محمد العيسى مهندس الاعتدال في كبرى المؤسسات الإسلامية

محمد بن عبدالكريم العيسى يتبنى خطاباً متسعاً ومرناً في هضم ما تلح عليه حاجات العصر الحديث ولا تستسيغه المدارس التقليدية.
الخميس 2019/01/17
البدوي سعودي يواجه التطرف بالانفتاح والحرب الفكرية الواعية

زيارة الأمين العام لـ رابطة العالم الإسلامي محمد بن عبدالكريم العيسى قبل أيام، إلى جمهورية القمر الاتحادية، لفتت الأنظار مجدداً إلى الدور الهام والحساس الذي يمكن أن تلعبه الرابطة في هذه المرحلة. افتتح العيسى خلال الزيارة مشروعات تنموية وإنسانية في منطقة ويشلي، وسلّم عدداً من الأرامل والأيتام منازلهم الجديدة، التي تكفلت الرابطة بإنشائها، في ما بدا دورا يتجاوز العمل الخيري الإغاثي إلى المساهمة في تشكيل الفكر وتغيير الراكد منه، وزرع الأمل من جديد.

المملكة العربية السعودية، بفعل مركزيتها ومحوريتها في قلب العالمين العربي والإسلامي، تشعر بمسؤولية مخصوصة عن تقديم مشروعها للإصلاح. وهي الآن تخوض غمار مرحلة جديدة يقودها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بعُدّة جديدة، وشروط نهضوية كانت لعقود مهملة ومتروكة لدواعي الحساسيات الاجتماعية والثقافية، يعاونه فريق من الشخصيات التي تتفق معه على خطة الخروج الآمن، يتوزع أعضاء الفريق الآن على مقاعد القرار والتأثير ويمدون مشروعه بكثير من الثبات والتصميم والحيوية.

يحدث هذا أمام كل ما تقاسيه المنطقة العربية ويعانيه العالم الإسلامي من حالة احتباس حضاري، إذ تشهد جملة من دوله وعواصمه صنوفاً من الفوضى التي تعصف باستقرارها وتفتك بإنسانها وتكلفها المزيد من سنوات التراجع والتوقف عن لحظة العصر وراهنه.

وتكثر الحلول على وجه التنظير، وتتزاحم الرايات التي تزعم الإحاطة بسبل الخروج من نفق الواقع الأسيف الذي يلف المنطقة ويشل حركتها ويعيث في تاريخها وحاضرها على حد سواء.

ضد التشدد والجمود

رابطة العالم الإسلامي تكاد تكون من بين المؤسسات العالمية التي نجت من الوقوع في شرك التطرف والجمود في وقت واحد، بعد خمسة وخمسين عاما على تأسيسها في مكة المكرمة بموجب قرار صدر عن المؤتمر الإسلامي العام الذي عقـد فيها في 18 مايو 1962 لتكون منظمة إسلامية شعبية عالمية جامعة مقرها مكة المكرمة، تُعنىٰ بإيضاح حقيقة الدعوة الإسلامية، ومد جسور التعاون الإسلامي والإنساني مع الجميع.

وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة بصفة عضو مراقب بـالمجلس الاقتصادي والاجتماعي بين المنظمات الدولية غير الحكومية ذات الوضع الاستشاري. وتحضر مؤتمرات القمة، واجتماعات وزراء الخارجية، وجميع مؤتمرات المنظمة. كذلك هي عضو في “اليونسكو” و“اليونيسيف” بصفة عضو.

وتلفت الانتباه عبارات وردت في ميثاق رابطة العالم الإسلامي التأسيسي؛ مثل “نحن أعضاء رابطة العالم الإسلامي الممثلين له تمثيل عقيدة وإيمان نعاهد الله تعالى على: أن نشهد الله على أننا لا نريد إفسادا لأمر أحد ولا سيطرة ولا هيمنة على أحد. وأن نبذل قصارى جهدنا في توحيد كلمة المسلمين وإزالة عوامل التفكك المحيقة بالمجتمعات الإسلامية المنتشرة في بقاع الأرض. وأن نعلن لا شعوبية ولا عنصرية في الإسلام”.

وتعلن هذه الرابطة أهدافها وتعمل على تحقيق تلك الأهداف التي على رأسها “ترسيخ مفاهيم الوسطية والاعتدال في وعي الأمة المسلمة. وبذل الجهود الممكنة في علاج وحل قضايا الأمة المسلمة، ودفع عوامل النزاع والشقاق. والعناية بالتواصل الحضاري ونشر ثقافة الحوار. والاهتمام بالأقليات المسلمة وقضاياها، والتواصل معها لعلاج المشكلات التي تواجهها في حدود دساتير وأنظمة الدول التي يوجدون فيها”.

مواصفات كهذه في مؤسسة تشكل خيمة للعالم الإسلامي لا بد أنها تحتاج إلى قيادة واعية مدركة لتلك التطلعات والمهام. وهنا أتت شخصية العيسى، الذي يتبنى خطاباً متسعاً ومرناً في هضم ما تلح عليه حاجات العصر الحديث ولا تستسيغه المدارس التقليدية، قادماً من عمق التكوين الشرعي الأصيل، محتفظاً بسمت رجال الدين المحافظين وتقاليدهم العريقة، لكنه يتعاطى مع الواقع بكثير من الإدراك وثراء الخيارات وتعدد فرص الفهم والحكم والتناول.

‎وبملامحه الهادئة ولحية خفيفة يدير العيسى، وزير العدل السعودي السابق، واحدة من أكبر المؤسسات الإسلامية في العالم، يضخ مفاهيم جديدة ويشهد على نقلة نوعية في فكر هذه المؤسسة لتحريك الكثير من الملفات والمفاهيم التي كانت تلقى فيما مضى تحفظاً وحساسية عالية.

إزاحة مرحلة والبدء بعهد جديد

سباق كبير يشهده العالم الإسلامي هذه الفترة على تمثيل المرجعية الإسلامية، للتصدي لمن يشوش على جهود ترسيخ الاعتدال ببث الدعايات الموتورة. وهذا يتطلب جهداً مضاعفاً ومركباً من العيسى ونظرائه لحماية سفينة الوعي الرشيد للإسلام
سباق كبير يشهده العالم الإسلامي هذه الفترة على تمثيل المرجعية الإسلامية، للتصدي لمن يشوش على جهود ترسيخ الاعتدال ببث الدعايات الموتورة. وهذا يتطلب جهداً مضاعفاً ومركباً من العيسى ونظرائه لحماية سفينة الوعي الرشيد للإسلام

ولد العيسى في السعودية في أواسط الستينات، وتلقى تعليمه الأولي في مدارسها والعالي في جامعاتها. له مسيرة طويلة في التحصيل الأكاديمي. تدرج في المناصب وتولى سلة متنوعة من المهام، جعلته ملماً بالتفاصيل الدقيقة حيث تكمن المحكات المعقدة لتفكيك بنى التشدد والانغلاق في حالة الوعي الشرعي والفكر الإسلامي. فتخصص في الشريعة والقانون الدستوري والإداري وله مؤلفات ومقالات في الشريعة والقانون والعديد من القضايا الفكرية. ودرّس مادة الشريعة والقانون في بعض الجامعات السعودية، وأشرف على العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير وناقشها، وألقى العديد من المحاضرات في جامعات عالمية ومؤسسات فكرية دولية.

شارك في عدة جولات إلى الولايات المتحدة الأميركية وعدد من البلدان الأوروبية، ملتقياً رجالات القضاء والقانون والحقوق والبرلمانيين، وكان لهذه الجولات انعكاس إيجابي في شرح دور الشريعة الإسلامية في القضاء السعودي، كما كان لها أثر في تقريب وجهات النظر بين المملكة ورجال القضاء والحقوق في تلك البلدان وإزالة بعض اللبس حول الكثير من الملفات الساخنة في العدالة والحقوق.

وضمن توجه حكومي انتهجته السعودية لإزاحة مرحلة ماضية، والبدء في عهد جديد أكثر انفتاحاً وتلقائية في التعاطي مع الواقع المعاصر، عيّن العيسى وزيراً للعدل في العام 2009. فقام بإصلاحاتٍ هامة في القضاء السعودي وتبنى مشروع تقنين الأحكام القضائية الذي كان مرفوضاً في السابق لكنه استطاع إقناع الدولة بأن تتبناه، كما استطاع إقناع أكثرية زملائه من أعضاء هيئة كبار العلماء بعدم معارضته حتى صدر قرارها بالموافقة عليه ملغية بذلك قرارها السابق الرافض قبل ثلاثين عاماً، وهي الهيئة التي تمثل أكبر مرجعية دينية سعودية رسمية. وشهد عهده في وزارة العدل إصدار أول رخصة محاماة للمرأة السعودية، فانتقل من المحلية إلى العالمية بمقومات جديدة من مفردات المواجهة الصلبة مع الأفكار الصعبة، لتؤشر المهام المتتابعة التي تولاها على محورية دوره وتحديد إطار مهمته لرسم خط جديد من الاعتدال في تشكيل الوعي بالدين والاتصال بالآخر.

تراث مثقل بالتشويه

دور العيسى يتخذ بعده العالمي بمقومات جديدة. وتؤشّر المهام المتتابعة التي تولاها على محورية دوره في رسم خط جديد من الاعتدال لتشكيل الوعي بالدين والاتصال بالآخر
دور العيسى يتخذ بعده العالمي بمقومات جديدة. وتؤشّر المهام المتتابعة التي تولاها على محورية دوره في رسم خط جديد من الاعتدال لتشكيل الوعي بالدين والاتصال بالآخر

بعد تألقه في حقيبة العدل، عين العيسى رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء، فمستشاراً بالديوان الملكي، ثم مشرفاً عاماً على مركز الحرب الفكرية بوزارة الدفاع السعودية. وفي أغسطس 2016 عُيّن أميناً عاماً لرابطة العالم الإسلامي، ورئيساً للهيئة العالميّة للعلماء المسلمين، وعضواً بهيئة كبار العلماء، ليكلف، لاحقاً، بالإشراف على مركز الملك سلمان للسلام العالميّ في مملكة ماليزيا.

الكثير من التراث المثقل بالتشويه، واجهه العيسى بعناد، وحمل في أفكاره مشعل التفسير الواعي للفهم الإسلامي المعتدل، بعد أن حقنته الأفكار المتطرفة وراكمت تفسيراتها المتعسفة لسنوات، ولذلك تبنى مشروعاً ملحاً لرفع تلك النسخ المزيفة وغير السوية عن الإسلام تاريخاً وواقعاً.

ورغم هشاشة ما يكابده العالم الإسلامي من ويلات السياسة، والتي عملت لعقود مثل بؤرة تبتلع كل جهود الإصلاح والتصحيح، جاهدت بعض القوى في بث مشروع الإصلاح والتأسيس لمفاهيم الاعتدال والتسامح في وجه عقد التشدد التي أبرمت واشتد عودها.

 مهمة تبدو صعبة ولكن ضرورية، في وجه القلاع الحركية التي لقيت تمويلاً فكرياً ومادياً من بعض العواصم المستفيدة من توتير المفاهيم الإسلامية وتثوير المعاني الدينية، وحجب تلك السمحة القابلة للتعاطي مع الآخر.

في كل المرات التي حصل فيها العيسى على فرص للحديث، كان يدعو إلى الحوار مع الثقافات المختلفة، من أجل التفاهم والتقارب الإنساني، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وصولاً إلى تجاوز حالات التوجس، مؤكدا أن القناعات لا يمكن التأثير فيها إلا بالقناعة؛ والفكر بالفكر. وأن الرسالة التي يؤمن بها هي رسالة الإسلام في قيم اعتداله ووسطيته المترسخة فيه، ديناً عالمياً خاتماً صالحاً ومُصْلِحاً لكل زمان ومكان؛ هذا قبل كل شيء، ثانياً في الحوار وأحياناً السجال في الأطروحات الدينية والفكرية والحقوقية.

 يقول العيسى إن “مشيئة الخالق قد قضت بأن يكون البشر متنوعين في ألوانهم ولغاتهم وأديانهم ومذاهبهم وأفكارهم وثقافاتهم؛ والله شمل الجميع بالتكريم ولم يَسْتَثْنِ منهم أحداً، لأنه صادر عن الرحمة والعدل الإلهي، وقد رضت بهذه الرحمة والعدل القلوب النقية المليئة بالمحبة والخير، ورأت في كثير من هذا التنوع ثراء إنسانياً محفزاً للحوار والتعايش والتعاون والسلام”.

لكنه يستدرك قائلاً إن “الشر لم يَرْضَ بذلك، فأطلق كراهيته وأشعل الحروب والظلم، فصَنَّف الناس على أساس يقوم على العنصرية والإقصاء ورَفَعَ شعارَ صدام الحضارات وَجَعَلَ الأصلَ في كوكبنا هو الصراع لا السلم والوئام”.

من يمثل المسلمين؟

العيسى  يتعاطى مع الواقع بكثير من الإدراك وثراء الخيارات وتعدد فرص الفهم والحكم والتناول
العيسى  يتعاطى مع الواقع بكثير من الإدراك وثراء الخيارات وتعدد فرص الفهم والحكم والتناول

هناك سباق كبير يشهده العالم الإسلامي هذه الفترة على تمثيل المرجعية الإسلامية، للتصدي لمن يشوش على جهود ترسيخ الاعتدال ببث الدعايات الموتورة. وهذا يتطلب جهداً مضاعفاً ومركباً من العيسى ونظرائه لحماية سفينة الوعي الرشيد للإسلام. فهو يعبر عن ‏‎سياسةِ تحوّلٍ تنفّذها عواصم عربية آثرت مواجهة انهيار الواقع العربي، بضخ مفاهيم أكثر مرونة واعتدالاً ترفع عن كاهل الأمة تكاليف التطرف الذي استبد بها خلال العقود الأخيرة الماضية وضاعف من بؤسها وتخلفها، عبر تفعيل قيم التعايش والسلام بين الشعوب وتعزيز توجهات الوسطية والاعتدال.

 في العام 2017 استقبل البابا فرانشيسكو العيسى، الذي بادر إلى القيام بزيارة رسمية للفاتيكان. وتبادلا وجهات النظر حول التسامح والتعايش بين الأديان. ولم ينس العيسى شكر  البابا ونقل تقدير العالم الإسلامي له على مواقفه العادلة والمنصفة تجاه الاتهامات التي تربط التطرف والعنف بالإسلام. وبعد لقائه مع البابا، عقد العيسى اجتماعًا مع رئيس المجلس البابوي بالفاتيكان الكردينال جان لوري توران. واتخذ قرار تكوين لجنة اتصال دائمة بين الفاتيكان، ممثلاً بالمجلس البابوي، والرابطة.

تحدث العيسى، حينها، أمام مليون شخص حول بناء الجسور بين الحضارات، في فعاليات الصداقة بين الشعوب في مدينة ريميني الإيطالية، بمشاركة قيادات سياسية ودينية وعلمية وفكرية.

قال العيسى في ذلك الحديث الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة، ثم تم تحويله إلى فيلم تسجيلي “لدينا علاقات جيدة مع الكرسي الرسولي ومع دولة الفاتيكان ومع البابا، لأن لدينا أهدافا مشتركة يجب أن نحققها معا من خلال التعاون، لدينا زيارات متبادلة. إن خلق السلام والتسامح بين الشعوب أمر أساسي”.

وأكد العيسى أن أي دين لا ينسجم مع الحياة لا يمكن أن يكتب له البقاء بما يزيد على 1400 عام هي عمر الإسلام حتى اليوم، وهو لا يزال ضمن أكثر الأديان التي توزعت جغرافيا.

المهام الشاقة والملحة للعيسى تقضم الكثير من وقته، وتخصم من حظ أسرته وأبنائه لقضاء الوقت معه، فهو مقلّ جداً في حياته الاجتماعية، متخفف بشكل كبير في حضور المناسبات العامة، وغارق باللقاءات والاجتماعات المكثفة لتعزيز المفاهيم التي يؤمن بها ويبثها عبر الواجبات التي يتولاها الآن. ولذلك فإنه يخصص معظم وقته للعمل، حيث إنه لم يأخذ إجازة منذ ثلاثين سنة.

وتقديرا لدوره الكبير، حصل العيسى على تكريمات وجوائز عالمية تعكس جديته ومثابرته في تنفيذ مهامه، فمنحته ماليزيا أعلى ألقابها بدرجة “داتو سري” في حفل سلطاني كبير. وكرمته جمهوريّة سنغافورة على جهوده في نشر التسامح والتعايش والسلام، وتم تكريمه كذلك من قبل عددٍ آخر من الدول والمؤسسات والهيئات الإسلامية والعالميّة تثميناً لجهوده في نشر الوسطيّة حول العالم. وفي العام الماضي 2018 منحته لجنة جائزة غاليليو الدولية جائزتها بسبب عمله على تعزيز السلام.

12