محمد السادس في أفريقيا.. دبلوماسية بناءة تحترم الخصوصية

الأربعاء 2014/02/19

منذ زمن بعيد والمملكة المغربية تتحمل مسؤولية الدفاع عن مصالح الدول الأفريقية من منطلق عقيدة رسمتها لسياستها الخارجية التضامنية جنوب-جنوب، وتأتي الزيارة التي يقوم بها الملك محمد السادس إلى كل من مالي وغينيا وساحل العاج والغابون، من أجل تكريس هذا التوجه المتضمن لمجموعة من الاتفاقيات وبرتوكولات التعاون الموقعة بين المغرب وهذه الدول والمتعلقة بالمحاور الاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية والتقنية، بالإضافة إلى التعاون الأمني وتنسيق الجهود وتفعيل الأدوار ضمانا لرؤية موحدة في الحرب ضد الفقر والتهميش.

علاقات المغرب مع دول غرب أفريقيا ما كانت لتعرف الاستمرارية لولا أن العاهل المغربي استطاع توظيف دبلوماسيته البناءة التي تحترم الخصوصية وتنهل من التاريخ مبادئ تراعي الحفاظ على المصالح المترابطة في إطار سيادة لا تقبل التجزيء، بموازاة متوازنة مع قدراته في الحفاظ على المصالح الوطنية من خلال استقطاب هذه الدول بِنِيَّةِ التعاون لا تشوبها نزعة الهيمنة. بهذا وفي تناغم ورؤية واضحة وعميقة لموقع بلده وتموقعها في ظل تنافس دولي حول منابع الطاقة والأسواق الواعدة، استطاع الملك محمد السادس أن يعطي الصورة الحقيقية والمتكاملة لمغرب شريك لا غنى عنه في صناعة السياسات المحلية والدولية.

فالمغرب لا يخفي انتماءه الأفريقي ويعتبر القارة السمراء ضمن مجالاته الحيوية داخل دائرة علاقات دولية تهتم بالمصالح المتحررة من أي بعد إنساني في غالبيتها، ولم تَحُدَّ من عزيمته كثرة المناورات لعزله عن عمقه الأفريقي وكانت هذه الحيلة بادية بإدخال البوليساريو ضمن مجموعة الاتحاد الأفريقي الكبرى أملا ممن أقحمها في خلط أوراق المغرب الإقليمية والدولية.

تعتبر قضايا التنمية البشرية من أبرز القضايا التي يتحرك الملك بلا كلل في تعميقها داخل المغرب والتي أصبحت لغة فعالة يتحدث بها مع الشركاء الأفارقة بلا استثناء، ويركز في هذا التحرك على دولة مالي التي تحتاج أكثر من غيرها إلى قوة وحكمة وحنكة محمد السادس، والتعويل عليه في إدارة مفاوضات المصالحة والتقدم خطوات نحو حل ينهي الأزمة بين الفرقاء السياسيين والحكومة بدولة مالي.

كان التوقيع في 18 يونيو 2013 في واغادوغو على اتفاق سلام بين سلطات باماكو وجماعة الطوارق المسلحة، طريقا ممهّدا لانتخابات رئاسية أفرزت الرئيس أبو بكر كايتا الذي اكتسب شرعية انتخابية ومشروعية شعبية مدعومة دوليا ومن ضمنها المغرب، على أمل صناعة بيئة مستقرة متوقفة على “إرساء أسس الحوار بين جميع الماليين ومحاربة الفقر والنهوض بمالي كدولة سيدة على ترابها”، حسب قول الرئيس كايتا عقب انتخابه رئيسا.

لقد جاء في الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة تنصيب الرئيس المالي أبو بكر كايتا، “إننا ندرك أيضا حجم التحديات التي تنتظر هذا البلد، خلال مرحلة المصالحة الوطنية وإعادة البناء، التي هو مقبل عليها: مصالحة هادئة بين جميع أبناء مالي، ومنفتحة على كل الحساسيات”. إنها النقطة المفصليّة التي تتمحور حولها استراتيجية المغرب في علاقاته مع مالي.

المصالحة الوطنية كآلية فعالة لتوطيد المؤسسات الدستورية وإعطاء فرصة لتنمية البلاد، فالملك يقود شخصيا جهود هذه المصالحة بين الماليين استثمارا للثقة التي يحظى بها داخل مالي روحيا وسياسيا وكذا للمكانة الدولية المتميّزة والتي تؤهله للتصدي بجدية إلى هذه المهمة رغم صعوبتها ودقتها في محيط مشتعل وغير آمن، حيث أن المكانة التي يحظى بها الملك محمد السادس على المستويين الإقليمي والدولي، ولدى كل من الحكومة المالية وسكان إقليم آزواد، تؤهله للمساهمة في حل النزاع الذي تشهده المنطقة منذ أكثر من نصف قرن. كما جاء في تصريح بلال أغ الشريف عقب الاستقبال الذي خصه به العاهل المغربي بمراكش.

مراكش هذه المدينة التي احتضنت لحظة ولادة الاتحاد المغاربي في العام 1989، كانت على موعد هذا الشهر مع أشغال المنتدى الثالث للمقاولين المغاربيين، في إشارة مغربية تقول إن أبوابها مشرّعة إلى كل المبادرات الداعمة للتكامل بين دول تهدف إلى الاستثمار في الاستقرار والتنمية البشرية وتحترم كل ما يخص هيبة ووحدة الدول، والقول بأن المغرب لا يتصارع على موقع مجاني وإنما عقيدته الرصينة والمستمرة والمبنية على فضيلة الحوار لا مكان فيها للارتجالية في القرارات.

باستقبال الملك محمد السادس للأمين العام للحركة الوطنية لتحرير آزواد بلال أغ الشريف، يكون خيار الحرب متوقفا أمام سيناريو المفاوضات التي يمكن السير في طريقها نحو حل يحفظ الوحدة الترابية بضمانة ملكية، وتأتي الزيارة التي يقوم بها العاهل المغربي إلى مالي، تأكيدا واضحا على أن أوراق المملكة التفاوضية مع البوليساريو في خطاطة استراتيجية تؤمن بسقف الوحدة الترابية في ظل سيادة الدولة عبر إدارتها دون تهميش مكوناتها في التدبير والتسيير.

الدبلوماسية الهجومية التي حدد معالمها الاستراتيجية الملك محمد السادس، هي لحماية مصالح المغرب في امتداداتها الجغرافية والسياسية والاجتماعية والدينية والثقافية من الداخل الصحراوي، دعما لمبادرة الحكم الذاتي وصولا إلى دول الساحل والصحراء، لكون ملف الصحراء في تقاطعاته الأمنية بما يقع بالساحل والصحراء يجعل المغرب مُصِرّاً على دعم المصالحة الوطنية بمالي بين حركة الآزواد والحكومة، لكن ومع تدخل الجزائر وجنوب أفريقيا بشكل خاص لإبقاء ملف مالي داخل أروقة الاتحاد الأفريقي المُتَحَكَّم في توجهاته، فهم يحاولون المحافظة على أجنداتهم المعلنة والخفية مع البوليساريو وهذا يستتبع مناهضتهم لكل المبادرات المغربية.

وبموازاة مع الزيارة الملكية لتلك الدول الأفريقية الأربع، استضافت موريتانيا قمة مصغرة بين خمس بلدان أفريقية أطلق عليها عبر بيان ختامي، “مجموعة الدول الخمس في الساحل”، هذا التحرك تصادف مع ذكرى إنشاء الاتحاد المغاربي بين خمس دول بشمال أفريقيا ضمنها نواكشوط، اتحاد لم تعد تشتغل فيه روح التضامن والتعاون والتكامل التي كانت أساس إطلاقه. وقد كانت رسالة الملك محمد السادس إلى قادة الاتحاد المجمد واضحة “للانخراط في سيرورة التكتلات السياسية والاقتصادية القوية التي تلفظ الكيانات الوهمية، ولا تعترف إلا بالمرتكزات الوحدوية والثوابت الوطنية الضاربة جذورها في عمق التاريخ”.

من هنا نقول إن قرار الاستقلال الاقتصادي والأمني لدول بنيتها التحتية هشة وتحتاج لدعم كبير في منطقة حبلى بالتحديات الأمنية المتوالدة يوما عن يوم، تتطلب أكثر من الجرأة السياسية والرغبة الأكيدة في العمل والقليل من الخوف من مكاسب التنمية على المدى البعيد المبنية على الثقة والحكمة، من أجل محاصرة كل المحاولات غير الجادة في تطويق الإرهاب وتجفيف منابعه. والمملكة المغربية جادة في مساعيها الأخوية لدعم كل المبادرات الواقعية التي تبقى غايتها في النهاية، أمن واستقرار المنطقة وأفريقيا والمساعدة على تنمية فرص النمو وتعزيز البنية التحتية وتشجيع المهارات والرفع من الحكامة الجيّدة.


كاتب مغربي

8