محمد الغربي عمران: كتابة الرواية تُنقذ من الجنون والانتحار

الكاتب محمد الغربي عمران يُبيّن أن مشروعه هو المجتمع اليمني، أن يستمر في الكتابة عن جوانبه الحياتية، ويسلط الضوء على المرأة في حياتها كضحية لقيم مجتمعية.
الثلاثاء 2019/07/23
إبداع دون تمرد إبداع ميت

تبقى الكتابة فعلا خلاقا يشتبك فيه الواقعي بالخيالي وذات الكاتب بما داخلها من أصوات ومعارف وتجارب وبما خارجها أيضا من عناصر حية. تشابك لا يعرف سر حل خيوطه إلا الكاتب نفسه. في حديث حول الكتابة وأسرارها، التقت “العرب” بالكاتب اليمني محمد الغربي عمران، الذي دخل بنا مجاهل مطبخه السري ككاتب.

 محمد الغربي عمران، واحد من أبرز كُتّاب اليمن، أصدر عددًا من الأعمال الأدبية سواء في القصة أو الرواية، فبعد صدور روايته البارزة “مصحف أحمر” كان له عدد من الروايات منها “ظلمة يائيل” التي فازت بجائزة الطيب صالح عام 2012، “الثائر”، “مملكة الجواري”، وقد سبقت مسيرته القصصية العمل الروائي، فكان له خمس مجموعات من القصص القصيرة منها: “الشراشف”، “الظل العاري”، “منارة سوداء”.

انتهي الروائي اليمني محمد الغربي عمران أخيرًا من كتابة رواية بعنوان “بر الدناكل”، والتي من المنتظر أن تصدر قريبًا، تدور أحداث الرواية في فترة عقدين ماضيين وحتى اليوم، وهي رواية الحرب الدائرة في اليمن، ويلفت الكاتب إلى أن المرأة في هذه الرواية محور رئيس، كونها تتعرض لقبح الاحتراب؛ فالحرب دفعت بالكثيرات للهجرة خارج اليمن، وشخصية الرواية الجديدة فتاة من عدن تجبرها الحرب والتسلط الديني على ترك وطنها وأسرتها وحبيبها الذي خذلها وتستقر في إحدى الدول الأوروبية، من ثم فهي رواية تحكي معاناة الإنسان تحت ضغط التناحر.

مجتمع القبيلة

الكتابة ليس من وظائفها تغيير شيء، والكاتب ليس مصلحًا اجتماعيا، وعليه أن يتخلص من السلطوي والقاضي القابعين داخله
الكتابة ليس من وظائفها تغيير شيء، والكاتب ليس مصلحًا اجتماعيا، وعليه أن يتخلص من السلطوي والقاضي القابعين داخله

في رواية “حصن الزيدي”، الفائزة مؤخرًا بالمركز الثاني لجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، يُسلِّط الكاتب الضوء على مجتمع القبيلة في اليمن وما يعتمل فيه جراء سيطرة جماعات الإسلام السياسي..

يوضح عمران: في اليمن تحكم القبيلة منذ قرون، وما زالت هي المتحكمة، وإن ظهرت في هذه الحقبة من خلال مشايخ القبائل بأنها مُسيرة، لكن القبيلة من تتحكم بمجريات الأمور فهي منجم المحاربين وهي المتقلبة مع من غلب وهي التي تحكم خاصة متى ما ضعف المركز للسلطة، وهو كما يقول ابن القبيلة ويفهم تشعبات قيمها، ودوافع رجالها، ولذلك يجد نفسه مسكونا بمجتمعها، محاولا تعرية ما التبس وإخراج ما يعتمل تحت الرماد للعلن. فالمجتمع اليمني لا يزال مجهولا لدى الآخر العربي والإنساني والرواية أداة لتسليط الضوء عليه.

يُبيّن عمران أن مشروعه هو المجتمع اليمني، أن يستمر في الكتابة عن جوانبه الحياتية، ويسلط الضوء على المرأة في حياتها كضحية لقيم مجتمعية وتعاليم دينية، فلا يزال في المجتمع ما يُكتب عنه ولا يزال المخبّأ يدهشه، فالحرية والمساواة همه، والمرأة هي الحلقة الأضعف في مجتمعاتنا وعلينا كأدباء ومثقفين أن ننتشل أنفسنا بانتشالها من وضع مخز يضعها فيه الدين والأعراف والقيم التالفة.

يُشكِّل الدين محورًا رئيسيًا في كتابات عمران الذي اهتم برصد تأثير الفكر الديني على التدهور الاجتماعي والفكري، يقول عمران: “الدين معضلة، هذه قناعتي. الدين مُحرِّك لكل خراب يحيط بنا، وعلينا معرفة أن الدين مسألة شخصية، الدين ذاتي بين الفرد ومعبوده، وعلينا أن نبعد الدين عن السياسة حتى نوقف الخراب المستشري، أن نشذب التسلط بأدوات القمع والتشدد، ولن يكون لنا في خارطة الإنسانية مكان ما لم نقنن مساحة الدين لتكون مساحة شخصية لكل فرد، ونجرم إقامة الأحزاب أو الجماعات على أسس دينية أو مذهبية، فلا يجوز أن يفرض الدين في دساتيرنا وقوانيننا، وعلينا أن نحمي الدين من الغلاة والمتطرفين وعدم تحويله إلى وحش يلتهم الجميع“.

عانى الكاتب من التعنت في نشر وتوزيع أعماله الروائية بحجة اقتحامها للثالوث المُحرّم.. ويشير عمران هنا إلى أن تلك التجربة لم تؤثر سلبا قط عليه، بل إن ذلك المنع دفعه لمقاومة هيمنة كل رقيب، وأبرز ذلك التخلص من الرقيب الذاتي لأنها أساس إجهاض الإبداع، فحين يكتب يخلع كل رقيب، ويكتب بحرية، وحين يراجع نصه قبل النشر يزيد من نسبة التمرد فيه، فإبداع دون تمرد إبداع ميت.

الحيوات ثراء

يرى عمران أن من لم يعش حيوات متعددة تظل كتاباته يعتريها نقص ما، فالحيوات ثراء وكنز يخبئه العقل الباطن وتتدفق تلك الحيوات أثناء الكتابة بشكل مدهش، فمسيرة حياته بداية براعي إبل في صباه ثم هجرة عمه به من القرية الجبلية إلى السودان ودراسته لمدة ثلاث سنوات في مدرسة قبطية وعودته إلى اليمن وهجرته إلى السعودية بحثا عن عمل، والعمل هناك في عدة مهن منها البناء وموزع ثلج في سوق الخضرة، وأثناء ذلك كان يواصل تعليمه، ثم بعد سنوات عاد إلى اليمن وأنتخب في المجلس المحلي ثم كنائب في البرلمان، تلك الحيوات تسكنه وتخرج أثناء الكتابة. وبالطبع القراءة اليومية هي زاد التجدد، فلا غنى للكاتب عن القراءة المتنوعة والدائمة، وقبل كل ذلك الموهبة.

يحرص عمران على معالجة الهامشي في التاريخي وليس المتن في أعماله الروائية، ويبين قائلا “تخصصي تاريخ ‘ليسانس تاريخ’، وحين أكتب لا أكتب تاريخ، ولا أنقل ما صهرته الكتب لإيماني بأن نسبة مما ذكرته كتب التاريخ وعلى وجه الخصوص العربي مزيف، فما هو بين أيدينا مجرد سير للطغاة، أو بالأصح تاريخ المنتصر. وهنا حين نعود لنتخيل علينا تخيل ما لم يكتب، تخيل ما حدث، تخيل أثر تلك الأحداث على المجتمع، أن نكتب الشخصيات الهامشية، شخصيات متخيلة في قوالب متخيلة، فالرواية فن النبش وإثارة الأسئلة وإشراك المتلقي في ما يعتمل من فكر وأحداث”.

غيبوبة الكتابة

حول علاقته بالقارئ يقول عمران “سؤالك يدعوني لمحاولة التفكير به، فأنا لم أفكر يوما به، وأرى أن لحظات الكتابة هي لحظات ذاتية يغيب فيها الوجود عدا شخصيات العمل ومشاعرنا المشتركة. ففي الرواية عوالم أجزم بأنها تنقذ الكثيرين من الكتاب من الجنون والتفكير بالانتحار. الكتابة حياة موازية للكاتب لا يراها أو يعيشها من حوله، ولذلك لا وجود للقارئ أثناء كتابتي، لكن القارئ يحضر بقوة بعد صدور العمل، فأنا أعشق أن أسمع الحديث عن عملي، شخصياته، ألاعيبي الفنية. بعد صدوره يحضر القارئ في وعيي ومسامعي بقوة”.

يصف عمران المشاعر إزاء شخوص العمل الأدبي التي تسيطر عليه بعد الانتهاء من كتابته بقوله “كمن يستفيق من غيبوبة، أو يخرج إلى سطح الماء، أشهق بفرح وأنظر حولي لأكتشف بأن كل شيء لا يزال يسير كما تركته، لكني أشعر بالاكتئاب لأيام وقد أدركت بأن شخوصي المتخيلة انفصلت وأن معايشتي لها أثناء تخلقها قد انقضت، شعور كمن يفارق شيئا من نفسه، جزءا من قلبه، ولأتخلص من مشاعر الفقد أخطط بتغيير إيقاع حياتي، لأحتفي إما بالسفر وإما بالخروج ومكافأة نفسي بما أشتاق إليه، وقد تكون أشياء بسيطة، والتفكير كسلوى وتعويض عن شخصياتي السابقة بعمل جديد وشخصيات جديدة.

نسبة مما ذكرته كتب التاريخ وعلى وجه الخصوص العربي مزيف، لذا كتابة التاريخ أدبيا يكون دافعها الخيال

وعن القناعات الفكرية المُحفزّة على الكتابة يشير عمران إلى أنه في البداية كانت لديه قناعة بأن عليه تغيير العالم بكتاباته، لكنه اكتشف أن الكتابة ليس من وظائفها تغيير شيء، وأن الكاتب ليس مصلحًا اجتماعيا، وعليه أن يتخلص من السلطوي الذي يقبع بداخله والقاضي الذي يصدر الأحكام، ووجد أن الكتابة حياة يعيشها هو ولا يعيشها من حوله بل وليسوا معنيين بما يدور بخلده، ليصل إلى أن الكتابة هروب من قبح واقع يرفضه، فهي صوت بداخله يخصه، وعمل بعد آخر يرى الكتابة أنينا شجيا لروحه.

وفي ما يتعلق برؤيته لواقع الرواية اليمنية في الوقت الحالي يقول عمران “في اليمن ما يقارب ثلاثين مليون إنسان، وما ينتشر من أدب لا يعبر عن ما يكتب، فالنشر محدود والتوزيع منعدم، وزادت دورات الحروب من هشاشة الوضع الثقافي وتدمير بناه، ولذلك ما يصدر بين فينة وأخرى من كتب وخاصة الرواية هي جهود فردية، فالسلطة مهتمة بالحرب، والنخب السياسية مصابة بعمى الألوان ولا ترى في الوجود إلا نفسها، إلا أن تلك الأعمال التي يعتمد في نتاجها على الرد أراها في تزايد وخاصة الأعمال الروائية، فهناك عدد من الأسماء لها أعمال جيدة طبعت ونشرت خارج اليمن، وبعضها نافس على جوائز عربية، وأجزم بأن الغد سيكون أكثر ترحيبًا بالرواية والأدب اليمنيين.

15