محمد الفطومي: ليس على الكاتب أن يقاتل نيابة عن قرائه

أن تكون كاتبا هو أن تشق طريقا صعبا إلى قارئك، وتتحمل كل العثرات المبثوثة في طريقك إليه، وتحاول أن تشده من موطن ما إلى ما تكتب، فالقارئ ركيزة أساسية لا بدّ من انضمامه إلى ثنائي الكاتب والكتابة. إن الكثير من الكتاب يمتلك مشروعا أدبيا قادرا على الإضافة والتميز، لكن منهم من يتمكن من الوصول إلى قرائه وتجاوز العقبات، ومنهم من يفشل لتعرضه لعراقيل قد تساهم فيها المنظومة الاجتماعية، ومنظومة النشر التي تكون محل جشع سماسرة الأدب وتجاره، كما أن الدولة قد تتهم بدورها السلبي مع الكتاب خاصة الشباب منهم. “العرب” التقت القاص التونسي محمد الفطومي، فكان لنا معه هذا الحوار حول الكتابة وواقعها.
الاثنين 2015/11/30
المبدع يموت إذا خرج عن مهمته واضطلع بدور التاجر والوسيط والمنتج والكاتب معا

يرى الكاتب التونسي محمد الفطومي أن القصّة هي أن تختار قول الأشياء من خلال حدث، بالتّالي فإنّ القاصّ هو مبدع اختار أن يكون باعثا في النصّ حياة، وهذا ما يجده منطبقا عليه بشكل تام، يقول: رويدا نجحتُ في أن أنسج حول نصّي ثقة ما، خصوصا عندما أمكنني النّشر في قسم كبير من المجلاّت والصّحف الرّائدة في الأقطار العربيّة دون عناء أو صداقات أو طول انتظار.

يعتبر الفطومي نفسه قارئا كبيرا للشّعر وللسّرد العربي والعالميّ دون النّظر إلى الظّروف التي حفّت بخروجه إلى النّور، وذلك لاعتقاده بأنّ الاهتمام المُفرط بما يحفّ بالإبداع، من أجناس وسير ومتفق عليه، يأتي دائما على حساب التدبّر العميق لما بين أيدينا ويُخفي عنّا الأسرار التي منحته صفة المُتجاوز. فالإبداع، في رأيه، يكتسب سحره أصلا من طبيعته الرّافضة للثّوب الواحد، وإن نحن شغلنا الشّكل فلنغيّره ولا نكرّسه. لذلك هو على طريقته قارئ يقرأ لغيره كثيرا منطلقا من فكرة أنّ الواقع هو مطيّة الأدب ليظهر وليس العكس.

تجار الأدب

شارك محمد الفطومي في عدد من الملتقيات الأدبية ونال عددا من الجوائز الأولى، وعن مدى إضافة هذه الملتقيات وورشاتها إلى تجربته، يقول: كانت الملتقيات التي حضرتها فرصة في مرحلة أولى لأسمع صوتي، وأنا أتكلّم عن القصّة القصيرة، هذا الجنس الأدبيّ الذي أصبتُ به بغتة، والذي انغمستُ في كتابته، فلم أجد الوقت لأفهم ما الذي دفعني إلى ذلك وما الذي أرجوه من ورائه.

البلدان العربية لا تعير الكتاب أهمية ولا تؤمن بدورهم في بناء المجتمع وتكوين خصائصه، بل تقذف بهم في أفواه المقاولين

كنتُ منبهرا بسماع نفسي واكتشافها في هذا الفضاء أمام الآخرين. كانت حقّا مناسبة مثاليّة لأشخّص مدى تعلّقي بالقصّة ومدى تأثّري بها، وما إذا كان بوسعي أن أؤثّر بدوري. أمّا الجوائز فقد لعبت دور المُحفّز الذي دفعني قدما، وكفل لي استمراري في مزاولة الّلقاءات والتمركز أكثر في دائرة القصّة بتونس، بوصفي حاصلا على عشرين جائزة وطنيّة وجائزتين عربيّتين.

رغم طباعة الفطومي لكتابه “زبد ورخام” الحاصل على جائزة أولى في مصر فإنه لم يتمكن من نيل نسخه الخاصة إلى الآن. فعن مشاكل النشر التي تواجه الكاتب، وما يحول بينه وبين قرائه خاصة مع ولادة طرق نشر بديلة وغياب الرقيب اليوم، يقول ضيفنا: صحيح لقد نُشرت لي في السّابق كما ذكرتُ مجموعة في مصر بعنوان “زبد ورخام”، وهي الآن معروضة للبيع رقميّا وبصفة مباشرة.

ورغم العقد المبرم بيني وبين الناشر لم أتّصل إلى اليوم ولو بنسخة واحدة منها. طبعا لم يعد بيني وبين دار النشر هذه أيّة قناة اتّصال بما أنّها متحرّرة بالأساس من تعهّداتها الأخلاقيّة تجاه المؤلّفين. المُشكلة برأيي هي أن البلدان التي لا تعير الكتّاب أهمّية ولا تؤمن بدورهم في بناء المجتمع وتكوين خصائصه، بل تقذف بهم في أفواه المقاولين الذين لم يُقصّروا في المتاجرة بفكر المبدعين وإلقاء الفتات أمامهم، هذا إذا لم يُطالبوا أيضا بالتنازل عن قسم كبير من الفتات. فصرنا نسمع كلاما مخزيا من قبيل إذا أردت أن تنشر كتابا فتحمّل مسؤوليّتك.

القصة القصيرة أداة لا يمكن أن تعوضها الرواية ولا القصيدة، فإذا تحتم علينا إيصال فكرة نكتبها في قصة

الأشياء ليست بسيطة

تتميز قصص محمد الفطومي بلغة سردية ساحرة تولدها البساطة بعيدا عن التكلف، في لغة أشبه بلغة هاروكي موراكامي، كيف يرى ضيفنا مشروعه السردي، يجيبنا قائلا: كلّ إراديّ كذبة، أو هكذا أعتقد على الأقلّ، إذ لن يكون بإمكانك أن تصنع الإثارة الفلانيّة أو تصل بالقارئ إلى فكرة ما وأنت تحمل هاجس إفحامه أو القضاء عليه بلغتك. أعتقد أنه ليس مُتاحا لك أن تحدث وقعا وأنت تحمل عقليّة اتّباع الموضة وتقليد البضاعة النّاجحة. إن الجرأة في اقتحام المواضيع، والتعبير البكر الصادق سيلقى دائما الصدى الطيب لدى القارئ وما دمت تشتغل على تطوير قارئك لا أن تكتب لقراء ذوي ملكات متطوّرة، فأنت إذن على الدّرب الصّحيح.

ذاك أنّ الفروسيّة في الأدب هو أن تُسلّح القارئ لا أن تقاتل نيابة عنه، أوضّح أكثر فأقول إنّ الكاتب الجيّد هو الذي لا يستخفّ بالقارئ فيشرح له كأنّه يصف لمكفوف ولا أن ينهال عليه بلاغة كما لو أنّه يبارزه، أو كما لو أنّه إزاء وثيقة مُزوّرة يريد أن يخاتل بها عون الجمارك. موراكامي مثلا لا يجد حرجا في استعمال الخطاب السرديّ البسيط والموحي ولا في استعمال الأمثلة اليوميّة القريبة، لا ليقول إنّ الأشياء بسيطة بل ليقول ليس هناك شيء بسيط في هذا الوجود. وهذا تحديدا في نظري سرّ نجاحه والسّحر الكامن وراء أسطره.

القصة لن تموت

تراجع جنس القصة القصيرة، وهناك من يرى أن التجريب فيه أفسده، مثلا ما يكتب اليوم مما يسمى القصة القصيرة جدا الذي يرفع راية التجريب إلى أعلى فأعلى دون خوف التمزق، يعتبر الفطومي أن هناك موجة تجريب على مستوى الشّكل في القصّة القصيرة، منها ما يُسمّى القصّة القصيرة جدّا، لكنه يلفت إلى أن هناك وجوه تجريب أخرى، والتي ينبغي أن نشجّعها على الظّهور ونتعهّدها بالدّرس.

كتاب حاصل على الجائزة الأولى في مصر

ويقصد هنا استدعاء القصّة القصيرة التي تكتب اليوم لأشكال الوثيقة الأخرى على اختلاف شعب الخطاب والهندسة التي تميّز تكوينها، مثلا: القصاصات، والمشاهد، والتلاعب باحتمالات مسار الأحداث في أكثر من مسلك سرديّ، وتطويع أدوات المسرح والسينما لصياغة قصّة، وغيرها من الأساليب التي يمكن من خلالها أن ننحت لنا مسارا تجريبيا خاصا من خارح القصة في داخلها.

يضيف القاص: الأمر ذاته ينسحب كذلك على المضامين، فقد باتـت أيضـا بشكل عـام في حاجة إلـى تطويـر لكي تجاري تطوّر الذّكاء البشري وتنافس الغزو الرقميّ، من صورة ومشاهد مُصوّرة متاحة للجميع، ونحن إذ نتحدّث عن “تحديث” للمضامين فنعني تجاوز الفكرة التقليديّة الدّارجة من أنّ الصّدمة هي التي تصنع الإثارة وتلفت الانتباه.

هنا تحديدا يتساءل ضيفنا هل بوسع قصّة أن تضاهي الصّدمة التي تحدثها صورة دمية ملقاة بجانب أنقاض حيّ سكنيّ؟ ويجيب: طبعا لا. ففي هذه الحالة هل نعلن موت القصّة؟ الصّواب في رأيي هو ألّا ننافس الصّورة بإعادة وصفها، بل أن نعرض في أقاصيصنا من أنماط التصوير الجديدة ما يكفل لها البقاء في ظلّ الثّورة الرقميّة الحاليّة. أما القصّة القصيرة جدّا فشخصيّا لا أعتبرها قصّة بل أجدها أقرب إمّا إلى فكرة قصّة أو إلى المثل السّريع أو إلى الحدث الصادم الذي يُبنى بواسطة خطوط عريضة جدّا.

عن مكانة القصة القصيرة اليوم، في زمن اجتاحت فيه الرواية كل الأجناس الأخرى، يقول ضيفنا: أعتقد أنّ الخيط الرّفيع الذي يُفسّر كلّ شيء يكمن أساسا في التالي، هل نختار اتّجاهنا الأدبيّ منذ البداية ثمّ نكتب فيه أم أنّ حاجتنا إلى القول هي التي تُحدّد الجنس الأدبي؟ الكاتب الذي يحمل مشروعا أدبيّا على كاهله سيجد نفسه يُساق دون أن يشعر إلى الجنس الأدبيّ المناسب.

القصّة لا تشذّ عن هذا المبدأ، فهي أداة لا يمكن أن تُعوّضها الرّواية ولا القصيدة، إذا تحتّم علينا إيصال الفكرة بقصّة. إذن في اعتقادي لا خوف على القصّة من الرّواية، لأنّ كلتيهما تؤدّي دورا تعجز الأخرى عن أدائه. ماركيز نفسه كتب قصصا قصيرة بعد روايته “مئة عام من العزلة”، وهذا دليل على أنّ الرّجل احتاج إلى القصّة دون سواها لينقل انفعالا ما.

الدولة على السرير

في رؤيته لمشهد القصة القصيرة التونسية اليوم، والتي تقريبا تعد غائبة تماما عن المشهد الثقافي في تونس، يشبه الفطومي كتابة القصّة في تونس بما يحصل في الصّيد، عندما يُضطر الصيّاد لسبب ما أن يصيب الطريدة، ثمّ يتعذّر عليه التقاطها. أي أن تبذل جهدا ولا تجني شيئا. هي، في رأيه، فنّ يتعاطاه نزر ممن يعشقونه، ولكنها لم تتعدّ الهواية بعد في بلادنا، إذ لا يُرجى من ورائها يسر أو كسب أو سفر أو شهرة أو شيء من هذا القبيل. فالذين يمارسون القصة في تونس اليوم هم جماعة لديهم من الوعي بأهميّة وجمال هذا الجنس الأدبيّ ما يجعلهم يستمرّون في العناية به والتضحية في سبيله كتابة ومتابعة رغم إدراكهم بأنّ طريق المجد أو حتّى القراءة من ورائها مسدود.

المبدع في بداية طريقه حينما لا يروج له، ولا يحتفى بإبداعه، ولا يدفع به إلى فضاء إبداعي أسمى، سينال منه الإحباط

الكثير من الكتاب الشباب كانوا ينبئون بولادة أقلام مميزة لكن خفتت أصواتهم وهناك منهم حتى من اعتزل الكتابة. ويؤكد ضيفنا ذلك متأسفا، لافتا إلى أن عددا كبيرا من المواهب تلاشت أصواتهم لعدم قدرة أصحابها على المواصلة دون تشجيع، أو لأنّ القصّة لم تنضج لديهم بالشّكل الذي يجعلها تُمثّل مشروعا بالنّسبة إليهم.

يقول القاص: السّبب الأوّل هو الأرجح والأخطر في اعتقادي؛ تخيّل مُبدعا في بداية طريقه لا يُروّج له ولا يُحتفى بإبداعه، ولا يُدفع به إلى فضاء إبداعيّ أسمى، سينال منه الإحباط دون شكّ وسيستسلم ويهجر الكتابة غير آسف.

يقودنا الحديث إلى المشاكل التي يعانيها الكاتب التونسي اليوم، شأنه شأن أي كاتب عربي حيث تتشابه الظروف، في ظل اتحادات الكتاب الميتة سريريا وواقع التهميش، وضيفنا يقرّ أنه لا يعرف ما معنى “اتّحاد الكتاب”، كما لا يعرف حتى أين يقع مقرّه ولا من يسيّره ولا النّشاطات التي يُزاولها، وكثيرون مثله حتى وإن تميّزوا عنه بمعرفة مقرّه فإنّهم يجهلون الخدمات التي يقدّمها.

يقول القاص: الحلّ الحقيقيّ لمشاكل الكاتب في نظري هو أن تعيد الدّولة، الجهة العموميّة، الممثّلة في وزارة الثّقافة دور النّشر والتّوزيع الحكوميّة، وأن تضع على رأسها نخبة من خيرة أدبائنا، تعهد لهم بالقراءة والتدقيق وتمنح الفرص حسب الجدارة. بهذه الطّريقة لن يرشح سوى ما هو حقيقيّ وستزول الكتب الطفيليّة، وسيصير للمؤلّف أب لا يفرّق بين أبنائه. فالمبدع يموت إذا خرج عن مهمّته واضطلع بدور التاجر والوسيط والمنتج والكاتب معا.

صناعة الإثارة أو الوصول بالقارئ إلى فكرة ما ليست في أن يحمل الكاتب هاجس إفحامه أو القضاء عليه بلغته

ثقافة الديكور

فشلت الثورة جزئيـا فـي الحقل السياسي والاقتصادي، وكثيرون يرون أن ما سمي بالـثورة لم يصل حتى اليوم إلى المشهد الثقافي الذي ظل على حاله بنفس شخوصه وممارساتهم ونفس التوجه الميت والوهمي، ويؤكد الفطومي ذلك معتبرا أنه لم يحدث تغيير على الإطلاق نحو الأفضل بعد ما يُسمّى بالثّورة، ما عدا قدرة الفرد على التعبير دون الخوف من دخول السّجن. أمّا الجدوى والنّجاعة الفكريّة فلا تكفلهما ثورة لا تحمل طموحا شعبيّا مُشتركا شعاره “نريد أن نصير شعبا متقدّما”، وهذا لم يحدث.

ما حدث، بالنسبة إليه، يبرّره شعار “نريد نعيما شاملا، والآن”. فليست الوجوه القديمة ولا الممارسات القديمة، كما يرى، وحدها المسؤولة عن شلل الثقافة في تونس. بل العدوّ الحقيقيّ للمشهد الثقافيّ هو عقليّة النّشاط لا لأجل التثقيف كواجب تجاه الوطن والإنسان، بل لأجل رفع محاضر جلسات للإدارات العليا مرفقة بالعديد من الصّور الفوتوغرافيّة وفواتير المرطّبات إثر كلّ تظاهرة.

وإن كان امتناعه عن النشر، بعد سرقة كتابه الأول، موقفا احتجاجيا أم هناك سبب آخر لذلك. يقول القاص: تأخّر صدور مجموعة قصصيّة يعود بالأساس إلى فرط اختبار ومراجعة للنّصوص من جهتي، لكن مع حصولي مؤخّرا على جائزة نادي القصّة للمجموعة القصصيّة عن مخطوط “أشياء العام الجديد” فسأنشر أولا هذه المجموعة، وستضمّ اثنتين وعشرين قصّة قصيرة، أي سيكون كتابا قصصيا سخيّا نوعا ما. أمّا حاليّا فأنا بصدد كتابة رواية، مع أنّي أكتب بين الحين والآخر قصّة قصيرة. والصّدق أقول: لم أشعر يوما بأنّي لم أنشر كتابي بعد، ربّما هذا هو السّبب الحقيقيّ الغامض وراء تأخّره.

15