محمد الطالبي: أواجه سيد قطب من خلال القرآن والعقلانية ونور الحداثة

المواجهة حتمية مع الإسلام السياسي، ومن خلالها نسترجع تسيدنا ـ نحن العقلانيون ـ على نصوص ديننا الإسلامي وأن ننير معتنقيه بأن الإسلام دين للحياة وليس للموت، حياة الأنا والآخر والعالم.. هذا ما أراد المفكر التونسي محمد الطالبي قوله في آخر ندوة له أقامها في دار الكتب الوطنية بتونس، مؤكدا أن النص القرآني قد تعرض لمظلمة تاريخية خطيرة، تتمثل في الزج به داخل منطق “آلي وأحادي” مركب بعقل سياسي باحث عن السلطة لا بعقل فقيه يبحث عن الخير والصلاح.
الاثنين 2015/06/15
تميز الطالبي يكمن في تفكيك بنية الفكر الإخواني واستخلاص مغالطاته

في ندوة حضر فيها جملة من الأكاديميين والطلبة والإعلاميين، تحت عنوان “القتال والجهاد في القرآن بين النص والتأويل”، أكد الباحث التونسي في التاريخ الإسلامي محمد الطالبي أنه “على قارئ النص القرآني مراعاة القصد من الكتاب المقدس وأهداف الشريعة وليس الأحكام الحرفية الصادرة عنه”، ما سيترك مجالا لقارئ القرآن أن يتدبر ويعمل عقله وينظر في الحياة والكون وأن “يمارس حقه في الفهم والتأويل”.

وقد مثلت هذه الدعوة إلى “الآلية العقلية في قراءة النص الإلهي” مقدمة للدخول إلى نقد مسلمّات ومصادرات “سيد قطب مؤسس العنف المقدس في الحركة الإسلامية في القرن العشرين”، إذ أكد الطالبي على أن قطب ارتكب جرما في حق الإسلام، وهو الزج بكلام الله داخل بناء فكري مركب يتغذى من النص لينتج الإرهاب.

إنه استنباط ذكي لآلة فكرية خطيرة، قام باختراعها سيد قطب لسجن عقل القارئ داخل إطار مغلق ومتناغم يتمثل في أن “العنف مصدر البقاء في السلطة وهذا ما أمرنا به الله”. غير أن الطالبي أكد أن تفكيك هذا المنطق أمر بسيط ويمكن أن يدمّر هذا البناء الوهمي الذي صنعه قطب بدهاء، “فقط يجب التأني في قراءة كتب سيد قطب بعد التشبع بقراءة القرآن، ليظهر التناقض سريعا بين النص الإسلامي المقدس وكلام الإخواني المصري”، الذي وإن اصطبغ بمفاهيم دينية، إلا أنه كلام سياسي بامتياز.

وأشار محمد الطالبي خلال ندوته إلى أن الأزمة التي سببها سيد قطب على المستوى الفكري تكمن أساسا في “الفصل بين العقيدة والدين”، وفسّر الأمر على أنه تلاعب خطير ومتحايل على مستهلك فكر قطب.

على قارئ النص القرآني مراعاة القصد من الكتاب المقدس وأهداف الشريعة وليس الأحكام الحرفية الصادرة عنه

إن الفصل بين العقيدة والدين في طروحات سيد قطب يعني القول بشخصية العقيدة، من حيث ارتباطها بالذات واعتبارها شأنا خاصا، أما الدين “فهو عند الله الإسلام”، أي أن الدين الإسلامي هو الذي يجب أن يحكم العالم ويسيطر عليه بشكل تام. وهذا الطرح هو جوهر طرح السيد قطب، الذي وإن اعتبر العقيدة شأنا ذاتيا إلا أنه قد أكد ضرورة افتكاك ضريبة الجزية من غير المسلمين. وفي كلتا الحالتين تنتهي الحداثة وقيم المواطنة والمؤسسات “وتصبح الدولة فضاء يحكمه رجل يلبس عباءة دينية وربما لا يفهم في الدين”.

بمعنى آخر، يفسر الطالبي فكرة سيد قطب على أنها “تجريد تام للإسلام من بعده الروحي والمجتمعي ليصنع منه آلة سياسية ـ دينية مستقلة عن قناعات الناس ومفروضة عليهم، في إطار “دولة دينية.. دولة الظلام” كما سمّاها. أما الشأن الذاتي فيما يخص العقيدة، فذلك أمر أقل أهمية نظرا لوجود النظام السياسي “الإسلامي” الذي سيجبر الفرد ـ حتى وإن كانت له عقيدة أخرى غير الإسلام ـ على الولاء والطاعة للحاكم باسم الله.

الفصل إذن بين الدين والعقيدة هو الارتكاز النظري لمقولة “الحاكمية” التي طوّرها سيد قطب نقلا عن أبي الأعلى المودودي الإسلامي الباكستاني، وتؤكد نظرية الحاكمية ما ذهب إليه سيد قطب من أن “الإسلام يجب أن يكون مصدر السلطة، وأن تنبثق كل المؤسسات عن الشريعة الإسلامية”، لكن يبقى السؤال مطروحا بشكل دائم: من سيمثل الإسلام؟ ومن سيأخذ مكان الله في الحكم؟

وقال الطالبي إنه “وإن ارتكزت نظرية الفصل بين العقيدة والدين على نصوص من القرآن، فإن تلك النصوص قد أخرجت من سياقها وزجّ بها داخل آلة تفكير موضوعة من قبل قطب تمثل خطرا على قارئها”. مشيرا إلى أنه مؤهل لمواجهة قطب وإيقاف انتشار أفكاره لأن مرجعيته قرآنية.

وأكد الطالبي أن الإخواني المصري سيد قطب ليس سوى شخص “مريض نفسي، ومصاب بالفصام” فهو دائم التكرار للأشياء التي يكتبها وهو شخص متحمس وقوي، الأمر الذي مكنه من خلق انطباع له لدى الناس.

الطالبي فسر فكرة سيد قطب على أنها “تجريد تام للإسلام من بعده الروحي والمجتمعي ليصنع منه آلة سياسية ـ دينية مستقلة عن قناعات الناس"
وأشار الطالبي إلى أن سيد قطب كان طالبا يساريا قبل أن يتبنى فكر الإخوان، “فبعد أن عاد من رحلته إلى أميركا في الأربعينات، انقلبت أفكار قطب تماما وأصبح ينظر للإرهاب من خلال تحريف نصوص الله”.

وفي سياق الحديث عن آليات مواجهة “الأفكار القطبية”، أكد محمد الطالبي أنه “على الجميع الاعتراف أن كل حركات الإسلام السياسي بشكليها الحزبي والميليشوي المسلح تتغذى من كتابات سيد قطب وهذا ثابت”، وبعد الاعتراف بذلك على كل المفكرين والعلماء والفقهاء في الدين والعلوم الاجتماعية والصحافة والسياسية أن يواجهوا سيد قطب “بنور العلوم والفنون والتربية والتطور”.

وقال الطالبي إن “المواجهة العسكرية ضرورية لكنها غير كافية، وفي حالة اختزال الحرب على الإرهاب فقط بالسلاح، فإن ذلك العلاج لن يكون سوى ‘عوارضيا’ يداوي خارج الداء ولا يقضي على لبّه”.

أما عن مشروع الحداثة الفعلي الذي يطالب به المفكر الإسلامي التونسي محمد الطالبي، فقد أكد أن نقطة الانطلاق فيه تكمن في تجديد الفكر الديني، بجرأة ووضوح وأنه على العقول “أن تواجه تراثها وماضيها بصراحة، هناك أخطاء في تاريخنا يجب الكشف عنها والإشارة إليها قبل التوجه إلى الأمام، حتى إذا ما تقدمنا إلى العالمية نكون قد حملنا تراثا متصالحين معه وننخرط بثرائنا في العالم الذي يقاوم من أجل الحياة”.

13