محمد العمراوي: القصيدة الأدائية ليست موضة.. بل رهان المستقبل

الشاعر المغربي يتمرد على عجز اللغة بالتعبير الحركي باعتبار أن الصوت هو الخيط الرابط بين أشكال الكتابة الشعرية المختلفة التي يمارسها دون تقيّد بنموذج واحد.
الثلاثاء 2019/04/16
التمرد على النحو بالصوت والجسد

قطع الشاعر المغربي محمد العمراوي، المقيم في فرنسا، شوطا طويلا في مضمار القصيدة الجسدية الأدائية على المسرح وفي الساحات العامة، إيمانا منه بأنها لسان العصر ورهان المستقبل وليست مجرد موضة زائلة. “العرب” التقت الشاعر العمراوي، ليتحدث عن ملامح تجربته الإبداعية، وأنساق القصيدة الحديثة، العربية والفرنسية، خصوصا تمثّلاتها البصرية الراهنة، وطموحاتها المستقبلية.

ارتحل الشاعر والمُترجم محمد العمراوي إلى فرنسا منذ أكثر من ثلاثين عاما، ليواصل في ليون ما بدأه في ثمانينات القرن الماضي بالمغرب من جنون الشعر، كتابة على الورق وأداءً على المسرح. فهو يرى أن اللغة وحدها قاصرة عن التعبير عن الإنسان المعاصر والواقع الخرب.

على الرغم من صدور دواوين مطبوعة له لقيت صدى طيّبا، منها “النافذة.. الأحد وأيام أخرى” و”من هذه الجهة وما حولها”، فإن العمراوي يبدو منحازا أكثر إلى الشعر الأدائي والتعبير الجسدي، باعتبار أن الصوت كلمة السر دائما، والخيط الرابط بين أشكال الكتابة الشعرية المختلفة التي يمارسها دون تقيّد بنموذج واحد، فهو ابن الشتات والتبعثر والتجريب.

قصيدة الصوت والحركة

يسعى الشاعر المغربي إلى تفجير القصيدة من كل شيء، بدءا من الحلم، الذي تهدده جاذبية الكابوس بالسقوط، مرورا بالحقيقة، التي تعني العدم أو اللاشيء، وصولا إلى الصمت، ذلك الشبح الذي تكوّنه حروف خاصة، ضاجّة، ناطقة بالهلاك.

بزغ الشعر الأدائي (performance poetry) في الولايات المتحدة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، حيث صارت القصيدة تعتمد على التعبير الصوتي المنغّم فضلا عن الصيحات والرموز، وعلى الأداء الجسدي المصحوب عادة بالحركة والموسيقى، ويعدّ العمراوي واحدا من العرب الأوائل الذين سلكوا هذا الدرب التعبيري في قصائده المؤدّاة، التي يؤلفها بالعربية والفرنسية، ويضمّنها أحيانًا المفردات العامية المغربية، والأمازيغية، فضلا عن بعض الرموز والدلالات ذات الطبيعة الخاصة “أذان الصلاة مثلا”، والصيحات والأصوات غير المفهومة.

في تجربة محمد العمراوي، كان الصوت الخيط الرابط بين أشكال الكتابة الشعرية، حيث راح يكتب بأشكال مختلفة

تنفتح تجربته على أكثر من رافد وذاكرة وواقع معيش، فهي ذات جناحين؛ مغربي وفرنسي، وهي صنيعة الحياة الشخصية الملموسة والخزائن المعرفية الثقافية في آن. فإلى جانب طاقته الإبداعية، فإن للعمراوي باعا في التنظير والترجمة، وقدّم للمكتبة الفرنسية برفقة كاترين شاريور “أنطولوجيا الشعر المغربي المعاصر”، التي تضمّنت أعمال أكثر من خمسين شاعرا.

في حديثه إلى “العرب”، يشير محمد العمراوي إلى أن علاقته مع الشعر منذ البداية الأولى في أيام الجامعة هي علاقة مع الصوت أكثر منها مع الكتاب، حيث كان يستمع بشكل سري لأشرطة بأصوات محمود درويش وممدوح عدوان ومظفر النواب وأدونيس وآخرين، وحين ارتحل إلى فرنسا في نهاية الثمانينات بدأ يبحث عن الفضاءات التي تستقبل الشعر، فالتحق بمجلة “شعر- لقاءات”، حيث التقى من خلالها بشعراء حداثيين من آفاق متعددة، فكان كل صوت منهم يحاور بشكل ما صوتا من أصواته الداخلية.

ويصف المشهد الشعري الفرنسي بأنه يتألّف من عناصر وتيارات مختلفة، متنافرة أحيانا، فهناك من يرتبط بالاستعارات، وهناك من يقترن ببساطة جاك بريفير، والبعض يكتب بتأثير من ترجمات الشعر الأميركي، وآخرون يعطون للكتابة أبعادا أدائية وعرضية وصوتية، في علاقة مع الفيديو ومونتاج الصوت، وهذه التيارات كلها تتكوّن من عناصر، هي الأخرى بدورها مختلفة.

في الوقت نفسه، تأثر الشباب في العالم العربي، خصوصا بعد سقوط جدار برلين وتغيّر العالم وامتداد الأزمات، بأحدث صيحات القصيدة النثرية التي تستقبل بلغة أكثر بساطة أشياء الواقع اليومي، وفي السنوات الأخيرة بدأ آخرون يُظهرون احتياجهم للعرض والأداء الحركي.

في تجربة العمراوي، كان الصوت الخيط الرابط بين أشكال الكتابة الشعرية، حيث راح يكتب بأشكال مختلفة، ويقول “قررت بعد زمن طويل من التردد أن أقبل ذلك، أعني أن أقبل كوني بشكل طبيعي لا أستطيع أن أبقى في نموذج أو شكل واحد من القصيدة، فالتبعثر ربما يكون هو هويتي، وأحيانا أكتب بالعربية وأحيانا بالفرنسية. أحيانا أحتاج إلى كتابة قصيدة تفعيلية وغنائية للانفعال مع العالم، وأحيانا بل غالبا أحتاج إلى اللغة النثرية البسيطة أو المتشابكة”.

محمد العمراوي: الشعر الأدائي يعمل على السطح في الظاهر، وعلى ما يُرى، لإعطاء المعنى بعمق
محمد العمراوي: الشعر الأدائي يعمل على السطح في الظاهر، وعلى ما يُرى، لإعطاء المعنى بعمق

ويوضح أنه قد تصطدم الكلمات بعنف في الفم، وتتناثر كما تتناثر أشياء العالم الداخلي والخارجي بشكل عبثي، حيث لا تستطيع اللغة في بنيتها النحوية الخالصة أن تعبّر عن ذلك، وتستطيع فقط أن تعبّر عن عجزها في التعبير كإنسان يكرّر الكلمات أو الحروف، يتلعثم لعيبٍ ما في نطقه، أو لكونه أمام واقع مخيف أو مذهل، يجعله غير قادر على الكلام بشكل فصيح، وهذا الإحساس الأخير يؤدي إلى شعر أدائي أو صوتي.

نشر محمد العمراوي كتابا عن دار نشر “فيديل أنطيلمايكس”، وهي دار في مرسيليا تنشر لشعراء مختلفين من بينهم عدد من الصوتيين والأدائيين، وتضمّن الكتاب أيضا أسطوانة (CD) مع موسيقى عازف ساكسفون. في هذا الكتاب (وعنوانه Ex)، هناك قصيدة بعنوان “حجر”، وكتابتها لم تلتزم بما يقتضيه النحو، بل استجابت إلى ما كان يقتضيه ارتباك الشاعر واضطرابه أمام “واقع بشع”.

عن هذه التجربة اللافتة، يقول “كنت قد قرأت في صحيفة أن امرأة في فلسطين، قرب نابلس أظن، وُجِدت تحت الأنقاض بعد أن بقيت لمدة خمسة أيام مع جثت أفراد عائلتها، وكانت ترتشح الماء النتن وتصفّيه بثوبها لكي تبقى في الحياة. وفي الخارج، كان هناك أطفال الحجارة يواجهون الجنود. فأول كلمة سقطت على رأسي هي كلمة (حجر)، فردّدتها مرارا في إيقاع عنيف. فالحجر هو مادة التناقض، إنه البناء والهدم”.

هكذا، تعكس القصيدة بشكل حدسي ما يريده الداخل في القول، ويقول العمراوي في حديثه لـ”العرب”، “الحدس ليس هو ضد العقل أو الوعي، بل هو دائما ناتج عن تكاثر العناصر وتراكمها في الكتابة معنى وشكلا، أي أنه نتيجة تجربة هي أيضا في سؤال دائم. لا أريد أن أكتب شعرا أدائيًّا فقط لأنه موضة، ولا أريد تجريب اللغة من أجل التجريب فقط، على الرغم من أنني لا أحكم سلبيًّا على من يفعل ذلك، فالتجريب قد يكون عميقا حين تقتضيه ضرورة ما داخلية”.

تعقيدات العالم واللغة

“فتش عن اللوحة/ لن تجد ربما إلا إطارا هشًّا/ قد ينكسر بين يديك”. لا يلخّص محمد العمراوي الشعر في هيئة ما محدّدة، لأن العالم سواء الخارجي أو الداخلي وما بينهما معقد، وليس له شكل ثابت. اليومي مثلا هو الحياة، التي نودّ أن تكون عادية لكن تشوبها دائما غرابة وميتافيزيقيا وعبث.

ليس هناك يوم يمر دون أن يغزوه سؤال عن عبثيته، عبثية الإدارات والقوانين والعلاقات بين الرجل والمرأة، وعلاقة البشر مع اللغة التي يريدونها أن تحاور الواقع. ويقول العمراوي “نحن مثلا نسكن تناقضا لغويّا: نكتب عن هذا اليومي بلغة غير يومية، أي بلغة لا نستعملها بشكل يومي، نكتب بما نسميه العربية الفصحى، كما لو أن اللغة العامية أو الدارجة لا تستطيع أن تكون فصيحة، وهي لغة لم تكن تفهمها أمي لأنها لم تذهب إلى المدرسة، كانت تفهم فقط بعض الكلمات ولا تفهم الجمل”.

المهم بالنسبة إليه، في هذا الاشتباك، أن يكون الشاعر واعيا بهذا التناقض، وألاّ يسقط في وهم يجعله ينسى أن لغته عن اليومي غريبة عن هذا اليومي أصلًا. وحين يستعمل كلمة “الداخل”، يؤكد العمراوي على مسألة الإحساس الضروري بضرورة الكتابة والأداء، وهو هنا لا يعطيه معنى صوفيًّا زائفا، فالأداء قد يكون عميقا ورصينا، وقد يبدو ساخرا واصطناعيًّا، وهذا لا يقلّل من عمقه.

محمد العمراوي يؤكدعلى قدرة القصيدة الأدائية الحركية الصوتية (المشهدية) على التعبير عن حالات إنسانية وواقعية يصعب توصيفها لغويًّا، وتصعب ترجمتها إلى لغة أخرى

وهنا يذكر مقولة غريبة وذكية لنيتشه عن الإغريق، حيث وصفهم بأنهم “سطحيون بعمق”، وهم كذلك في محادثاتهم وطيّات قمصانهم، فلربما الشعر الأدائي يكون كذلك، حيث “يعمل على السطح، على ما يُرى، لإعطاء المعنى بعمق، لتخليص الشعر من سلطة المعنى من جهة، ومن سلطة الشكل من جهة أخرى، والمهم هو التشابك الذي يُظهر تشابك الواقع وعلاقتنا المعقدة معه، ومع أنفسنا”.

في ما يخص تفاصيل القصيدة الأدائية، يوضح محمد العمراوي أنه حين يكتب بلغة معيّنة (العربية أو الفرنسية)، فإنه لا يكتب فقط عن المعنى، أي ما هو مشترك بين اللغات أو ما هو قابل للترجمة، بل يكتب في خصوصية اللغة، في ما تتيحه اللغة من إمكانات.

في هذا الإطار، مثلا، كتب العمراوي نصًّا بالفرنسية كلّه مبني على الجذر اللغوي (ex)، فالكلمة في الفرنسية تتركّب من جذر لاتيني أو إغريقي. و(ex) تعني “أن تلقي بشيء ما إلى الخارج”، ولذا فكل الكلمات تعني الطرد والتهميش والمنفى والهجرة والانفجار، إلخ. فهذا النص، يُمكن أن يُقرأ في إيقاع يسمع المتلقي فيه بإلحاح هذا الجذر اللغوي، وهو أمر مرتبط بخصوصية هذه اللغة.

يختتم العمراوي حديثه إلى “العرب” مؤكدًا على قدرة القصيدة الأدائية الحركية الصوتية (المشهدية) على التعبير عن حالات إنسانية وواقعية يصعب توصيفها لغويًّا، وتصعب ترجمتها إلى لغة أخرى، لأن الترجمة لا تعطي إلا مرادفات العبارات، ولا تستطيع أن تعطي المعاني المرتبطة بهذه الخصوصية اللغوية والتعبيرية، ومن هنا جاءت فكرة عالمية القصيدة الأدائية.

15