محمد العلاف جنرال صلب مكلَّف بمكافحة الفساد

العلاف يتحرك اليوم بقوة مدعومة بالإرادة السياسية الجادة لقطع شأفة الفساد والمحسوبية خصوصا في ظل ما تعانيه المالية العامة للدولة من شح للموارد.
الأحد 2018/08/26
مرحلة أردنية حرجة تفرض الضرب على الأيدي الخفية

تتواصل اليوم، في العاصمة الأردنية عمّان، تصريحات محمد العلّاف مدير هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، حول الدور والجهد اللذين تبذلهما الهيئة في ترسيخ مفاهيم وقيم جديدة تتمحور حول أهمية النزاهة في كفاية الأجهزة والمؤسسات الحكومية واستمرارها تقديم الخدمات للمواطن بعدالة وعلى أتم وجه، إضافة إلى السعي الحثيث إلى خلق بيئة وطنية نزيهة مناهضة للفساد، ولِما لذلك من أهمية كبرى في إغلاق باب واسع من أبواب هدر المال العام.

رجل مكافحة الفساد كان قد تقاعد من سلك القوات المسلحة الأردنية عام 2007، وكان في حينها يشغل منصب آمر كلية الدفاع الوطني المَلِكية مساعدا لرئيس هيئة الأركان المشتركة، ومشرفا على نظام التخطيط الاستراتيجي والأمني للجيش، وعُيّن في عام 2010 مستشارا في الديوان المَلِكي، ثم شغل العلّاف مناصب عدة حيث كان سفيرا في وزارة الخارجية، ومستشارا في رئاسة الوزراء، ومندوب الأردن الدائم لدى الأمم المتحدة قبل أن تقرر الحكومة إحالته إلى التقاعد مرة أخرى.

لكن العلّاف، المعروف بصلابته، وقدراته النادرة في التخطيط الاستراتيجي، ظل ضمن دائرة اهتمامات المرجعيات العليا، لما يتمتع به من كفاءة وخبرات إدارية تؤهله للقيام بمهمات صعبة، وفي ضوء ذلك صدرت الإرادة المَلِكية بتعيينه رئيسا لهيئة مكافحة الفساد في عام 2015، ليتحمل عبء مهمة شاقة، تحفُّها الكثير من الحساسيات والإشكالات، ذلك كونها ذات تأثير كبير لدى الرأي العام، تتعلق بضرورة نبش أضابير تراكمت على مدى عقود ماضية، وفي الوقت نفسه ملقى على عاتقيه بها التأسيس لخلق أنماط جديدة من العمل وفق معايير ورؤى جديدة.

الفساد ظاهرة عابرة

الظروف الأردنية لم تكن مهيأة لمحاربة الفساد كما هي اليوم، فقد حصلت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، خلال الشهر الأخير، على دعم مَلِكي صريح، طالبها بكسر ظهر الفساد
الظروف الأردنية لم تكن مهيأة لمحاربة الفساد كما هي اليوم، فقد حصلت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، خلال الشهر الأخير، على دعم مَلِكي صريح، طالبها بكسر ظهر الفساد

الفساد ظاهرة عالمية، لا تخص مجتمعا أو دولة بعينها، ولا حتى حقبة تأريخية من دون أخرى، لكنه استشرى في مؤسسات الدولة بشكل موسع في القرن الماضي تحديدا، لاتساع مؤسسات القطاع العام وزيادة المهام التي تولتها الدولة من جهة، ومن جهة أخرى اتّساع نطاق الرقابة بما في ذلك اتساع نطاقات التواصل والإعلام، ما أسهم في الكشف عن عمليات التعدي على المال العام أو استغلال الصلاحيات المعطاة للموظفين لتحقيق مكاسب خاصة.

لا يمكن إغفال أن ضعف الممارسة الديمقراطية يعد من الأسباب المهمة التي أدت لتفشي ظاهرة الفساد، ولقد ترابطت ظاهرة الفساد بشيوع حالات الاستبداد السياسي أو الدكتاتورية في العديد من البلدان، وذلك لغياب الجهات الرقابية المستقلة عن السلطة التنفيذية وأولوياتها السياسية، فهي تغض الطرف عامدة متعمدة عن عمليات تكسُّب المسؤولين، لكسب ولائهم وولاء قواعدهم الشعبية.

يقول العلّاف في أكثر من مناسبة إنه تم القضاء على الفساد الكبير في مؤسسات الدولة، فلم يعد متاحا في ظل تطور الأجهزة الرقابية وتعددها مجالٌ لقيام بعض المتنفذين باستغلال مواقعهم للتكسب والتربح، لكنه يؤكد أن المهمة الأصعب الآن تتجلى في مواجهة الفساد الصغير، الذي يشمل حسب العلاف الوساطة والمحسوبية، فلا بد من خلخلة الحاضنة الثقافية لهذه الآفات التي أسهمت في توسع الترهل الإداري وبطء الأداء في تقديم الخدمات للمواطنين.

ويعيد بعض المختصين أسباب تفشي ظواهر غير حضارية، من أجل الحصول على الخدمات والحقوق من مؤسسات الدولة، إلى طبيعة التركيبة الاجتماعية، المتمثلة بالتوزيع السكاني، والسطوة التي تمتلكها بعض مكونات التشكيلة الاجتماعية، وبالتالي تبادل المنافع بين أفرادها الذين أصبحوا اليوم عماد بيروقراطية الدولة تحت عنوان الولاء العائلي، على حساب المصلحة العامة، ما يسهم في انتشار الوساطة في مجتمعات البلدان العربية عموما، وأيضا يتم تقبلها وعدم اعتبارها فسادا، لكن هذا التصور ظل قاصرا عن رؤية الصورة بكل أبعادها السياسية، حيث تم ترسيخ هذه الأنماط سياسيا، من قبل جهات نافذة، لكسب التأييد الشعبي لغايات إيجاد بدائل عن الشرعية المنقوصة لسيادة بعض الطبقات الاجتماعية.

التحرك السري

تطورت خلال العشرة أعوام الماضية مهمة الهيئة في مكافحة الفساد، حيث لم تعد قسما في دائرة المخابرات العامة، بل أصبحت تتمتع باستقلالها الإداري والقانوني الكامل، وتعمل حسب العلاف على قطع الطريق عن وقوع الجريمة الاقتصادية مسبقا، وذلك في حال توفر المعلومات للهيئة عن نية بعض الأشخاص للقيام بعمليات مالية أو إدارية غير مشروعة، أو وجود ثغرات إدارية أو رقابية تفتح المجال لوقوع مثل هذه المخالفات، فإن الهيئة تبادر لتنبيه المسؤولين للحيلولة دون وقوع أي عمليات فساد.

العلّاف معروف بصلابته، وقدراته النادرة في التخطيط الاستراتيجي، ظل ضمن دائرة اهتمامات المرجعيات العليا، لما يتمتع به من كفاءة وخبرات إدارية تؤهله للقيام بمهمات صعبة، وفي ضوء ذلك صدرت الإرادة المَلِكية بتعيينه رئيسا لهيئة مكافحة الفساد، ليتحمل عبء مهمة شاقة، تحفُّها الكثير من الحساسيات والإشكالات

يبرر العلاف التحرك بسرية في الإجراءات والتحريات التي تقوم بها الهيئة ولا يرى فيها تناقضا مع الشفافية أو حق المواطن في الحصول على المعلومة، ذلك أن هيئة النزاهة والفساد جهة تقوم بدور تحقيقي وليس قضائيا، فتحافظ على سمعة المشتبه بهم كونه لم تصدر بحقهم أحكامٌ قضائية، وأن القضاء هو صاحب الكلمة الفصل في هذه الشبهات، وحتى لا تستغل المعلومات التحقيقية في إطار حملات اغتيال الشخصية أو التشهير بالخصوم السياسيين من قبل خصومهم، فإن الهيئة تحافظ على خصوصية المتهمين كونهم أبرياء حتى تثبت إدانتهم.

هل القضاء مستقل أساسا

رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد قال لوسائل إعلامية محلية مؤخرا إن الهيئة تحرص على أن يكون الدور الوقائي أساس عملها، باعتباره وسيلة تمنع الفساد وتقلل من أضراره في تشويه صورة الوطن. وأضاف “إننا نفكك كل أسبوع حالة فساد أو شبهة ما يُرتّب على الهيئة أعباء كبيرة، تتطلب منا المشاركة مع وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة لتخفيفها مع أن الكثير من الحالات التي يتناولها الناس وبعض الوسائل الإعلامية ما هي إلّا انطباعية”.

هذا الأمر يقودنا مباشرة إلى ضرورة استقلال القضاء، وهو ما أسهم فعليا في الحد من الجريمة الاقتصادية والإدارية، حيث من المعلوم أن القضاء في الأنظمة المتخلفة يخضع للإرادة السياسية، وهذا يعوق مقاضاة ومحاسبة الفاسدين من جراء التعاون داخل شبكة المسؤولين الضالعين في عمليات فساد ممتدة كبرى، ولطبيعة التسلسل في منظمات الفساد الإداري التي تهدد باقي الحلقات في حال تم تهديد إحداها، ما يدفع منظومة الفساد للتغلغل في كافة سلطات الدولة لحماية مصالحها.

ويظهر انتشار الفساد حالة ضعف الدور الرقابي، وعدم القدرة على ممارسة عمليات التدقيق المحاسبي والإداري لعدم وجود الجهة الرقابية القادرة على الضبط والسيطرة على العمليات الإدارية والمالية المتشعبة في إدارات المؤسسات المختلفة، فقد اقتصر هذا الدور إلى سنوات طوال على ما يقوم به ديوان المحاسبة بمحدودية كادره وإمكاناته، ولعدم استقلاليته الكاملة، فكيف لجهة رقابية على جهة تنفيذية أن تكون خاضعة لها، فقد ظل ديوان المحاسبة لفترة طويلة تحت إمرة رئاسة الحكومة بينما الوضع الصحيح أن يتبع للجهة المخولة دستوريا بالرقابة على السلطة التنفيذية.

لا يمكن التغاضي، من جانب آخر، عن الإعلام ومنظومات التواصل الاجتماعي كشركاء في إنجاز عملية الرقابة المحكمة، بغض النظر عن التوسع في الحديث عن اغتيال الشخصية، في الأوساط السياسية، فالعمل في مجال السياسة وحقول العمل العام لا يحصن المكلفين بهذه المهمات من المساءلة، بل يجب أن تكون المسألة طبيعية لمن يتصدى للعمل العام، وبوجود القضاء العادل المستقل تكون الكلمة الفصل، فلا مجال للتهاون في إدارة المصالح والمؤسسات والخدمات العامة.

استرجاع القيم

انتشار الفساد يظهر حالة ضعف الدور الرقابي، وعدم القدرة على ممارسة عمليات التدقيق المحاسبي والإداري لعدم وجود الجهة الرقابية القادرة على الضبط والسيطرة على العمليات الإدارية والمالية المتشعبة
انتشار الفساد يظهر حالة ضعف الدور الرقابي، وعدم القدرة على ممارسة عمليات التدقيق المحاسبي والإداري لعدم وجود الجهة الرقابية القادرة على الضبط والسيطرة على العمليات الإدارية والمالية المتشعبة

وحسب ما يؤكد رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، دائما، فإن الهيئة تعمل على إنفاذ القانون دون النظر إلى الأشخاص ومواقع نفوذهم، وفق محاور الاستراتيجية الوطنية للهيئة 2017-2025 وهي الخطة المعنية بحماية موارد مؤسسات الدولة والاقتصاد الأردني وتتضمن مشروعات تنظر الهيئة لتحقيقها في النهاية.

يسعى العلاف إلى بناء أواصر الثقة مع المجتمع، فقد ظلت عمليات محاسبة المسؤولين الفاسدين محفوفة بالشك، ويعود ذلك لاتساع الهوة بين ما يتم الحديث عنه في وسائل الإعلام وما يتم تطبيقه على أرض الواقع، ما وسّع فجوة الشك الشعبي بجدية التوجه لاجتثاث الفساد، حيث ظل يرتع في مؤسسات الدولة طوال العقود الماضية، في ظل الضعف الإداري الذي تحكّم بهذه المؤسسات وتسبب في حالات فساد كبيرة وصغيرة على حد السواء، إضافة إلى انتشار حالات الرشوة والوساطة والمحسوبية على نطاق واسع.

وتعمل الهيئة على ترسيخ ثقافة جديدة تواجه بعض الآفات الاجتماعية التي شكلت تقبلا عاما يتساهل مع تبادل المنافع بين المسؤولين على حساب المصلحة العامة، ولهذا تم التعاون مع وزارة التعليم العالي من أجل دعم طلاب الجامعات وتحصينهم ضد المحسوبية والوساطة، التي تتنافى مع القيم والأخلاق السوية، حيث عقدت النية على تضمين مساقات التعليم الجامعي موادا عن النزاهة ومكافحة الفساد، وتم توقيع مذكرة تفاهم تنص على التعاون بين الفريقين للاستغلال الأمثل للجهود والإمكانات والموارد المتاحة لهما، وتنسيق الجهود لتنفيذ أمثل للاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد، في مجال التوعية والتثقيف والدراسات والأبحاث واستطلاعات الرأي، ومن أجل تبادل المعلومات للإسهام في تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد والوقاية وتعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية.

من أبرز الأهداف الآن تفعيل منظومة القيم والقواعد السلوكية في الإدارة العامة وضمان تكاملها، والتأكد من أن الإدارة العامة تقدم الخدمة للمواطن بجودة عالية وشفافية وعدالة، إضافة إلى التأكد من التزام الإدارة العامة بمبادئ المساواة والجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.

يتحرك العلاف اليوم بقوة مدعومة بالإرادة السياسية الجادة لقطع شأفة الفساد والمحسوبية، خصوصا في ظل ما تعانيه المالية العامة للدولة من شح للموارد، فيمضي العلاف في طريقه الطويل، وهو يعلم أن الظروف لم تكن مهيأة لمحاربة الفساد كما هي اليوم، فقد حصلت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، خلال الشهر الأخير، على دعم مَلِكي صريح، طالبها بكسر ظهر الفساد، خصوصا بعد ظهور شبكة تزوير وتصنيع الدخان وما أحاط بهذه العملية من نقاشات واسعة، حول قدرة مجموعات الفساد على اختراق مستويات الإدارة الرسمية، والقيام بعمليات تهرب ضريبي كبرى، أصبحت اليوم منظورة في القضاء.

8