محمد الرواس فنان يعيد بناء حياته بمواد خيالية

الأحد 2016/04/10
محمد الرواس صانع الحكايات البصرية

لندن - لا ينسى محمد الرواس أن المعمار العراقي محمد مكية قد وصفه بالفنان الاميركي حين أقام له معرضا عام 1990 في قاعة الكوفة التي كان يملكها في لندن.

صدمة مكية بفن الرواس يمكنها أن تتكرر مع أي شخص لا تزال عاداته البصرية مشتبكة بما هو سائد ومكرس من اشكال وأساليب تقليدية فنية في العالم العربي. وهي عادات تتعارض كليا مع ما يقترحه الفنان اللبناني من عادات.

العقلاني بعمق التعبيري بضراوة

الرواس في كل مرة يعرض فيها (تستعد قاعة أجيال البيروتية لإقامة معرض جديد له) يحضر من جهة مجهولة، جمالياتها لا تمتلك جذورا قوية في ذاكرة المتلقي العربي الذي صار يغطي على عجزه الخيالي بالكثير من المفردات التزينيية.

هناك شحنة من العواطف السائلة تفتقر إليها أعمال الرواس. بدلا من تلك الشحنة فإن الفنان يعبأ لوحاته بمفردات مستعارة من الواقع والفن على حد سواء.

مفردات لا تعيدنا إلى وظيفتها الأولى، بقدر ما تؤدي وظيفة جديدة، تكون منسجمة تماما مع الفضاء الذي تتنفس هواءه. وهو هواء ليس نقيا بسبب امتزاجه بدخان الحرب التي صدمت الفنان في بداياته وجعلته يتوقف عن الرسم سنتين وهو يطرح على نفسه اسئلة تتعلق بماهية الرسم ووظيفة الفن في عالم مضطرب.

التفاصيل التي يستعيرها الرواس من الواقع لن تعود إلى مكانها المفاهيمي القديم. فالرسام اللبناني الذي انتقل بطريقة حاسمة وبتأثير مباشر من الأميركي روبرت راوشنبرغ إلى مرحلة ما بعد اللوحة المسطحة ذات البعدين، قد صنع عالما مفاهيميا يتسع لكل ما يفد من الواقع من أشياء ومن الرسوم القديمة من صور

ما فعله الرواس بعد ذلك كان جوابا على تلك الحيرة التي فتحت أمامه أبواب متاهة، كانت المواد القادمة من خارج الفن هي الأكثر ملائمة لتشييد دروبها.

ما تعلمه الرواس من تلك المواد من طرق تقنية مكنته جماليا من التسلل إلى قلب العالم يكاد يفوق كل ما تعلمه من مواد الرسم التقليدية. معها صار يصنع عالما شبيها بذلك العالم الذي نجا منه وصار يفاجئه في الكوابيس.

ينتمي الرواس إلى قلة من الفنانين العرب التي لم تلجأ إلى تزييف الواقع، من خلال تزيينه أو تغطيته بوشاح حياة، لم يعد في الإمكان استرجاعها.

لا يصلح فن محمد الرواس للترفيه ولا لتسلية العيون التي ترغب في أن تسدل أهدابها على الأحلام الجميلة. فن واقعي وعقلاني ومنضبط. وهو لذلك يفرض جمالياته بقوة اراداته التعبيرية.

المقل في عروضه المكثر من الوعي

ولد الفنان اللبناني محمد الرواس عام 1951 لأب موسيقي. منذ طفولته كان يرسم وفي صباه حظي بالتتلمذ على يد منير عيدو الذي يوصف بأنه أحد المعلمين الكبار في المحترف اللبناني.

في الجامعة درس سنة واحدة الادب الانكليزي ثم قرر بعدها أن يذهب بحياته، بكل ما فيها إلى الرسم، لينتسب إلى معهد الفنون الجميلة حيث تتلمذ هناك على أيدي ايفيت أضقر، حايم جرداق، رشيد هبي وأمين الباشا.

حين تخرجه من المعهد عام 1975 قامت الحرب الاهلية اللبنانية التي دفعته صدمتها خارج ملعب الرسم فذهب إلى المغرب ليقضي هناك سنتين. أقام معرضه الشخصي الأول في بيروت عام 1979 وقد كان ذلك المعرض حدثا مهما بالنسبة لنقاد الفن يومها. بعد معرضه ذهب إلى لندن لدراسة فن الحفر الطباعي.

فن محمد الرواس لا يصلح للترفيه ولا لتسلية العيون

كانت فرصته العظيمة لطي صفحة الحرب بكل ما تنطوي عليه من هلع ليتنقل بين المتاحف والصالات الفنية بكل ما تنطوي عليه من لذة اكتشاف جمالي.

وبتأثير مباشر من مزاج تقنية فن الغرافيك لجأ الرواس إلى مزج الصور الفوتوغرافية بالرسم بطريقة ساعدته على أن ينسج حول الصورة حكاية خيالية مصدرها الرسم.

عام 1981 بعد أن حصل على شهادة الماجستير بدأ في التدريس في المعهد الذي تخرج منه كما في الجامعة الاميركية ببيروت لاحقا. كان دائما مقلا بالعروض الفردية.

يقول في حوار مع حسين حمزة بن حمزة "المعرض ليس هدفا، بل هو نتيجة لتراكم الوعي. لا أهتم للكمية والعدد. المهم أن أكون راضيا عن الاعمال التي أنجزها". غير أنه شارك في معارض ولقاءات فنية عالمية كثيرة.

اخترع عالما ليذكره بحياته

ما من شيء خيالي في لوحات محمد الرواس. حكاياته المرئية وهو الذي يعتبر العمل الفني نصا بصريا تعيدنا بقوة إلى الواقع ببشره والأماكن التي شهدت وقائع حياتهم. شيء من كتابة اليوميات البصرية يلزمنا بالقبول بما لم يُرسم. فلمَ يرسم الرسام ما يمكن أن ينتقل بجسده مباشرة إلى سطح اللوحة؟ كان التكعيبيون قد جربوا التقنية عينها ونجحوا فيها في بداية القرن الماضي.

غير أن ما يستعيره الرواس من الواقع لن يعود إلى مكانه المفاهيمي القديم. فالرسام اللبناني الذي انتقل بطريقة حاسمة وبتأثير مباشر من الأميركي روبرت راوشنبرغ إلى مرحلة ما بعد اللوحة المسطحة، ذات البعدين قد صنع عالما مفاهيميا يتسع لكل ما يفد من الواقع من أشياء ومن الرسوم القديمة من صور.

الرواس يعيد بناء المدينة وهي بيروته الشخصية

صار عمله التركيبي بمثابة اداة لقياس وحدة عالم اخترعه ليكون معادلا موضوعيا لتلك الحياة التي عاشها أثناء الحرب ولم تكن في أي حال من الأحوال مرآة لواقع محتمل.

بالمعنى التقليدي فإن أعمال الرواس ليست لوحات تزين بها الجدران. وهو تحول لن يسيء إليها. غير أن ما احتاط له الرواس بذكاء أن لا يكون لجوءه إلى استعمال المواد المختلفة مدخلا لعلاقة عبثية بالعالم المرئي كما حدث مع الفن الجاهز الذي اخترعه دوشامب. هناك خيط من الرمزية، سعى الرواس إلى أن لا يقطعه.

رمزية مستلهمة من الشيء الذي يستعمله، لا لذاته، بل ليوظفه في سياق تعبيري جديد. تكاد وحشة الشيء في مكانه الغريب أن تكون مقصودة في التأليف الذي ينسج الفنان خيوطه.

ففي الوقت الذي يتيح لنا الفنان فيه التمتع بمرأى الشيء باعتباره لقية فإنه لا يحرم ذلك الشيء من قوته الذاتية. لا يقطعه عن وجوده كليا. بل يفعل العكس تماما حين يستلهم حريته منه.

ستكون الدمية نفسها وفي الوقت نفسه ستتحرر من ماضيها. هناك شيء من العبث البصري، غير أن العالم لن يكون بالتمام عبثيا. أليس هذا هو ما يعد به الفن؟

فن واقعي وعقلاني ومنضبط

لا تنفي متعة النظر إلى مفاجآت محمد الرواس الشكلية وانتظارها مع كونه صانع حكايات. وهي حكايات قابلة للتصديق، لا لشيء إلا لأن الرسام نفسه أقنعنا بأن تلك الحكايات البصرية مستلة من حياته الشخصية. الكثير من موادها هي مواد شخصية.

اللوحة تكون هنا اشبه بشريط صور متشطية وممزقة بتأثير مباشر من ذاكرة الحرب. الهذا يحرص الرواس على أن يطلق على أعماله أسماء، تبدو للوهلة الاولى مبهمة، غير أن النظر إلى تلك الأعمال يجعل من تلك الأسماء مفاتيح لا غنى عنها؟

أحزان المدينة

في عمله التركيبي "اعادة صناعة لوحة" يظهر الفنان مرتديا ثوب الروائي. ففي عدد من اللوحات هي عبارة عن سلسلة متصلة يعيد الفنان بناء المدينة وهي بيروته الشخصية وفي الوقت نفسه فإنه يضعنا بين ثنايا عملية الخلق التي تتحكم الياتها بولادة العمل الفني.

وهو ما يدفع بالواقع والخيال إلى أن يعزز أحدهما وجود الآخر وسط جدل يتصف بقوة اندفاعه عبر الزمن.

فالمدينة التي يكتمل بناؤها عبر الذكريات الحزينة بما بقي في الذاكرة من مقتنياتها النفيسة ترافق اكتمال العمل الفني الذي يبدو ما لو أنه يرنو إلى تاثيث مساحاته بعواطف وأفكار لم تبرد بعد.
10