محمد العصار.. عسكري وضع التسليح والسياسة والأمن في حقيبته ولم يغادر

السبت 2013/11/23
العصار.. رجل خبير في مواجهة الصحافة

في مساء يوم الأحد 4 أكتوبر من عام 2011، نظم عدد من شباب الأقباط مسيرات سلمية احتجاجا على هدم كنيسة في قرية المريناب بمحافظة أسوان جنوب مصر، وتوزعت المسيرات على أنحاء متفرقة من القاهرة، بينما اتجه العدد الأكبر إلى مبنى "ماسبيرو".

كانت مصر تمر بحالة احتقان عميق، وكان المجهول يلوح في الأفق من وراء الغيوم التي سيطرت على الأجواء السياسية، ومثل التخبط والارتباك السمة الأساسية التي سيطرت أنذاك على قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في إدارتهم للمرحلة الانتقالية المتعثرة.

كان علي السلمي نائب رئيس الوزراء قد أصدر وثيقة استرشادية للجنة الموكلة بكتابة الدستور الجديد أطلق عليها اسم «وثيقة المبادئ الدستورية»، تسببت في صب الزيت على النار وفي إشعال الموقف المتأزم، بسبب وضعه القوات المسلحة فوق جميع مؤسسات الدولة، وتحصين ميزانيتها ضد المناقشة في مجلس الشعب المنتخب، واختيار قياداتها بعد موافقة كبار الضباط أولا. في هذه الأثناء كانت العلاقة بين الإخوان المسلمين والسلفيين من جهة، والأحزاب المدنية والقوى الثورية من جهة أخرى قد بدأت بالدخول إلى نفق مظلم من الاستقطاب والانقسام، سيستمر في شطر المجتمع المصري إلى نصفين حتى سقوط محمد مرسي في الثالث من يوليو الماضي.

توجهت المظاهرة إلى مبنى ماسبيرو وبدأ الشباب القبطي، المدعوم من آخرين مسلمين، في الهتاف ضد الحكم العسكري، والمطالبة بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة في أسرع وقت، لكن هذه المظاهرة قوبلت بعنف مفرط من قبل قوات الشرطة العسكرية.

حينها ظهر اللواء محمد العصار لأول مرة على شاشات القنوات الفضائية للحديث عن «مذبحة ماسبيرو» والتعهد بأنها لن تتكرر مرة أخرى، وكان وقتها بصحبة اللواء محمود حجازي، الذي أصبح فيما بعد مدير المخابرات الحربية بدلا من الفريق أول عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع الحالي.

يحمل العصار ملامح أبوية حنونة يسيطر عليها الوقار، ويتضح من كلماته أنه رجل خبير بمواجهة الصحافة والإعلام، ربما لاحتكاكه المستمر بهما أثناء رحلاته المتتالية للولايات المتحدة. في تلك الليلة تعرّف الشعب المصري على الرجل القوي في القوات المسلحة، وأقدم لواءاتها.


أحداث محمد محمود


نجح العصار يومها في اجتياز الاختبار الصعب في التواصل مع الجماهير الغاضبة، لكن ثمار نجاحه لم تستمر طويلا قبل أن تسقط من على الأغصان، ففي 19 من نوفمبر التالي أقدمت قوات من الشرطة على فض اعتصام مجموعة قليلة من أهالي الشهداء في ميدان التحرير بالقوة، وبدأ النشطاء السياسيون والثوريون في النزول لاستكشاف الأمر، فقوبلوا بهجوم عنيف من قبل قوات الأمن المركزي المسؤولة عن تأمين مبنى وزارة الداخلية، الواقع على امتداد شارعين فقط من الميدان.

بعد 18 ساعة من الكرّ والفرّ بين قوات الشرطة، التي استخدمت قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والخرطوش وأحيانا الرصاص الحي، وبين المتظاهرين الذين بادلوهم الرشق بالحجارة والقنابل الحارقة (المولوتوف)، انسحبت القوات من محيط التحرير، وعاد بعض المعتصمين للإقامة في الميدان في انتظار غروب شمس الأحد 20 نوفمبر الذي شهد مأساة عميقة. يومها كنت في مكتب «قناة العربية» الواقع على كورنيش النيل، وعلى بُعد بضعة أمتار من ميدان التحرير، وشاهدت على شاشات التلفزيون، كما الشعب المصري كله، قوات الأمن المركزي مدعومة بعناصر الشرطة العسكرية تقتحم الميدان، وتضرم النيران في خيام المعتصمين وفي الدراجات البخارية، وتلقي جثث الضحايا الذين سقطوا إثر عملية الاقتحام بجوار تجمعات القمامة، المشهد الذي ترك أثرا عميقا في نفوس المصريين، وتعرضت على إثره العلاقة الشهيرة بين الشعب المصري وجيشه لاهتزاز عنيف.

بعد ذلك بعدة أشهر التقيت بالدكتور أحمد حسن البرعي وزير التضامن والعدالة الإجتماعية، الذي كان يشغل منصب وزير القوى العاملة والهجرة آنذاك، قال لي إنه لم ير الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء وقتها، وقد وصل إلى هذه المرحلة من الغضب في حياته، وأن وزير الداخلية منصور العيسوي كان يجلس بجواره في اجتماع مجلس الوزراء، ونفى علمه باقتحام الميدان أو إصدار أوامر بذلك.

غير أن بعض السياسيين الذين تحدثت إليهم لاحقا عن الواقعة، وكانوا في شارع محمد محمود يحاولون إجراء حوار بين المتظاهرين والشرطة، قال أحدهم لي إنه بعد أن أعلن وزير الداخلية تقديم استقالته وبقائه في منزله أجرى اتصالا هاتفيا على هاتف الوزير الشخصي لكنه لم يجب، فلجأ هذا السياسي إلى الاتصال بالهاتف الأرضي لمكتب الوزير، لطلب المساعدة وإصدار أوامر للشرطة بوقف إطلاق النار، وفوجئ بالشبح الذي أدخل الرأي العام المصري كله في حيرة من أمره، والذي كان يدير المشهد من وراء الستار يتحدث إليه على الجانب الآخر، وعرف أن ذلك الشبح لم يكن غيره، اللواء محمد العصار.

كان العصار المحرك الرئيسي لوزارة الداخلية في عهد المجلس العسكري، والمدير الفعلي لكافة أجهزة الأمن الداخلي في مصر، وشكل مع الفريق سامي عنان، رئيس الأركان أنذاك، مركز الثقل في معادلة القوة داخل أروقة الحكم.

أسهم انتماء العـصار إلى المدرسة السوفيتية داخل الجيش المصري في تكوين بنيته كضابط كلاسيكي في العقيدة، عسكري صارم في الأداء


الصندوق الأسود


تخرّج العصار من الكلية الفنية العسكرية عام 1967 وشارك في حرب الاستنزاف، ثم كان أحد عناصر سلاح المهندسين الذين نفذوا عملية اقتحام خط بارليف المنيع الذي شيّده جيش العدو الإسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس. ارتقى العصار في المناصب داخل القوات المسلحة حتى أصبح على رأس هيئة التسليح المسؤولة عن التعاقد على صفقات الأسلحة ودخولها وخروجها من الخدمة، بداية من البندقية وحتى الدبابات والطائرات والأقمار الصناعية، وظل في منصبه طوال سبع سنوات، حتى أحيل إلى التقاعد في «حركة الضباط» التي أجراها المشير محمد حسين طنطاوي عام 2003.

لكن العصار الذي يعلم جميع الأسرار المتعلقة بالصفقات والميزانيات الخاصة بالتسلح في أقوى الجيوش العربية والأفريقية على الإطلاق، لم يكن مناسبا له أن ينتهي به الأمر في بيته يقرأ الصحف ويخرج للتنزه ويقضي وقت فراغه في زيارات للعائلة والأصدقاء، بل تم ترقيته في نفس اليوم الذي تقاعد فيه، وتم استحداث منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون التسليح الذي لم يكن موجودا من قبل خصيصا له، وبات منذ ذلك الوقت الرجل الثالث عمليا داخل القوات المسلحة المصرية. ظلت القيادات العليا للقوات المسلحة دائما بعيدة عن الأنظار، وحرص النظام السابق على وضع مسافة كبيرة بينهم وبين وسائل الإعلام، كجزء من عقيدة ثابتة تقوم على السرية في كافة النشاطات المتعلقة بالشؤون العسكرية.

لكن عام 2008 شهد خروجا على هذه القواعد الراسخة لأول مرة، عندما بدأت الولايات المتحدة تنفيذ خطة شاملة للضغط على الرئيس الأسبق حسني مبارك ومحاولة إقناعه بضرورة تغيير عقيدة القوات المسلحة التي تقوم على الاستعداد الدائم للدخول في صدام بين جيشين متقابلين. كانت واشنطن في ذلك الوقت توشك على الانتهاء من تنفيذ استراتيجيتها في الحرب على الإرهاب التي بدأت في تنفيذها بعد أحداث 11 سبتمبر2001 مباشرة، وكانت تسعى إلى استكمال الخطة من خلال إيجاد كيانات قوية في منطقة الشرق الأوسط للقيام بمهام بديلة عن القوات الأميركية، وبدأت تضغط لتحويل فرق كاملة داخل الجيش المصري إلى وحدات متخصصة في مكافحة الإرهاب.

أدرك مبارك أن الخطط الأميركية لتغيير عقيدة الجيش المصري التي تقوم بالأساس على مواجهة إسرائيل لا تصب إلا في مصلحة تل أبيب، فكان لابد من إنهاء هذه المشكلة بشكل حاسم، حتى لا يتحول الأمر إلى قضية جدلية واسعة النطاق. تم الاستعانة بالرجل القوي لوضع حد لتلك الافتراضيات، والإعلان عن رفض قيادة الجيش المصري للعروض المقدمة من واشنطن، وإغلاق النقاش فيه إلى الأبد، ولم يكن ذلك سوى.. العصار.

في أكتوبر من عام 2010 كشفت وثيقة استخباراتية أميركية محررة في 28 فبراير من نفس العام أن العصار كان المسؤول الأول عن ملف إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، وأظهرت الوثيقة لأول مرة رأي قيادة الجيش المصري، في اجتماع العصار مع الجنرال كولن كال الذي كان وقتها مسؤولا عن صفقات التسليح الأميركية في الخارج، من أن إيران تمثل تهديدا كبيرا للمنطقة، وظهر في هذا الاجتماع انزعاج القيادة العليا من أذرع طهران في العراق ولبنان وفلسطين، إلى جانب توجيه انتقادات لاذعة للملف النووي الإسرائيلي. ولكن كما لم تطح به حركة الترقيات في 2003، حافظ العصار (البالغ من العمر 71 عاما) على موقعه بعد سقوط نظام مبارك، وبعد الإطاحة بالمجلس العسكري في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، وكذلك بعد الموجة الثانية من الثورة التي أزاحت بدورها الإخوان من السلطة في 30 يونيو الماضي.

كان العصار المحرك الرئيسي لوزارة الداخلية في عهد المجلس العسكري، والمدير الفعلي لكافة أجهزة الأمن الداخلي في مصر، وشكل مع الفريق سامي عنان، رئيس الأركان آنذاك، مركز الثقل في معادلة القوة داخل أروقة الحكم

أسهم انتماء العصار إلى المدرسة السوفيتية داخل الجيش المصري في تكوين بنيته كضابط كلاسيكي في العقيدة، عسكري صارم في الأداء، وأدى انفتاحه على القوى الغربية، وإجادته للغة الإنكليزية إلى بقائه في موقعه كوزير خارجية للقوات المسلحة على مدار ثلاثة أنظمة متعاقبة.

كانت سمات العصار المتمثلة في ابتعاده الدائم عن الانفعال على الرغم من شراسته في بعض الأحيان، إلى جانب عقيدته العسكرية الراسخة سببا في أن يدفع به الفريق السيسي للتفاوض مع قيادات الإخوان المسلمين خلال المراحل الأولى التي أعقبت سقوط نظام مرسي، وعلى ما يبدو أن الرجل كان حازما كعسكري لا يعرف الطرق الوعرة التي يلجأ إليها الإخوان في التآمر والالتفاف حول عنق الحقيقة، وعقد الصفقات على حساب الأوطان.. ففشلت المفاوضات. لكن يبدو أن فشل تلك المفاوضات كانت سببا في إطلاق التنظيم لشائعة وضع العصار تحت الإقامة الجبرية.


الابتعاد عن المعسكر الغربي


وقتها كان التوتر هو الحالة المسيطرة على العلاقات بين واشنطن والقاهرة، وصعدت الإدارة الأميركية من حدة خشونتها في التعامل مع النظام المصري الجديد عندما قررت تعليق بعض المساعدات العسكرية الموجهة إلى مصر في أكتوبر الماضي على إثر المواجهات التي حدثت بين الأجهزة الأمنية وتنظيم الإخوان. كان العصار في ذلك الوقت قد عاد للتو من رحلته إلى روسيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان، تلك الرحلة التي تم التخطيط لها قبل ذلك بثلاثة أشهر تحسبا للقرار الأميركي الذي كان متوقعا، وكانت مصر قد مهدت الطريق للخروج من مدار الولايات المتحدة لتدخل سوق التسلح العسكري العالمية باتساعها وتعدد أطرافها.

أسفرت رحلات العصار المعلنة وغير المعلنة في النهاية عن الزيارة التاريخية لوزيري الدفاع والخارجية الروسيين في الرابع عشر من الشهر الجاري، وأدت إلى وضع مصر على الطريق المقابل لتلك التي اعتادت أن تسير فيها طوال الأربعين عاما الماضية.

لكن العصار الذي وقف في وجه الدعوات المنادية بإعادة هيكلة وزارة الداخلية المصرية من قبل، وساهم في منح غطاء القوات المسلحة لأجهزة الأمن الداخلي ووضع يده بالفعل على تلك الأجهزة على مدار عام ونصف العام، اختار الانسحاب إلى قواعده القديمة من جديد عقب صدور الأوامر بأن يتوارى عن الأعين كما كان في السابق طوال 46 عاما من الخدمة في صفوف الجيش.

12