محمد السويدي ظهير سياسي ثري للسيسي يسعى لتأسيس حزب "حاكم" جديد

رجل الأعمال محمد السويدي يسعى حاليا لبناء قاعدة شعبية واسعة، عن طريق الخدمات وحل المشكلات، واستقطاب فئات من المستفيدين ليكونوا كوادر وأعضاء في الحزب الجديد.
السبت 2018/05/05
السلطة والمال يجتمعان فهل ستدور العربة القديمة؟

التوقعات تتزايد عقب تبنيه مؤخرا فكرة تحويل الأغلبية البرلمانية التي يقودها في البرلمان باسم “ائتلاف دعم مصر” إلى حزب، يسعى ليكون الظهير السياسي للرئيس عبدالفتاح السيسي. إنه رجل الأعمال ورئيس ائتلاف الأغلبية البرلمانية في مصر، الذي ظل اسمه بعيدا عن الأضواء لفترة طويلة، إلا أن تشعب علاقاته وصعوده السياسي في الأعوام القليلة الماضية جعلا البعض يتنبأ بأن يكون له دور كبير في الدولة، يتجاوز حدود النفوذ الاقتصادي.

وقد اعتادت الأنظمة السياسية في مصر أن تفرز فئة من رجال الأعمال قريبين من العمل السياسي، في صورة عضوية البرلمان أو رئاسة حزب، بشكل يمنحهم فرصة تكوين تحالفات بين الاقتصاد والسياسة ويتم توظيفهم عند الضرورة.

تتمسك هذه الفئة بأن تكون لها إستراتيجية لتعظيم النفوذ الاقتصادي من بوابة النفوذ السياسي والتقرب من مؤسسات الحكومة، والتحرك وفق توجهات تعمل على حماية المصالح الاقتصادية، والتطلع إلى زيادتها، بصداقة العديد من المسؤولين ومحاولة الاقتراب من مطبخ صناعة القرار.

كان نظام الرئيس الأسبق أنور السادات من الداعمين لذلك التوجه، وتمثل ذلك يومها برجل الأعمال عثمان أحمد عثمان، ثم استكمله خلفه الرئيس حسني مبارك، والذي أصبح من أكثر الداعمين له، إلى أن تحول لموروث عند القطاع الأكبر من رجال الأعمال، وأبرز مثال على ذلك، رجل الأعمال أحمد عز، الذي جمع جزءا كبيرا من ثروته عبر نفوذه كأمين التنظيم في الحزب الوطني الحاكم آنذاك، ما جعله أحد أكبر المحتكرين لصناعة الحديد في مصر.

تنطبق هذه القاعدة تقريبا على السويدي، رئيس اتحاد الصناعات المصرية، الذي أصبح يتحكم في توجيه دفة أمور كثيرة في البرلمان، باعتباره صاحب كلمة على نواب الأغلبية.

يبقى الفارق بين السويدي كرجل اقتصاد اقتحم عالم السياسة بقوة خلال نظام حكم الرئيس السيسي، وبين أحمد عز، أحد رموز نظام مبارك، أن الثاني صنع مجده الاقتصادي من خلال قربه من مراكز صنع القرار وعلاقته القوية بها، أما السويدي فاختار بناء صرحه الاقتصادي أولا ليبعد نفسه عن شبهة الاتهام بأنه اقتحم عالم السياسة لتحقيق مصالح تساعده في تحقيق مكاسب اقتصادية، لذلك لا يوضع غالبا موضع مقارنة مع عز، ابن نظام مبارك.

تعمد السويدي غلق هذه الثغرة مبكرا، وتريث في الظهور لحين الوصول إلى مراده كرجل أعمال، حقق ثروة ضخمة من تخصصه في تجارة وصناعة الكابلات الكهربائية، وأصبح ضمن قائمة أغنى 100 شخصية عربية عام 2013.

سياسي

السويدي يعمل على تحويل ائتلاف دعم مصر إلى حزب سياسي حاكم، يكون بمثابة حزب الرئيس السيسي الذي رفض فكرة أن يكون له حزب، كي لا تتكرر تجربة الحزب الوطني الذي كان أحد دوافع الثورة على نظام مبارك
السويدي يعمل على تحويل ائتلاف دعم مصر إلى حزب سياسي حاكم، يكون بمثابة حزب الرئيس السيسي الذي رفض فكرة أن يكون له حزب، كي لا تتكرر تجربة الحزب الوطني الذي كان أحد دوافع الثورة على نظام مبارك

ورث السويدي التطلع السياسي والتقرب من السلطة عن عائلته، وكان كبير العائلة أبوحماد محمد السويدي، عمدة قرية “طحا المرج” الواقعة بمحافظة الشرقية في دلتا مصر، وقت فترة حكم محمد علي باشا لمصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وظل بيت السويدي في الشرقية محتكرا لمنصب العمدة حتى الآن.

استمر الصعود السياسي للعائلة، وصولا إلى التمثيل المستمر في البرلمان، ولم يخل مجلس نيابي من أحد أبنائها، وبعد نزوح أبناء العائلة من الدلتا إلى القاهرة، أصبحوا قريبين من دوائر الحكم في البلاد عبر صداقات ومصاهرات مختلفة.

تعمد أجداد السويدي إلحاق أبنائهم بمدارس الأورمان والراهبات، ليتلقوا تعليمهم بين أبناء الفئة الأرستقراطية في المجتمع، وسكنوا في حي الدقي الراقي بمحافظة الجيزة، وبدأوا في بناء علاقات قوية مع النخبة، أهلتهم لأن يكونوا قريبين من السلطة أو جزءا منها.

كان والده عضوا في مجلس الشورى الذي تم إلغاؤه عقب ثورة 25 يناير 2011، وعضوا بالحزب الوطني الحاكم إبان حكم مبارك، أي أنه تربى في بيت عرف العمل البرلماني والسياسي مباشرة.

ينحدر السويدي من عائلة تهوى الصناعة والتجارة والعمل الخاص وإقامة المشروعات والصناعات الكبرى. هم من كبار رجال الاقتصاد في صناعة الأدوات الكهربائية والذهب، وسمح الدور المجتمعي لأكثر أفراد العائلة أن يكون لها حضور لافت في المجتمع. ومثال ذلك، هبة السويدي التي تلقب بـ”أم الثوار”، وكانت تعالج مصابي ثورة يناير على نفقتها الخاصة، كما أن مؤسسة السويدي، من أكثر المؤسسات التي ساهمت في بناء مستشفيات ومدارس نموذجية مجانا، ما جعلها شريكا مهمة مع وزارتي الصحة والتعليم.

حزب الرئيس

يريد السويدي أن يكون عنصرا مؤثرا وأساسيا في أي مكان يحل به، وبدا ذلك من توسعاته في إنشاء الشركات والمصانع وتولى رئاستها بنفسه، لأنه يمتلك من الأدوات ما يؤهله أن يكون قائدا وناجحا.

الفارق ما بين السويدي كرجل اقتصاد اقتحم عالم السياسة بقوة خلال نظام حكم الرئيس السيسي، وبين أحمد عز، أحد رموز نظام مبارك، أن الثاني صنع مجده الاقتصادي من خلال قربه من مراكز صنع القرار وعلاقته القوية بها، أما السويدي فاختار بناء صرحه الاقتصادي أولا

 لم يتوقف طموحه عند المجلس النيابي، لكنه ترشح لرئاسة لجنة الصناعة بمجلس النواب، وفاز بالتزكية، ثم تقدم لرئاسة “ائتلاف دعم مصر” الحاصل على الأغلبية في الانتخابات الماضية، بعد وفاة مؤسسه الأول اللواء سامح سيف اليزل، وفاز أيضا بالتزكية.

يسعى السويدي إلى تحويل الائتلاف إلى حزب سياسي حاكم، يكون بمثابة حزب الرئيس عبدالفتاح السيسي، أو على الأقل الظهير له، لأن السيسي رفض مرارا فكرة أن يكون له حزب، ما يمكن تبريره أنه لا يريد إعادة تجربة الحزب الوطني الحاكم الذي كان أحد دوافع الثورة على نظام مبارك.

تخوفات السيسي من خطوة أن يكون هناك حزب حاكم يشارك في صناعة القرار وحل المشكلات تبدو واقعية، لكن السويدي يعتبرها أولوية لخواء الساحة من أحزاب لها ثقل، والمساهمة في حل المشكلات الجماهيرية التي أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على الحكومة.

قال السويدي في تصريحات سابقة له إن “هناك فراغا في الحياة السياسية، ولا يمكن تكرار تجربة الحزب الوطني المنحل، والإصلاح ضرورة ويجب وجود حزبين أو ثلاثة يتنافسوا على الساحة”.

في عرف السياسة بمصر، إذا كان هناك رفض رسمي من النظام لتوجه سياسي بعينه، وظهر قريب من السلطة ليعمل في اتجاه مغاير، فإن ذلك يكون بتنسيق بين الطرفين، فلا يمكن أن يقدم السويدي على تأسيس حزب كظهير للسيسي دون أن يكون حصل على ضوء أخضر رسمي يدعم الفكرة.

شخصية غامضة

بالنظر إلى الواقع المصري، استطاع السويدي تحويل ائتلاف الأغلبية البرلمانية إلى ظهير للحكومة خلال الفترة الماضية، من دون أن يكون “ائتلاف دعم مصر” حصل على شكل الحزب السياسي بصورة قانونية، بعدما أصبح الائتلاف سندا لها داخل مجلس النواب وتراجع الدور الرقابي عليها، ما جعل أكثر الأصوات تقول إن السيسي ليس بحاجة لظهير سياسي، لأن ذلك موجود من خلال توجهات وممارسات “دعم مصر”.

تميل شخصية السويدي إلى الغموض أحيانا، فلا أحد يعرف الكثير عن سيرته الذاتية أو برامج أعماله، باستثناء العناوين العريضة. ومع أن موقعه البرلماني يحتم عليه تصدر صدارة المشهد، لكنه يهوى الجلوس في المقاعد الخلفية ويتمسك بالابتعاد عن الأضواء للنأي عن الجدل.

مشكلة السويدي الحقيقية تتجسد في أنه يتحدث في اتجاه، بينما يسير الرأي العام في اتجاه آخر. فهو يعتبر أن كل القرارات الاقتصادية التي جرى اتخاذها الأشهر الماضية جيدة، ما جعل المتابعين له يتعاملون معه على أنه يمثل الورقة الرابحة لدى أجهزة الحكومة لإقناع الناس بأن مصر تسير على الطريق الصحيح، وهو لا يتردد في ذلك

نادر الحديث مع وسائل الإعلام، لكن يركز في كل صغيرة وكبيرة، ولا يمانع في تقديم شكاوى ضد أي وسيلة إعلامية تتحدث عنه سلبا أو كذبا. وهو ما يعكس أنه مازال يعيش في جلباب رجل الأعمال الذي لا يريد الاختلاط كثيرا بالناس، ويركز جهوده وتحركاته بعيدا عن أعينهم. يؤمن أن هذا الطريق يساعد على المزيد من الصعود، ويبعده عن النبش في الملفات القديمة وتصيد الأخطاء.

عمد السويدي إلى توجيه “ائتلاف دعم مصر” في المحافظات إلى تذليل أي مشكلة تواجه الأهالي، مع تقديم الخدمات والتسريع من وتيرة لقاء المسؤولين للبحث عن فرص عمل للشباب، والاستجابة لمطالب السكان الخدمية والمعيشية، بحجة أن هذا الأمر من صميم عمل نواب البرلمان.

سياسة تدوير الوجوه

يصفه قريبون بأنه عقلاني يدرك أن الأحزاب السياسية منبوذة عند الناس وغير مؤثرة، بل دون جدوى حقيقية، ولا يريد تكرار التجربة. يسعى حاليا لبناء قاعدة شعبية واسعة، عن طريق الخدمات وحل المشكلات، واستقطاب فئات من المستفيدين ليكونوا كوادر وأعضاء في الحزب الجديد.

يعلم السويدي أن هذه الطريقة تمكنه من تأسيس حزب قوي، لديه نفوذ عند المسؤولين، ويشترك في عضويته قطاع واسع من المصريين، ممن لفظوا فكرة العمل الحزبي لفشل الأحزاب نفسها في الوصول إليهم، ويغري السلطة أن تقبل فكرة وجود حزب حاكم يتمتع بشعبية في الشارع.

بالتوازي مع كل هذه المسارات، يسعى إلى ترسيخ فكرة السياسي الناجح، بشكل يجعله الرجل الأمثل لرئاسة الحزب الحاكم، ورغم وجود عدد كبير من السياسيين في “ائتلاف دعم مصر” نجح في إبعادهم عن صدارة المشهد وعدم التحكم في صناعة القرار البرلماني.

من مميزات السويدي، للنظام السياسي الحالي، أنه بلا سمعة سياسية مشوهة وغير مرتبط بالأنظمة السابقة، ولم ينل أحد من نزاهته، بل يمكن توظيفه على أنه وجه جديد على الساحة، ولم يثر حوله لغط أو صوبت له اتهامات في قضايا فساد، لأنه كان بالأساس رجل صناعة يتماشى مع توجهات السلطة التي تهوى تدوير الوجوه التي تتصدر المشهد.

المستثمرون ورجال الأعمال يبدو وكأنهم هم الفئة المستفيدة من وجود السويدي على رأس الأغلبية البرلمانية. ويتعامل هؤلاء معه على أنه أفضل من يحقق مصالحهم مع الحكومة، من خلال تقديم مشروعات قوانين تعظم مكاسبهم وتدافع عن قضاياهم.
المستثمرون ورجال الأعمال يبدو وكأنهم هم الفئة المستفيدة من وجود السويدي على رأس الأغلبية البرلمانية. ويتعامل هؤلاء معه على أنه أفضل من يحقق مصالحهم مع الحكومة، من خلال تقديم مشروعات قوانين تعظم مكاسبهم وتدافع عن قضاياهم.

لا يمانع أحيانا من الدخول في مواجهة مع ممثل الحكومة في البرلمان، ويتهمها بالتقصير في بعض الملفات الخدمية والتقاعس عن تخفيف معاناة الطبقة البسيطة، لكن في الوقت ذاته، يتهم المعارضة البرلمانية بأن بعضها يخضع لجذب الإعلام إليهم، ويبرر ذلك بأن الصوت العالي والكلام الشعبي ليس حلا للمشكلة.

أراد من وراء التلويح بتحويل ائتلاف الأغلبية لحزب سياسي مساند للرئيس السيسي، أن يقدم نفسه للشارع أنه بديل الحكومة عن تقصيرها في تقديم خدمة أو حل مشكلة، ويتحدث عن توفير أعضاء الائتلاف 5 ملايين فرصة عمل، والتدخل لخفض الأسعار، وتوصيل المرافق للناس، وتوفير الرعاية الصحية بالمستشفيات.

ولعله يدرك أنه كلما لعب على وتر نقد الحكومة في ملفات تمس حياة الناس، يبعد عن نفسه تهمة الارتماء في أحضانها والسير وفق توجهاتها أو استخدامه أداة لتحريك دفة الأغلبية لتمرير تشريعات وقوانين بعينها.

تبقى مشكلة السويدي الحقيقية، أنه يتحدث في اتجاه والرأي العام يسير في اتجاه آخر. يعتبر أن كل القرارات الاقتصادية التي جرى اتخاذها الأشهر الماضية جيدة، ما جعل متابعين له يتعاملون معه على أنه الظل الاقتصادي السياسي الذي يمثل الورقة الرابحة لدى أجهزة الحكومة لإقناع الناس بأن مصر تسير على الطريق الصحيح، وهو لا يتردد في ذلك.

لم يستطع السويدي خلع عباءة رجل الأعمال تماما، لذلك توجه إليه انتقادات من وقت لآخر، بأنه مستفيد من القرارات الاقتصادية التي تم اتخاذها مؤخرا، ما جعله محسوبا، من حيث لا يدري، على الحكومة أكثر من كونه رقيبا على قراراتها وسياساتها.

يبدو المستثمرون ورجال الأعمال هم الفئة المستفيدة من وجود السويدي على رأس الأغلبية البرلمانية. ويتعامل هؤلاء معه على أنه أفضل من يحقق مصالحهم مع الحكومة، من خلال تقديم مشروعات قوانين تعظم مكاسبهم وتدافع عن قضاياهم، لأنه في النهاية لا ينسى أنه رجل أعمال يقيس القضايا بمعادلة المكسب والخسارة.

لذلك، تظل مساعي السويدي لبناء حزب سياسي قوي، متعارضة مع أو مصطدمة برفض قطاع كبير من المواطنين لرأسمالية العمل الحزبي، لأن هذه النوعية من الأحزاب تفشل في الوصول إلى البسطاء والنخبة بسهولة، وتقوم أفكار قادتها على التوجه الاقتصادي أكثر من التحرك السياسي في الملفات التي تلامس متطلبات وحاجات جميع فئات المجتمع.

12