محمد السادس في مالي.. كلام من نوع آخر

السبت 2013/09/21

ليس بالقوة وحدها يمكننا مواجهة الإرهاب والتطرف والقضاء عليهما. نجح المجتمع الدولي إلى حدّ كبير في التصدي للإرهاب والإرهابيين «والقوى الظلامية والانفصالية» في مالي.

الدليل على ذلك، إعادة بسط سلطة الدولة على الشمال وإخراج المتطرفين منه، كما أُمكن انتخاب رئيس جديد. لكنّ الحاجة أكثر من أي وقت إلى سياسة متكاملة تتجاوز استخدام القوة والجيوش، وذلك ليس حماية لمالي وحدها، بكل ما تمثّله على الصعيد الإنساني والحضاري والثقافي والديني، بل حماية للاستقرار في منطقتي شمال أفريقيا والساحل أيضا.

كان الاحتفال الذي أقيم في باماكو الخميس الماضي، بمناسبة تنصيب رئيس الجمهورية إبراهيم بوباكار كيتا، مناسبة لسماع كلام من نوع آخر يتطلع إلى المستقبل، أو على الأصح كلام عن كيفية الاستثمار في المستقبل. كانت حفلة التنصيب مناسبة كي يؤكد المغرب على لسان الملك محمّد السادس أنّ ثمة حاجة إلى تلك السياسة المتكاملة التي تغطي كلّ الحقول، خصوصا إذا كان مطلوبا في نهاية المطاف اختيار نهج البناء.

كان محمّد السادس في غاية الصراحة في خطابه عندما قال: «إن كلّ البلدان الأفريقية الشقيقة يجب أن تلعب دورا جوهريا في عملية إعادة البناء المهمّة التي أنتم مقبلون عليها. وأمام كلّ الرهانات المطروحة، فإن بعض الدول والأطراف، مع كامل الأسف، لا تعمل إلا على الهدم والتخريب، في الوقت الذي تختار فيه دول أخرى نهج البناء وإعادة الإعمار».

بالنسبة إلى بلد مثل مالي تعرّض أخيرا لما تعرّض له، يبدو الخيار واضحا. إنه بين التخريب من جهة، والبناء من جهة أخرى. ما لا يمكن تجاهله بأيّ شكل أن فرنسا التي تمتلك مصالح ضخمة في أفريقيا تدعوها إلى المحافظة على الاستقرار، حماية لنفسها أوّلا، أدت واجبها. أقدم الرئيس فرنسوا هولاند على خطوة شجاعة تمثّلت في إرسال قوات فرنسية قضت على الإرهابيين، إلى حدّ كبير، وأعادت مناطق كاملة إلى سلطة الدولة وأمّنت بقاء مالي موحّدة، ليس في جزء من أراضيها قاعدة لـ»القاعدة» وما شابهها من تنظيمات إرهابية تهدّد كلّ دول المنطقة.

لم يفت العاهل المغربي شكر فرنسا على الجهد الذي قامت به وعلى التضحيات التي قدّمتها. أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه. قال في هذا المجال: «أجدد عبارات الشكر لرئيس الجمهورية الفرنسية السيد فرنسوا هولاند على الدعم الصريح والحاسم الذي قدّمه بلده الصديق ولدينامية دبلوماسيته وشجاعتها في سبيل تحقيق السلام والاستقرار في مالي».

لا وجود لعقدة مغربية، لا تجاه فرنسا ولا تجاه غيرها. عندما تقدم فرنسا على عمل جيّد يصبّ في خدمة الاستقرار ومكافحة الإرهاب، لا يمكن إلا الاعتراف بذلك. ما قامت به فرنسا في مالي يخدم الاستقرار. يكفي أن قواتها أعادت مدينة مثل تمبكتو تعرّضت لما تعرّضت له آثارها ومزاراتها وأضرحتها وثرواتها الدينية والإنسانية من تخريب، يجب توجيه الشكر إليها.. بدل تجاهل ذلك كما يفعل كثيرون، أي «بعض الدول والأطراف، التي تعمل مع كامل الأسف، إلا على الهدم والتخريب» على حدّ تعبير محمّد السادس.

من هذا المنطلق، كان لا بدّ من تعاون إقليمي من أجل طي صفحة الماضي الأليم في مالي. وهذا يعني بطبيعة الحال تحديد الخطوات الواجب اتباعها في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، وذلك لتأكيد أن «حلم مالي كبلد ينعم بالسلم أصبح حقيقة».

قال العاهل المغربي: «إننا بمقدار ما نهنئ أنفسنا جميعا على هذا الانتصار الجماعي على قوى الظلامية والانفصال في مالي، إننا ندرك أيضا حجم التحديات التي تنتظر هذا البلد خلال مرحلة المصالحة الوطنية وإعادة البناء التي هو مقبل عليها».

هناك بكلّ بساطة رغبة دولية وإقليمية في مساعدة مالي. دور المغرب في هذا المجال لا يقتصر على أن يكون قدوة للآخرين عن طريق مبادرته، مثلا، إلى إقامة مستشفى عسكري ميداني متعدد الاختصاصات في باماكو. إن الدور المغربي يتمثّل في النظر إلى بعيد ورسم إطار يصلح لمعالجة الأزمة التي مرّ بها البلد أيضا.

ولذلك، كان على محمّد السادس التذكير بأنّ «التفرّد الثقافي الذي يميز مالي كان دائما، ولا يزال يشكّل، أحد المكوّنات الأساسية للتراث الإسلامي وللهوية الأفريقية. لذا، فإنّ أي مبادرة دولية يتم التنسيق بشأنها من دون إيلاء البعد الثقافي والعقائدي الأهمّية التي يستحقّها، سيكون مصيرها الفشل. فالشراكة التي تنوي المملكة المغربية عرضها من أجل إعادة بناء مالي، ماديا ومعنويا، تندرج ضمن هذا التوجه. إن ترميم مخلفات التخريب المادي ومعالجة الجروح المعنوية، يتطلب إعادة بناء الأضرحة وإصلاح المخطوطات وترميمها وحفظها وإنعاش الحياة الاجتماعية والثقافية».

مضيفا:» إن الإسلام في المغرب ومالي واحد، ممارسة وتقليدا. إنه إسلام متشبّع بالقيم نفسها المبنية على الوسطية والاعتدال وبتعاليم التسامح والانفتاح على الآخر. وانطلاقا من هذا الرباط العقائدي المشترك، يطيب لي أن أعبر عن ترحيبي بالاتفاق الذي سيتم توقيعه والمتعلّق بتكوين خمسمئة إمام مالي في المغرب خلال السنوات المقبلة». سيكون تكوين هؤلاء لمدة سنتين «استنادا إلى دراسة المذهب المالكي، أساسا، والتعاليم الفقهية والأخلاقية التي تنبذ كلّ أنواع الغلو والتكفير».

لم تأت زيارة محمّد السادس لمالي من فراغ. دخل البلد المهمّ، من كلّ النواحي، الذي تعرّض لهزة قوية كادت أن تقضي عليه وتحوّل أجزاء منه مرتعا للإرهاب والتطرف، مرحلة جديدة.

من يريد دعم هذه المرحلة عليه الانتقال إلى الأفعال وليس الاكتفاء بالكلام. من يريد بالفعل الاستقرار في المنطقة ومكافحة الإرهاب بدل الشكوى منه في الداخل والتشجيع على تصديره إلى خارج حدوده، لا يستطيع الوقوف موقف المتفرّج. فالحريق المالي كان يمكن أن يمتد إلى كلّ دول المنطقة. المهم إطفاء الحريق داخل مالي نفسها. هذا ما حصل فعلا. أما المعالجة في المدى الطويل فلا يمكن إلا أن تكون من خلال مقاربة شاملة وسياسة متكاملة.

إنه الخيار الوحيد المتاح لمن يريد حماية نفسه أوّلا، والمساعدة في دعم الاستقرار الإقليمي ثانيا وأخيرا…


اعلامي لبناني

9