محمد الصالح يحياوي جريح الجزائر يخرج من عزلته إلى قبره حاملا صندوقه الأسود

علاقة الحزب الحاكم بالسلطة لم تسمح للمناضل محمد الصالح يحياوي خلال سنوات قيادته له، بتكريس رؤيته لحل إشكالياتها، التي رأى أنها تعود إلى سنوات ثورة التحرير.
السبت 2018/08/25
محمد الصالح يحياوي الثورة المضادة تأكل وطنيي الجمهورية تباعا

حاملا معه أسراره إلى الأبد، رحل المناضل التاريخي والقيادي السابق في حزب جبهة التحرير الجزائرية محمد الصالح يحياوي إلى عالم الأموات، تاركا وراءه الكثير من الأسئلة والاستفهامات لدى نخبة تريد الاطلاع على خبايا إحدى المراحل الحساسة في تاريخ الجزائر، ولسوء حظها وحظ الأجيال الشابة أن الموت كان أسرع من الفقيد الذي اعترف في آخر أيامه بأنه لم يقل أي شيء.

سيبقى صمت يحياوي، طيلة أربعة عقود كاملة، في حكم التاريخ، فبقدر ما يكون من باب الحكمة التي تقدس مصلحة الوطن وتتعالى عن الحسابات الشخصية، يمكن أن يكون أيضا سكوتا عن حقائق وأسرار من حق الأجيال الصاعدة أن تعرفها، فالرجل الذي عاصر ثورة التحرير ومختلف تحولات مرحلة الاستقلال ظل يتحاشى الأضواء إلى أن وافاه الأجل.

وعلاوة على دوره أثناء حرب التحرير، ووقوفه على تجاذبات التيارات السياسية والأيديولوجية التي تصارعت على قيادة الثورة، هو واحد من الشخصيات الثماني التي قادت انقلاب 1965 بقيادة الرئيس الراحل هواري بومدين، تحت مسمى “مجلس الثورة”، وقائد حزب جبهة التحرير الوطني خلال حقبة الأحادية، وأحد الذين طرح اسمهم بقوة لخلافة هواري بومدين نهاية السبعينات.

ورغم الشهادات التي عرضت في تأبينية نظمتها صحيفة “الحوار” المحلية، إلا أن الكثير من القضايا ستبقى غامضة للأبد، لا سيما سر العلاقة الحميمية التي كانت تربطه بالقائد الليبي الراحل معمر القذافي، الذي كان لا يزور الجزائر دون أن يقابل صديقه الحميم يحياوي، فضلا عن خصومه الذين لم يفصح عنهم، وصراع الأجنحة النافذة داخل السلطة، لا سيما ذلك المتصل بتيار الثورة المضادة “حزب فرنسا”.

ولم يعرف عن يحياوي الخوض في المسائل والملفات الشائكة، رغم الظروف العصيبة التي مرت بها البلاد، بداية من عهد الانفتاح الديمقراطي، والحرب الأهلية، ومرحلة عبدالعزيز بوتفليقة، وقبلها أحداث أكتوبر 1988، وسيناريو سقوط رهان الاثنين “يحياوي وبوتفليقة” في خلافة بومدين، بعد أن فرضت المؤسسة العسكرية خيارها المتمثل في العقيد ومنسق الجيش الشاذلي بن جديد، لقيادة البلاد.

خالد بن الوليد الجزائري

محمد حسنين هيكل يسجل في أرشيفه انطباعه عن يحياوي، وذلك بقوله إنه “شخص لا يشبه العسكر، إنه رجل مستنير ومثقف. إنه مثقف برتبة عقيد”، وهو الانطباع الذي خرج به بعد المقابلة الصُّحافية التي أجراها معه في 1974
محمد حسنين هيكل يسجل في أرشيفه انطباعه عن يحياوي، وذلك بقوله إنه “شخص لا يشبه العسكر، إنه رجل مستنير ومثقف. إنه مثقف برتبة عقيد”، وهو الانطباع الذي خرج به بعد المقابلة الصُّحافية التي أجراها معه في 1974

الإعلامي محمد يعقوبي وصف رحيل يحياوي بـ”ضياع كنز تاريخي”، فقد ضيع على النخب الجزائرية الاستفادة من شهادة أحد صناع الثورة وسلطة الاستقلال، لا سيما أن ما جاء في كتاب “رحلة في زمن الحزب الواحد”، لم يرو شغف المتتبعين والشغوفين، وحتى الرجل اعترف بأن “الكتاب تضمن سلسلة مقالات ومقابلات صحفية، ولم يرق إلى مستوى المذكرات، وأنه لم يقل أي شيء”، في إشارة إلى ثراء مسار وذاكرة عجلت بها الأقدار للرحيل الأبدي.

يلقب يحياوي بـ”جريح الثورة “، قياسا بالإصابات العديدة التي تلقاها أثناء خوضه مع رفاقه معاركَ التحرير ضد الجيش الفرنسي، ومات وفي جسمه بعض من رصاصات الاحتلال التي سكنت جسده وأبت الخروج، وهو ما أثر على صحته بشكل عام في سنوات عمره الأخيرة، ومع ذلك رفض العلاج في المستشفيات الفرنسية كما يفعل كبار المسؤولين وضباط الجيش، وتنقل إلى الأردن للعلاج.

وهناك يذكر شهود أن الطاقم الطبي الأردني تفاجأ بكثرة وعمق الإصابات التي تمزق جسد الراحل، وصاح أحدهم “هذا خالد بن الوليد الجزائري”، قياسا بإصاباته الكثيرة، ورغم ذلك عاش متعففا وزاهدا في حياته، رغم أنه قضى سنوات طويلة في هرم السلطة، وكان بإمكانه الاستفادة من ريع السلطة كما يستفيد منها الآخرون.

ويرى المتابعون أن الحزب الحاكم في البلاد -“جبهة التحرير الوطني”- الذي يتخبط في أزمات مزمنة بسبب علاقته مع السلطة ودوره في المشهد العام، عاش أزهى أيامه خلال فترة الأحادية لما قاده يحياوي، وخلال التعددية الحزبية تحت قيادة الراحل عبدالحميد مهري، لأن الرجلين فهما العلاقة المثالية للحزب بالسلطة، وصفة الحاكم لا تعني أن يُحكم به.

الحزب والسلطة

ولفت الباحث والإعلامي المخضرم سعد بوعقبة إلى أن الرجل ملك شخصية منفتحة خلال اضطلاعه بمهام عسكرية في مؤسسة الجيش، حيث كان أول المبادرين بإطلاق مجلة الجيش لتكون لسان حال المؤسسة ونافذتها على المجتمع الجزائري، إذ استدعى الصحافيين المجندين إلى مكتبه في الأكاديمية العسكرية بشرشال عام 1972، ليكلفهم بإطلاق المشروع الإعلامي.

يحياوي يلقب بـ"جريح الثورة"، قياسا بالإصابات العديدة التي تلقاها أثناء خوضه مع رفاقه معاركَ التحرير ضد الجيش الفرنسي، ومات وفي جسمه بعض من رصاصات الاحتلال التي سكنت جسده، وهو ما أثر على صحته بشكل عام في سنوات عمره الأخيرة، ومع ذلك رفض العلاج في المستشفيات الفرنسية كما يفعل كبار المسؤولين وضباط الجيش، وتنقل إلى الأردن للعلاج

وذكر أنه “بعد تعيين يحياوي على رأس الحزب، شهدنا مع قدومه حركة جدية لم يشهدها الحزب من قبل، من حيث الجدية والتنظيم والصرامة، وأشهد أنه جلب معه مجموعة من المعربين الأكفاء من أمثال علي بن محمد، عبدالمجيد شيخي، وبشير خلدون، وتحول الحزب إلى خلية نحل وانفتح إعلامه على ملاحقة التقصير في عمل الحكومة بحرية أكبر”.

ظل يحياوي متحفظا خلال مسيرته على علاقة الحزب الحاكم بالسلطة، ولم تسمح له سنوات قيادته له بتكريس رؤيته لحل إشكالية العلاقة المذكورة، التي رأى أنها تعود إلى سنوات ثورة التحرير، ولم تحل المسألة خلال الاستقلال، حيث ظل الحزب جهازا تدار به شؤون البلاد، وتمرّر عبره مشاريع وخطاب السلطة، وليس حزبا سياسيا يعين الحكومة ويراقب عملها ويحاسبها على أخطائها.

وعلى عكس المتربصين بفرص العودة إلى الواجهة متى أتيحت لهم الفرصة، وتوظيف رصيدهم للاغتراف من ريع السلطة، فإن الرجل اعتذر للرئيس السابق اليامين زروال، في تسعينات القرن الماضي، عن شغل منصب في منصبه لمساعدته على إدارة شؤون البلاد، لأنه كان يدرك أن ظهوره مجددا سيستفز خصومه ويعرقل مهام صديقه ورفيقه.

ويذكر الوزير السابق محي الدين عميمور أنه حدث أن دخلت حكومة بومدين في استقطاب مع الخبازين في سبعينات القرن الماضي، ولما حاول بعض المسؤولين الاستنجاد بمسؤولي الحزب للتأثير على حراك هؤلاء رد عليهم يحياوي بالقول “الحزب ليس بوقا للحكومة”.

وهي المقولة التي عكست تأسيس الرجل لمقاربة جديدة في مسار الحزب الحاكم، تقوم على ممارسة دور الرقابة والنقد للأجهزة والمؤسسات التنفيذية للدولة، وإخراجه من بوتقة التبعية والانصياع للحكومة، وإرساء علاقة جديدة بينه وبين المؤسسات المذكورة، وهو ما أزعج حينها أطرافا عديدة في السلطة.

ويبقى يحياوي من الشخصيات المستنيرة والمثقفة، ولم تمنعه خلفيته العسكرية في مؤسسة الجيش، ولا ظروف ثورة التحرير من الإلمام بمختلف صنوف الفكر والثقافة، والتحكم في اللغة العربية، حيث كان من القلائل الذين يجيدونها، ويصنعون الاستثناء في جيل حرمه الاستعمار من هويته وثقافته.

وكان محمد حسنين هيكل قد قال عن يحياوي إنه “شخص لا يشبه العسكر، إنه رجل مستنير ومثقف. إنه مثقف برتبة عقيد”، وهو الانطباع الذي خرج به بعد المقابلة الصحافية التي أجراها معه في 1974، في الأكاديمية العسكرية بشرشال، التي كان يديرها آنذاك وهو برتبة عقيد.

مصير سعد زغلول

يحياوي يُعرف بمقولته الشهيرة في حضرة الرئيس الراحل هواري بومدين ذي الشخصية الحازمة والصارمة، “لسنا ندري سيدي الرئيس لماذا ننفذ أوامرك بدون نقاش، هل لأننا نحبك أم لأننا نخشاك”
يحياوي يُعرف بمقولته الشهيرة في حضرة الرئيس الراحل هواري بومدين ذي الشخصية الحازمة والصارمة، “لسنا ندري سيدي الرئيس لماذا ننفذ أوامرك بدون نقاش، هل لأننا نحبك أم لأننا نخشاك”

وخلال حقبة العزلة والاعتكاف التي لازمها طيلة أربعة عقود، مر بمرحلة تشبه المرحلة التي عاشها الزعيم المصري سعد زغلول، حسب يعقوبي، فقد كان سعد زغلول أكثر المصريين الذين حاربوا الإنكليز بالمال والمظاهرات، وحتى الدعم المسلح للمناضلين، بل ضيع شبابه يربي المصريين على الحرية والاستقلال والكرامة، وقياداته على القوة والصمود.. فناله ما ناله من عملاء الإنكليز، لكنه ظل يقدم لشعبه ما لم يقدمه سابقوه ولاحقوه في محاربة الاستعمار.

أما ما أشيع عن صراع شرس بينه وبين الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، على خلافة الرئيس الراحل هواري بومدين مطلع عام 1979، فإن أغلب الجزائريين كبارا وصغارا، يعتقدون أن وفاة الرئيس بومدين نهاية أشعلت حربا شعواء بين وزير الخارجية آنذاك، عبدالعزيز بوتفليقة، والرجل الأول في الحزب، يحياوي، للتنافس على خلافة الراحل، وهي وقائع مزورة لا أساس لها من الصحة، وربما ساهمت المخابرات آنذاك في الترويج لها، حتى تفرض منطق الغلبة لمن تريده خليفة للرئيس بومدين.

ويعد يحياوي شاهداً حقيقياً ملك تفاصيل اعتلاء العقيد الراحل الشاذلي بن جديد منصب رئاسة الجزائر في مطلع عام 1979، بضغط من المؤسسة العسكرية، ودعم مما يعرفون بـ”ضباط فرنسا”، الذين التحقوا بصفوف الثورة في آخر أيامها من أجل التغلغل في منظومة الاستقلال، وتنفيذ أجندة التبعية، حيث ظهر محيط جديد في قصر الرئاسة مكون من شخصيات وعسكريين، على رأسهم الجنرال الراحل العربي بلخير، شرع في محو رصيد وتركة الرئيس هواري بومدين، بدعوى الإصلاحات والانتقام من التيار الوطني وإبعاد رموزه تباعا من مراكز القرار.

وسيكون وفاء يحياوي لرفيق دربه هواري بومدين، وللخط السياسي المنتهج في سبعينات القرن الماضي، سبب الدسائس التي لاحقته بعد رحيله، فالجرأة التي كان يحملها على مواجهة الرئيس كانت تعكس قناعته بحاجة المنهاج إلى تقويم وإصلاحات، وهو المشروع الذي كان يحضّر له بومدين لولا رحيله المثير في عز الشباب.

وهو المعروف بمقولته الشهيرة في حضرة هواري بومدين ذي الشخصية الحازمة والصارمة، “لسنا ندري سيدي الرئيس لماذا ننفذ أوامرك بدون نقاش، هل لأننا نحبك أم لأننا نخشاك”، وقولته أيضا “إذا كنت تنوي الإبقاء على الحزب جهازا، فالأفضل لي البقاء في أكاديمية شرشال لأنها الجهاز الأقوى، وإذا كنت تريده حزبا، فلنترك المناضلين يسترجعون سيادتهم وقرارهم”.

وتعتبر حادثة انتفاضته في وجه مدير الاستخبارات الراحل قاصدي مرباح، على خلفية رفضه تدخل الحزب في شؤون الحزب والمناضلين، وشعار “نعم للمراجعة. لا للتراجع”، الذي رفعه في خطاب عيد العمال عام 1979، للتأكيد على الوفاء واستمرار خط هواري بومدين، فضلا عن الوشايات ومحاولات الوقيعة بينه وبين الرئيس الشاذلي بن جديد، القشة التي قصمت ظهر البعير، وأحالته على عزلة طويلة لم يخرج منها إلا إلى قبره.

12