محمد السنوسي باركيندو هل ينقذ سوق النفط في اجتماع الأيام القادمة؟

الأحد 2017/10/15
قائد "أوبك" في مهمة مصالحة النفط الصخري مع النفط الزيتي

برلين - استطاع أستاذ الاقتصاد محمد السنوسي باركيندو الوصول إلى شغل منصب الأمانة العامة لمنظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” الثامن والعشرين بتوافق عقلاني بين ممثّلي الأمم المصدرة للبترول. ولم يستهلك زمنا في التعرف إلى المطلوب منه، وباشر أعماله فور انتهاء مراسم اختياره في مقر المنظمة في فيينا التي عرف تفاصيلها منذ ثلاثين عاما خلت عندما جاء إلى “أوبك” عام 1986 ضمن مفاوضي بلاده نيجيريا آنذاك.

بدأ باركيندو من صباح اليوم التالي لاختياره لأمانة “أوبك” تنفيذ خطته الاستراتيجية طويلة الأمد التي تبنّتها المنظمة قبل وصوله إلى كرسي الأمانة العامة. وهو يتحرك اليوم على عدة محاور في سبيل نجاحه بإدارة التحديات التي تواجه “أوبك”؛ أولها داخل “أوبك” نفسها، إذ عليه زيادة التماسك الداخلي للمنظمة التي واجهت تحديات الاختلاف السياسي في وجهات النظر بين عدد من البلدان في الوقت الذي تحتم المصالح الاقتصادية لهذه البلدان التعاون بثبات للحفاظ على مصالحها.

أما ثاني تلك التحديات، فيكمن في محيط “أوبك” التنافسي، إذ تقف في هذه المجموعة البلدان المصدرة للنفط من خارج “أوبك” وعلى رأسها روسيا التي تتوافق مصالحها الاقتصادية مع أسعار أفضل للبرميل. وثالثها يتجسد في طرف جديد من منتجي الطاقة وهم منتجو النفط الصخري في أميركا الشمالية الذين يحدوهم الأمل بسعر أفضل للبرميل ليبعد عنهم شبح الخسارة نتيجة التكاليف العالية لمنتجهم. ورابعها حالة الأسواق المتخمة بالمعروض الفائض عن حاجة استهلاك السوق العالمي، مما ساهم في زيادة ضعف أسعار النفط وما تزال تساهم تخمة الأسواق في تعثر خطى تصحيح أسعار البرميل.

باركيندو يضم 11 دولة جديدة

ولد باركيندو في 20 أبريل عام 1959 في ولاية أدماوا في نيجيريا. وتخرج بمرتبة الشرف في كلية العلوم السياسية جامعة أحمدو بيلو بزاريا من ولاية كادونا، وحصل على دبلوم الدراسات العليا في اقتصاديات النفط من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، والماجستير في إدارة الأعمال قسم التمويل والمصارف من جامعة واشنطن. وصولاً إلى الدكتوراه التي أنجزها في جامعة يولا.

عمل مع هيئة التعدين النيجيرية حتى مستوى المسؤول الإداري الرئيسي في لاغوس، وعمل مساعدا خاصا لوزير المناجم والطاقة والصلب، ومساعدا خاصا لوزير الموارد البترولية ورئيس مكتب رئيس مجلس الشركة، لاغوس. وعلى مدى 24 عاماً تنقل ما بين مهام عديدة في الهيئة الوطنية النيجيرية للبترول.

ومنذ أواسط ثمانينات القرن العشرين وحتى العام 2010 مثل بلاده في “أوبك”، وقاد الحوار بين المنظمة والاتحاد الأوروبي حول أسواق الطاقة والضرائب والبيئة. وصمم لها أول استراتيجية طويلة الأجل. كما أسس الرابطة الأفريقية لمنتجي البترول، وأصبح عضواً رائداً في منتدى الطاقة الدولي “إيف” في الرياض بالمملكة العربية السعودية.

في العام الماضي استطاعت منظمة “أوبك” عقد أول اجتماع للدول الأعضاء فيها بالإضافة إلى 11 دولة منتجة من خارج “أوبك” وصادف ذلك في العاشر من ديسمبر، وتم خلال الاجتماع تبنّي اتفاق لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد يقضي بخفض سقف الإنتاج النفطي بواقع 558 ألف برميل يوميا اعتبارا من بداية عام 2017.

الدول المنتجة للنفط يجري تهديدها يوميا بأن العالم لم يعد بحاجة إلى ذهبها الأسود بعد الآن، لكن باركيندو يرى أن نمو الطلب العالمي على النفط يتجه بشكل متزايد إلى الهند. فقد ارتفع إجمالي واردات الهند من نحو 1.5 مليون برميل يوميا في عام 2000، وجاء ما يقرب من 80 بالمئة، من هذه الواردات من الدول الأعضاء في (أوبك)

مايسترو العالم النفطي

اعتبر اتفاق الدول الـ11 من خارج “أوبك” بخفض سقف إنتاجها اتفاقا “تاريخيا وغير مسبوق” ويمثل قفزة نوعية في سلوك منتجي النفط وساعد الاتفاق الذي تقوده “أوبك” في رفع أسعار النفط من نطاق 30 دولارا إلى 40 دولارا للبرميل في نهاية العام 2016 ومطلع العام الحالي 2017 والآن يقف سعر البرميل عند عتبة الـ50 دولارا.

شكلت، يومها، لجنة وزارية مشتركة ضمّت الكويت والجزائر وفنزويلا وسلطنة عمان وروسيا لمتابعة تنفيذ الاتفاق، وأكد حينها باركيندو أهمية هذا الاتفاق في إعادة التوازن والاستقرار لسوق النفط العالمية. واقترحت الكويت التي تترأس اللجنة الخماسية لمراقبة الإنتاج اعتماد آلية المراقبة على الشحنات المصدرة من كل دولة باستخدام شركات خبيرة بالمتابعة معروفة في السوق.

وأعلن العراق التزامه بخفض إنتاجه 200 ألف برميل يوميا، فيما أعلنت روسيا الاتحادية عن خفض إنتاجها على مدار الأشهر الستة التالية بحيث يكون الخفض تدريجيا وصولا إلى المستويات المستهدفة من كل دولة.

واستطاعت لجنة الرقابة تسجيل التزام الدول المتعاقدة بنسبة 60 بالمئة خلال الشهر الأول من سريان مفعول الاتفاق بقيادة المنتجين الكبار؛ السعودية وروسيا والعراق والكويت والإمارات.

وأكدت اللجنة الوزارية لمراقبة الإنتاج في بيان لها في الـ22 فبراير الماضي أن نسبة التزام الدول بلغت 86 بالمئة من خطط الإنتاج داخل “أوبك” والمنتجين المستقلين.

وفي الـ23 من مارس الماضي قالت لجنة الرقابة إثر اجتماعها الشهري أن المحصلة النهائية لالتزام الدول الأعضاء وغير الأعضاء في “أوبك” ارتفعت لتبلغ 94 بالمئة، في ذات الوقت الذي ارتفع فيه التزام دول “أوبك” ليصل إلى 106 بالمئة.

ربيع هذا العام، كان باركيندو ينقل توصيات لجنة الرقابة الوزارية على الإنتاج بتمديد الاتفاق القاضي بخفض الإنتاج لمدة تسعة أشهر إضافية بعد التقدم المطّرد والمقنع في العوامل الأساسية للسوق النفطية العالمية ما يتطابق مع التعديلات الحاصلة في الإنتاج.

وفي اليوم التالي توصل وزراء نفط منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” والدول المنتجة إلى اتفاق يقضي بتمديد العمل باتفاق خفض الإنتاج حتى مارس العام 2018 بمعدل 1.8 مليون برميل يوميا. وأكدت اللجنة ثقتها أن سوق النفط يسير بالاتجاه الصحيح نحو تحقيق أهداف إعلان التعاون.

طفرة إنتاج النفط الصخري لم يكن ممكنا التنبؤ بحجمها، ولكن بعد الطفرة الحالية يمكن توقع ارتفاع إنتاجه من نحو 5 ملايين برميل يوميا إلى 8 ملايين بحلول عام 2035

رؤية باركيندو لنمو الطلب

كان من المفترض أن تستمر اتفاقية “أوبك” هذه مع روسيا والمنتجين العشرة الآخرين لإخراج 1.8 مليون برميل يوميا من سوق النفط العالمي لمدة ستة أشهر ولكن في مايو من هذا العام قرر الشركاء تمديدها حتى نهاية مارس عام 2018. وفى الأسبوع الماضي قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن هذا التخفيض قد يمتد إلى نهاية عام 2018 وذلك في أعقاب لقائه بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز.

وفي الوقت الذي يجري فيه تهديد الدول المنتجة للنفط بأن العالم لم يعد بحاجة إلى ذهبها الأسود بعد الآن، يرى باركيندو أن نمو الطلب العالمي على النفط يتجه بشكل متزايد إلى الهند. فقد ارتفع إجمالي واردات الهند من نحو 1.5 مليون برميل يوميا في عام 2000، وجاء ما يقرب من 80 بالمئة من هذه الواردات من الدول الأعضاء في “أوبك” حيث وصل الطلب الهندي إلى 4.3 مليون برميل يوميا في عام 2016 مع نمو في الطلب يصل إلى 9 بالمئة سنويا.

ويبين باركيندو أن هذه البيانات تعكس قوة حجم الطلب القادم من الهند في السنوات الأخيرة، ومثال ذلك أنه في العام الماضي سجلت الهند أسرع معدل نمو في الطلب على النفط في العالم بزيادة قدرها 340 ألف برميل يوميا أو 8.3 بالمئة.

الرجل المتفائل يتوقع أن ينمو الطلب العالمي على النفط في عام 2017 أكثر من المتوقع ليصل إلى 1.45 مليون برميل يوميا، مرجحا أن تكون توقعات الطلب لعام 2018 قوية جدا عند مستويات أعلى من 1.4 مليون برميل يوميا.

وهو يشير دوماً إلى استمرار تقلص مخزونات النفط التجارية في منظمة التعاون والتنمية، مبينا أنه في بداية عام 2017 بلغ حجم المخزونات في منظمة التعاون والتنمية 338 مليون برميل فوق متوسط السنوات الخمس وقد انخفض ذلك منذ ذلك الحين إلى 167 مليون برميل بوتيرة سريعة بمقدار 130 مليون برميل فقط خلال الأشهر الخمسة الماضية.

ونظرا لأهمية الحصة الهندية المتزايدة في سوق النفط، فقد أجرى لقاء موسعا مع دارميندرا برادهان وزير البترول والغاز الطبيعي الهندي شارك فيها وفد من خبراء “أوبك” ورؤساء المصافي النفطية الكبرى في الهند وركز على دعم قيمة التعاون المتزايد باستمرار بين الهند و”أوبك” وركزت المناقشات على التطورات الراهنة في سوق النفط وعلى الاقتصاد الهندي الآخذ في النمو بسرعة كبيرة وأهميته المتزايدة لصناعة الطاقة العالمية.

باركيندو يدرك حجم المخاطر العالية في سوق النفط والغاز اليوم ويدرك وهو من وضع الاستراتيجية طويلة الأمد لـ”أوبك” أن إجراءات استثنائية مطلوبة لتأمين توازن ما وسط أوضاع العالم المضطرب الذي ترتفع فيه لغة المصالح إلى أعلى مستوياتها في التاريخ البشري.

وقد بين مؤخراً أنه غير قلق من زيادة إنتاج النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة، وأن لجنة من المنظمة والمنتجين المستقلين ستجتمع في فيينا، في الـ20 من أكتوبر الجاري، حيث ستكون جميع الخيارات مطروحة على الطاولة بشأن الخطوة المقبلة فيما يتعلق باتفاق خفض إنتاج النفط.

وأكد تقرير حديث لـ”أوبك” أن النفط الصخري الأميركي أدى إلى تغيير كثير من ملامح سوق النفط موضحًا أنه يعمل كماص للصدمات في السوق، حيث أن المعروض منه يرتفع وينخفض وفق تفاعل سريع مع مستوى الأسعار، كما أنه يعتبر أكثر سهولة من بقية الاستثمارات النفطية في عملية التشغيل وإيقاف الإنتاج.

وأشار التقرير إلى أن كثيرًا من منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة من الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يعني أنها تعتمد على التمويل المصرفي بدرجة كبيرة جدًا مقارنة بالشركات العالمية أو الشركات الوطنية التي تعتمد بدرجة أقل على التمويل المصرفي وفي الوقت نفسه تهيمن على النفط التقليدي.

باركيندو يدرك حجم المخاطر العالية في سوق النفط والغاز اليوم ويدرك وهو من وضع الاستراتيجية طويلة الأمد لـ"أوبك" أن إجراءات استثنائية مطلوبة لتأمين توازن ما

حرب النفط والغاز الصخري

لقد حقق استخدام التكنولوجيا الحديثة خفضا كبيرا في تكاليف إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، ومنها استخدام منصات الحفر في الصناعات التحويلية كمركز إنتاجي وتصنيعي في نفس الموقع، ونتيجة لذلك فقد نجح هذا الإنتاج في بلوغ طاقة إنتاجية هائلة وحصد مكاسب هائلة وسريعة من إنتاج النفط الضيق في الولايات المتحدة وعلى الرغم من ذلك فإن حصة النفط الصخري الأميركي لا تتجاوز 5 بالمئة فقط من سوق النفط الخام في المرحلة الحالية.

كما أن بيئة الأسعار المنخفضة الحالية تتطلب مزيدًا من برامج كفاءة الإنتاج وترشيد الإنفاق الرأسمالي والحفاظ على مستوى مناسب من الربحية تمكّن من الاستمرار في الاستثمار من أجل تلبية الاحتياجات المستقبلية المتنامية من الطاقة.

إن طفرة إنتاج النفط الصخري لم يكن ممكنًا التنبؤ بحجمها على مدى السنوات الخمس الماضية، ولكن بعد الطفرة الحالية يمكن توقع ارتفاع إنتاج النفط الصخري من نحو 5 ملايين برميل يوميا إلى 8 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2035 وأن إنتاج النفط الصخري في أقصى ذروته لن يتجاوز 10 بالمئة من إمدادات النفط في العالم.

باركيندو دعا منتجي النفط الصخري الأميركي إلى المساعدة في خفض الإنتاج العالمي، محذراً من احتمال الحاجة إلى تدابير استثنائية العام المقبل للمحافظة على سوق متوازنة في الأجل المتوسط إلى الطويل.

وأضاف “نحن متفقون على أننا نتحمل مسؤولية مشتركة للحفاظ على الاستقرار، لأننا أيضاً لسنا بعزلة عن أثر الاتجاه النزولي”، في إشارة إلى مخاطر إفلاس شركات الزيت الصخري فيما إذا هبطت الأسعار دون 35 دولارا للبرميل. فهل تتجه الشركات الأميركية إلى التعاون مع منتجي الطاقة في العالم؟ هذه مهمة اجتماع منتجي النفط الزيتي والنفط الصخري المرتقب. فهل ينجح باركيندو في مهمة إقناع منتجي النفط الصخري بالانضمام لنادي منتجي النفط الزيتي؟

7