة المعنى المراد إيصاله والإبانة عن مراميه. إذ يكون باعثه على إلقاء القصائد في كل المناسبات هو الإطراب الذي يأخذ شكل المناجاة وهدهدة الذات. كل قصيدة من قصائده هي محاولة للغناء، الأمر الذي يفسر امتلاء نصه وصوته على حد سواء بالموسيقى. كما يكشف عن براعته الواضحة في الترنيم المحسوب، لئلا تنطمس معاني نصوصه. أي الإبقاء الواعي على جوهر الشعر. وهو ما يبدو على درجة من الوضوح عند قراءتها للمقاطع الأقل غنائية في قصيدته “موقف الرمال موقف الجناس" حيث يطوّع حتى النثري منها للغناء. هكذا هو الثبيتي، فمداخل قصائده حسّية مسيطرة. فما أن ينطق بأوّل جملة من قصيدته حتى تندلق موسيقى حنونة متدفقة وآسرة. إذ لا تكتسب نصوصه الضاجة بالمعنى تأثيرها وقوتها إلا في الموسيقى وبها.

ومن خلال حنجرة كائن تسيل منها العواطف بشكل حارق. حيث يُلاحظ أنه ينفصل لحظتها عن الجمهور، بل يكاد يغيب وكأنه يناجي نفسه، حتى في التسجيلات التي تخلو من الجمهور يندمج في الإلقاء الغنائي داخل غيبوبة حسّية، أشبه ما تكون بالتنويم الذاتي. بمعنى أنه داخل إخراج صوتي للنصوص معتمدا على الحضور والغياب في آن.

يسيل النص على لسانه بتدفق وتلقائية وكأنه الكلام الطهوري الخارج مباشرة من الروح. بمعنى أنه لا يتوسل أي نوع من أنواع المفاعلة الخارجية


انتشاء ودهشة


المكاشفة الذاتية تلك، لا تدخله هو فحسب في حالة المناجاة الذاتية، بل تغري السامعين بنوبة حوارية على كل المستويات. وبشيء من التفاعل المُعلن من قبل بعض المتلقين بالهتافات والتأوهات، أو المضمر في نفوس آخرين، يدخل الجميع في حالة من الحلم المنشط كما يُلاحظ ذلك التفاعل المعبّر عنه بالرضا والانتشاء والإحساس بالدهشة أمام تآزر المعنى مع النبرة، أي من خلال الانبهار بطريقة الإلقاء الساطية تلك، التي تُمازج ما بين الحدثين اللساني والشعري.

السرّ كما يبدو، يكمن في حنجرته المنحوتة تجاويفها للغناء الشعري انطلاقا من الصدر. أي في فرادة صوته المنطوق الذي يوحي بالبدائية، ليس بالمعنى الثقافي، ولكن بالمعنى الغريزي. فهذا الصوت المبرّأ من شُبهة تمثيل الوجع، المسكون بتراجيديا تمثّل كل ما هو إنساني، يُحسن الإفضاء بالنبرة، أي التعبير بالنغمة عن التمثيل العقلي، بل حتى عن التفكير المجازي.

كل ذلك يعني أنه يمتلك الدربة والمرونة على النطق المتنوّع، الذي يُبين عما في الكلمات من القوة والمعنى. فصوته عند ترتيل الشعر أبعد ما يكون عمّا يُصطلح عليه بالصوت المستعار الذي يُستخدم في الإنشاد ويغلب عليه الطابع الهوائي، إذ يحاكي الطبقات العليا ولكن بدون نكهة ولا لون.


شعر طهوري


وهذا هو ما يُفسر أيضا نأيه عن الشعوذة الصوتية، فهو لا يلجأ إلى النحنحة المصطنعة، أو السعال المفتعل، أو الزمجرة المدبّرة، أو التذاوي الملفق، أو الزفرة المفضوحة، ليستجلب أيّ أثر سحري للتأثير على المتلقي. بل يسيل النص على لسانه بتدفق وتلقائية وكأنه الكلام الطهوري الخارج مباشرة من الروح؛ بمعنى أنه لا يتوسّل أيّ نوع من أنواع المفاعلة الخارجية.

هو في غِنى عن كل ما هو برّاني، لأن شعره يختزن طاقة من المشاعر الحقيقية التي لا تحتاج لإكسسوارات وإصاتات زائفة. ولأنه صوت يراهن على أصالة الوجود وليس على الأداء التمثيلي الكفيل بتفريغ النص من معانيه. أو تحويله إلى طقس أدائي. إذ يقف بطبقة صوته الغليظ دائما عند “القرار” من حيث الانخفاض والارتفاع، أي الصوت الطبيعي، الذي يُعرف بصوت الصدر، مهما طالت القصيدة أو اختلفت موضوعاتها.

لا يعاني الثبيتي، عندما يلقي نصه مباشرة على أيّ منبر من أيّة عُقدة في الاستحواذ على المتلقين أو ما يُسمى بردّ الجمهور. لأن الرنين الأخاذ لحنجرته العميقة كفيل بإسقاط الجمهور داخل عملية سيكولوجية، أشبه ما تكون بدراما التوحُّد أي الانسجام مع ما يبثه من أصوات وأحاسيس ومحاكاة جوانيته التي يحاول استظهارها عبر الصوت، فهو قادر على إطلاق كوامن المتلقي وحُبساته التعبيرية من خلال منشّط بيولوجي يراعي المهيئات الثقافية للإلقاء والتلقي.

إنه أغنية بدائية مؤداة بصوت يراوح ما بين الجهير والجهير الأول. صوت عاطفي عميق عريض وكثيف، يوحي بالذكورية. صوت لا ينبعث من الرأس بل ينبث أنينه من الجوف. صوت يجيد تحويل النغمات إلى خبرات بصرية تداعب مخيلة السامع. صوت درامي، حساسيته عالية، يعرف كيف يوازن ما بين النغمة والإيقاع لإحداث أثر انفعالي قوي عند المتلقي، واستقبال العلامات الدالة على التعاطف. في القصيدة انفعالات لامرئية كالحزن والغضب، والسعادة، والخوف. ولكي يوصل الشاعر هذه المعاني والأحاسيس لا بدّ أن يمتلك ذخيرة درامية. وأن يكون قادرا على التحكم في الفعل الدرامي. وهي ملكة حاضرة بقوة في إلقاء محمد الثبيتي القادر على التعبير عن التلوينات الصوتية، وتوليد ضربات داخلية غير مخطوطة في مدوّنة النص، وذلك باستدعاء فعل إيقاعي تحت شعوري للتعبير عن رقة المشاعر والإثارة الحسيّة.

14