محمد الدميني شاعر سعودي تجاوز المعيار النقدي المتباطئ

الأحد 2015/08/16
محمد الدميني وأيام مع سنابل المنحدر

الحديث عن الشعر في شبه الجزيرة العربية، يبدو كمن يرمي بنفسه في المحيط الكبير دون أدواتِ غوص، ذلكَ المحيطُ الذي حمَلَ و يحمِلُ في طبقاتِهِ دفائن من مفردات اللغة وحروف الأبجدية، بوصفِ الشعر وعاءً حفظَ العربية في قرونٍ مُتعاقبةٍ قبلَ نزول القرآن الكريم، وليسَ من الحيفِ أن نقول إنَّ الشعر في تلك المنطقة يتناولُهُ الانسانُ مع أساسيات الحياة فهوَ الفُسحةُ التي يتمكن فيها الشاعرُ من الطيران وتحويل الصحارى المحيطةِ بهِ إلى أنهار وجداول وجنان.

ولكن لا بدَّ أيضاً من الاعتراف أنَّ الشعر بوصفِهِ الحالةَ الانسانية المُتجرِّدة، استطاعَ خلال انتقالِ لوائِهِ من جيلٍ إلى جيل، أن يظلَّ وفيَّاً للأرضِ التي أنجَبَتهُ، وجعلتهُ وجهاً خاصّاً بالعرب وأدبِهم، فهو- أي الشعر- سلاحٌ استخدمتهُ القبائل ومراكزُ الحضارة بكونِهِ وسيلةً إعلامية من امتلكَها فقد ضمِنَ التفوُّقَ والبقاء، فالخلود في الشعر، الخلود الذي جعَلَنا اليوم نحفظُ أشعاراً وردَت في المملكة العربية السعودية منذُ أزمانٍ طويلة، أزمان غرقت في التاريخ مع أوابدِها ولكنَّ كلماتها ظلَّت رهينةَ النقلِ بين جيلَين، فالكتابةُ عن الشعراء هناك مُربِكة لأنَّنا نبدأ بقافلةٍ طويلةٍ تُبحِرُ في المحيطات الرملية بدءاً بإمرئ القيس وليس انتهاءً بأحدَثٍ شاعر اليوم.

السعوديون وقصيدة النثر

ربَّما تغيَّرَت وظيفةُ الشعر بين الماضي والحاضر، فقديماً كان الشعر صوت القبيلة يحكي عن انتصاراتها وانكساراتِها وآمالِها وأحلامِها فضلاً عن مضاربِهِ الأخرى التي تنطلِقُ من مركزيَّةِ القبيلة أو أنا الشاعر ذاته، ومع اتِّخاذ شكلِ الدولةِ الحديثةِ في الجزيرة العربية ممثَّلةً بالمملكة العربية السعودية، أصبَحَ الشعرُ ينطلِقُ من مفهومِ الوطن مع الحفاظِ على هويَّتِهِ الأصليَّةِ بالانتماء للمكان ولذات الشاعر أيضاً، فكان الزمان خطَّاً عموديَّاً تدورُ في أفلاكِهِ الأمكنةُ والأحداث معاً.

في ظلِّ هذه الصورةِ في الحفاظ على الشكلِ التقليدي للشعر بصورتِهِ الكلاسيكيَّة، برزَت أصواتٌ حاولَت التخلُّصَ من عباءةِ الصدرِ والعجز والانطلاقِ بعيداً، مع امتداد الصحراء نحو الأفق من خلال شعر التفعيلة أو ما باتَ يُعرَفُ بقصيدة النثر، ورغمَ كل الانتقادِ عن جمعِ النقيضين في تسميةٍ واحدةٍ في الشكل الأخير من قصيدة النثر، إلا أنَّ شعراءَ استطاعوا السباحةَ ضدَّ التيار فكانوا علامةً فارقةً في الشعر السعودي خصوصاً والعربي على وجه العموم، سواء من خلال اللغةِ في المفردةِ القريبة من البيئةِ الخاصَّةِ بالشاعر وصولاً إلى القدرةِ على امتطاء صهوات المعاني دون السير في طرُقِ الفراهيدي ضمن إشارات نظم الشعر.

يمثل هذا في المشهد أمامنا، ديوان “أيام لم يدَّخِرها أحد” الصادر عام 2014 للشاعر والأديب السعودي محمد الدميني، الصوتُ الذي لا يُمكِنُ تجاوزهُ عند الحديث عن الشعر الحديث في أرضِ الحجاز، فخُطاهُ بين الكلمات تنطلِقُ وصولاً إلى الغيم في ثنائيَّةِ التشبُّثِ بالأرضِ والانعتاق معاً.

هي خلطةٌ أدركَ سرَّها الدميني فأرساها ضمن تلافيف القصيدةِ وتضاريسِها مُعتَمِداً على مُفرَدات الأديم الذي سارَ عليهِ بكلِّ مُكوِّناتِه ذهاباً وإياباً في المدنِ القريبةِ والبعيدة، حريصاُ على إبقاءِ الذاكرةِ حيَّةً لاختزال ما هو قادمٌ بصورةِ ما كان في مسقطِ رأسِه الذي نلاحظهُ في مسارات متعدِّدة يظهرُ ويخبو لتحلَّ مكانَهُ أشياءُ أخرى أبقت الزمان والمكان نضراً خصباً في ذاكرة الدميني.

"أنقاض الغبطة" كتابه الأول، يضع البصمات الأولى للدميني في الحياة الشعرية العربية والسعودية منها على وجه الخصوص، ليتبعه بعد خمس سنوات بديوانٍ رسخ اسمه في عالم الأدب "سنابل في منحدر" الصادر عن "دار السراة" في بريطانيا

وُلِدَ محمّد غرم الله الدُميني في قرية محضَرة بمنطقة الباحة جنوبي المملكة العربية السعودية، منطقة جمالها اختزَلَهُ الدُميني في مقطعِه الشعري:

"وُلِدتُ في حضنِ ينبوع

وأنا من حضنِهِ أسيل".

ليست مُفارقةً أن يُدرِك الدميني هذه التفاصيل في مسقطِ رأسه الذي يمتد محاذياً لجبال عسير، إنَّها الطمأنينةُ التي يحاول أن يبثَّها شذراً بين ضفتي الشعر حيثُ يقرُّ دائماً أنَّهُ لا يستطيعُ الفرار من القرية وسلطتِها الأولى، هناكَ حيثُ تكوَّنَت طفولتُهُ ولغتُهُ ومشاهداته الأولى منذ وُلِدَ أواخر الخمسينات من القرن العشرين، لتنطلقَ أحاسيسه المبكرة تجاهَ كلّ مفردات الحياة، تجاه المشاعر والأحلام، فكانَ الشَغَفُ ساكناً في كلِّ زاويةٍ هناك.

شغَفٌ نقلَهُ شعراً الدميني تصريحاً وتلميحاً عبر رموزٍ وأطيافٍ وصورٍ وأمكنة، فتلك المشاهدُ في قصائده لم تأتِ على شكلِ حنين بقدرِ ما كانت أسلوب حياةٍ لرجلٍ سكنَهُ الولَهُ ولم يُفارِقه، فهو- الدميني- يُدرِكُ العمقَ التاريخي والحضاري الذي يسكنُهُ من بيئتِهِ القروية التي حمَلَها معهُ دامجاً إياها في عالم المدينةِ المتَسارِع والمتشابِك في آنٍ معاً.

الخلطةُ السريَّةُ تلك هي ما يميَّز نص الدميني، الذي عمل محرراً صحفياً في العديد من الملاحق الثقافية السعودية، بعد أن أنهى دراستَهَ الجامعية في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض عام 1980 لتستقرَّ سفينتهُ في شركةِ أرامكو السعودية مسؤولاً عن المطبوعات ورئيساً لتحرير مجلة “القافلة” التي تُصدِرُها الشركة السعودية للنفط، مفاصلُ هامَّة في حياة الدميني كانت لهُ فيها نقلاتٌ نوعيةٌ تاركاً بصمتهُ في كلِّ حقلٍ عبَرَهُ، فمنذ العام 1989 برزَ نجمهُ كشاعرٍ عبر ديوانِهِ الأوَّل “أنقاض الغبطة” الصادر عن “دار الشروق” في المملكة الأردنية الهاشمية، ليتبعه بعدَ خمس سنواتٍ بديوانٍ رسَّخَ اسمَهُ في عالم الأدب “سنابلُ في منحدَر” الصادر عن “دار السراة” في بريطانيا.

أنقاض الغبطة

أدرَكَ الدميني منذ خطوتِهِ الأولى أنَّ طريقَهُ لن يكون مُعبَّداً بالورود، فالسيرُ كان حذراً نحو قصيدةِ التفعيلةِ ثم قصيدة النثر، حتَّى سنواتٍ متأخِّرة في المملكة العربية السعودية “منبع الشعر الكلاسيكي وأرضُه”، يقول

" هناك على أبواب الصحراء ستحرسن بروقاً صغيرة، خبأتها أمي على عجل في حقيبتي المدرسية ".

وربما يقيناً منه بتلك المعادلةِ، جاءَ ديوانُهُ الثاني باسمٍ غريب يتحدَّثُ عن سنابل في قلب الصحراء، ذلك الديوان الذي ناقَشَ من خلالِهِ الدميني تفاصيل الحياة اليومية عبر ثلاثِ وعشرين قصيدةٍ تضمَّنت لقطاتٍ ومشاهدَ ليوميَّاتٍ مُثقلَةٍ بالأمل، ربَّما كانت محاولةً لتعويضِ الزمن المُتسارِع الذي أغفلَ التفاصيل الصغيرة التي ضاعَت في عجَلةِ الأحداث من خلال عمقِ التناوِل والإسقاطِ الذكيِّ الذي تميَّزَ بهِ محمَّد الدميني.

لا بدَّ من الإقرار أنَّ الدميني كان قد استخدَمَ أسلحتَهُ الصحفيَّة خلال نصبِهِ فخَّ الصورةِ للزمن لينتظر ما يُقارب ثمانية عشر عاماً مراقباً لتحوُّلات العمر راصداً لها في ديوانٍ جديد “أيام لم يدَّخِرها أحد” الصادر عن دار أثر عام 2014، مُجازَفَةٌ كبيرةٌ لشاعرٍ تعوَّدَ خوضَ الجولات على صهوةِ حصانِه، وكأنَّ تنوُّعَ الإحساس بالسنوات يقابلهُ إصرارٌ على معادلتِها بالخبرات، أمام هذا التحدِّي نجدُ الدميني يتفنَّنُ في إيجادِ الكلمةِ وسبكِها في سياقٍ غيرِ ذي تكلُّف، هذا السياق الذي يستمدُّ قوَّتهُ من قدرةِ الدميني على المناورة في حقل الألغام وزرعِ الفرَحِ في التفاصيل التي نفعلُها بتمرين الاعتياد يومياً دون التفات.

ديوان "أيام لم يدخِرها أحد" الصادر عام 2014 لمحمد الدميني، يبرز كصوت لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن الشعر الحديث في أرض الحجاز، فخطاه بين الكلمات تنطلق وصولا إلى الغيم في ثنائية التشبث بالأرض والانعتاق معا

أسلوب حياة ثقافي

بعد رحلةٍ قاربت الثماني سنوات في الحقل الصحفي الثقافي، انتقلَ محمد الدميني إلى شركة “أرامكو” السعودية، مُختصَّاً بالمطبوعات قبل أن يتولى مهمة رئاسةِ تحرير مجلة “القافلة” التي تُصدِرها أرامكو، التي يعتبرها الدميني أكثرَ من شركةٍ تختصُّ بتصدير النفط وإنتاجِهِ من الأرض، بل يراها صاحبةَ مشروعٍ يمتدُّ إلى الثقافةِ والإبداع في أذرُعِهِ الكثيرة.

عملُهُ هناك انعكَسَ كثيراً على سيكولوجيَّتِهِ الإنسانية من خلال عمليَّةِ ضبط الوقت والالتزام بالمهام والعمل على إنجازِها ضمن المدى المنظور لها، تلك البرمجَةُ سارَ عليها الدميني في التقاط التفاصيل أيضاً فتحوَّلَت من بيئةِ العمل إلى أسلوب حياة تسرَّبَ إلى الشعر بصورةٍ أو بأخرى، كما أتت ارتداداتُها في إصدارات أرامكو التي أخذت طابعاً جديداً بعد استلامِ الدميني دفَّةَ التغيير فيها، حيثُ انطلقَ الرجلُ من فلسفتِهِ الخاصة التي تقوم على أرضيةِ انتقادِ الإعلام الثقافي بكلِّ أشكال الوسائل الإعلامية للمستجدَّات التقنية والثقافية التي تقومُ عليها حياةُ الناس في كلِّ المناحي، ففهمُ الدميني للتكنولوجيا يقومُ على ربطِ العلاقات الإنسانية بها من خلال منظومةِ الأفكار والمفاهيم.

لا شكَّ أن وجودَ الشاعر السعودي محمد الدميني ضمن منظومة أرامكو التي تقومُ على بناءِ هرميٍّ مفاصِلُهُ الإبداع في كلّ خطواتِه، أعطاهُ بعداً جديداً لفهم التفاصيل المكوِّنَةِ لكل شيء، تلك التفاصيل التي اعتاشَ عليها في شعرِهِ سابحاً ضدَّ التيار الكلاسيكي، رغمَ أنَّهُ تخرَّجَ من صرحٍ أكاديمي لا يُمكِن أن يقذِفَ بهِ على شاطئ قبول الحداثة، تلك المراحل صهرَها الدميني في قصائدَ عديدة عبر ثلاثة مجاميع شعرية ومئات المقالات حصيلةُ عملِهِ الصحفي، فإصرارُهُ على التميُّز في الطروحات التي يقدِّمها بدءاً من شرارةِ ديوانِهِ الأوَّل وصولاً إلى الثالث دفعت به إلى العالمية من خلال ترجمةِ العديد من قصائدِهِ إلى الفرنسية والألمانية والإنكليزية.

صورةٌ يُقدِّمها الدميني بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء الأدبي والعلمي والثقافي لشاعرٍ ألقى بالقواعد الشعرية خلفَ ظهرهِ واتَّجَه نحو الحداثة بمفهومِها اللغوي، محارباً وحاملاً لفكرةِ طرحٍ جديد وجدَ طريقَهُ إلى النور من خلال قصائدَ تتردَّدُ على ألسنةِ الكثيرين لارتباطِها بحياتِهِم بكلِّ ما فيها من تفاصيل، هذه الحالة التي نبتت وكبُرَت في المملكة العربية السعودية تُعطينا إشارةً أنَّ الإنسان قادرٌ على فعلِ ما يُريد إذا امتلك العزيمة وموقِعَ الحق بما لا يُخالِف أرضيَّتَهُ المُشترَكة مع الآخرين، ومن هنا وقَفَ الدميني على ساريَةِ الشعر الحديث فكانَ رقماً صعباً لا يُمكِن تجاوزُهُ عند البحث عن صورةِ الحداثة في أرض المعلَّقات الجاهلية.

9