محمد الفيتوري شاعر تقلب بين ليبيته وسودانيته ورحل في المغرب

الاثنين 2015/04/27
شاعر عاصر أجيالا شعرية متنوعة، ما بين قصيدة التفعيلة والشعر الحر وقصيدة النثر

لندن - عندما يخطف الموت روح شاعر هو في الحقيقة لا ينجح في حملها إلى النسيان كما يفعل عادة، بل هو لا يستطيع ذلك، الموت يأخذ بدن الشاعر فقط، ذاك الذي أنهكت ثناياه الرؤى وأشعلت جلدته الكلمات التي تتدفق من صهارة المخيلة. كثيرا ما عرفنا عن الشاعر أنه الرحالة، وأنه الذي يحمل جراح أمته ويدفعها إلى أعلى وحيدا، عرفنا عنه أيضا أنه المنتمي إلى الإنسانية عامة وإلى قضايا الإنسان كان من كان، عرفنا عنه الحب والهشاشة، التحمل والقوة، وما يلاقيه دائما من الآخرين الذين يحمل عنهم جراحهم الساخنة فيكافئونه بالمطاردة والنفي والتعذيب وحتى التصفية. الشاعر السوداني من أصول ليبية محمد الفيتوري، آثر أن يغادر هو الآخر بعد رحيل عبدالرحمن الأبنودي، الفيتوري الذي يعد أهمّ صوت شعري سوداني وعربي جايل أجيالا، وكتب للقارة ولوطنه العربي وللإنسان قصيدة خاصة حملت روحه التي سيفشل الموت في اقتلاعها من الكلمات. “العرب” استطلعت آراء عدد من الكتاب والمثقفين العرب حول حياة الشاعر، وشعره.

غيّب الموت الشاعر السوداني المقيم بالمغرب محمد الفيتوري، في أحد مستشفيات الرباط، عن عمر ناهز 79 عاما، بعد معاناة مع المرض، هذا الشاعر الذي عاش بين جنسيات مختلفة وأوطان مختلفة وأصول مختلفة، فهو من أصل ليبي سوداني وعاش في مصر، آثر هذا الشاعر حتى بعد وفاته أن يكون محل خلاف بين الأقطار، هو الذي عاش مشردا بينها لا أرض ثابتة له، فبعد وفاته قررت زوجته أن يوارى الفيتوري الثرى في المغرب بالقرب منها ومن ابنتها منتقدة تقصير الحكومة السودانية، التي لم تعتن بالشاعر في سنواته الأربع الأخيرة، وتوجّه الآن طائرة خاصة لنقل جثمانه ودفنه في السودان. هو خلاف على مكان يوارى فيه الشاعر محمد الفيتوري الثرى، هذا الشاعر الذي تنازعت حياته المدن والأقطار، وهاهي تتنازع موته أيضا.

"السوداليبي" محمد الفيتوري

زنجيّ الجدّ، من أعالي بحر الغزال، مصري الأم، سودانيّ الوالد. وفوق هذا وذاك، قضى الجانب الأكبر من حياته في مدينة كبيرة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط لا يهدأ لها نشاط، هي: مدينة الإسكندرية. ومنذ طفولته المبكرة، كانت ترتعد في أذنيه أصوات طبول ودفوف، وترتعش أمام عينيه أجساد بشرية ترقص رقصات متحفزة، فقد كان والده من رجال الطرق الصوفية، لا يمل القيام بموالدها وطقوسها. وكانت بشرته السوداء تقيم بينه وبين المدينة التي يحيا بها حاجزا كثيفا يحرمه المشاركة والاندماج، ويؤجج في باطنه مشاعر مريرة صفراء ويشحذ حساسيته”.

محمد الفيتوري، الشاعر الأفريقي السودانيّ الذي ولد في بلدة “الجنينة”، عام 1930، بعاصمة دار مساليت الواقعة على حدود السودان الغربية. والمساليت من القبائل السودانية الكبيرة، وتشتهر بالفروسية. ووالد الفيتوري هو “الشيخ مفتاح رجب الشيخي الفيتوري”، أما والدته، فهي “الحاجة عزيزة علي سعيد”، من أسرة شريفة من قبيلة الجهمة العربية الحجازية التي هاجرت إلى صعيد مصر، ومن ثم إلى ليبيا، وكانت تشتهر بالتجارة والفروسية أيضا. ومن أشهر رجالها: جد شاعرنا “الشريف علي سعيد”، وكان تاجر رقيق وعاج وذهب وحرير. وكانت له صلات بسلاطين أفريقيا والسودان، وكان يتاجر عن طريق “درب الأربعين” التي تربط ما بين السودان وليبيا الغربية”.

إذن عرفت أسرته الهجرة غير مرة، إذ أن الوالد قد هاجر من ليبيا إلى غربي السودان قبيل الحرب العالمية الأولى مع من هاجر من أبناء ليبيا بسبب وطأة الاستعمار الإيطالي، وفي الإسكندرية، وفي بيت كله تقوى وعطف، تربى محمد بين قسوة الأب وحنان الأم.

أغلب نصوص الفيتوري الشعرية رافضة للمستعمر، تقبل فكرة الإنسان الزنجي لحقيقة كونه أسود وحرا في الآن نفسه

إيمان بقاعي

من الأزهر إلى الصحافة

لم تكن الخيارات كثيرة أمام الآباء في ذلك الزمان، ويبدو أن الأبوين اللذين يختاران الأزهر الشريف هدفا أعلى لأولادهما، هما أبوان حريصان على مصلحة الأبناء وسمعة العائلة العلمية والدينية. على أن الوصول إلى الأزهر الشريف لم يكن سهلا، والفيتوري الصغير، عرف -كما عرف غيره- رحلة الآلام الشائكة التي أدمت الجسد والروح تحت اسم “الأخلاق”، و”التربية”، و”الدين”، والتي كان العقاب فيها عصا تأخذ التلميذ إلى أي مكان إلا المكان الذي يرسم الآباء والشيوخ فيه مستقبله.

في منطقة القباري في الإسكندرية، وفي شارع المكس بالتحديد، نشأ الفيتوري والتحق بمدرستها الأولية “مدرسة الأخلاق”، للشيخ عبدالخالق البسيوني لحفظ القرآن الكريم، تأهبا لدخول الأزهر الشريف، كما قضت بذلك رغبة والديه، ومع القرآن الكريم درس الإنشاء والحساب والأناشيد.

إيجاد الذات

لم يدر الصغير إن كانت الحرب العالمية الثانية قد أتت لتزيد عذابه أو لتخلصه من عذاب عصا الشيخ. كانت أسماء هتلر والنازية وموسوليني والفاشية وستالين والبلشفيك وروزفلت وتشرشل أشبه برموز وألغاز تتحدّى مداركه ومستوى فهمه، بكل ما تنطوي عليه من معان ودلالات. وشهدته حواري الإسكندرية وأزقتها المتربة المتسخة وهو يتدحرج مع الهاربين إلى الخنادق والمخابئ لينزوي معهم بعيدا عن شظايا القنابل ونيران الطائرات المنيرة التي طالما روعت غاراتها الليلية المتواصلة سكان المدينة الجميلة الهادئة النائمة في أحضان البحر الأبيض المتوسط، وكثيرا ما أحالت أحياءها ومبانيها إلى خرائب وأنقاض.

عام 1944، وحين اشتدت الحرب، اضطرت أسرته للهجرة إلى ريف مصر إلى قرية “عرمش” في منطقة “كفر الدوار”، فتعاطف مع الطبيعة بشكل عميق. وكان في غالبية أيامه يخرج من البيت مبكرا ليصطاد السمك في الترعة القريبة من القرية، ويطارد الفراش، ويلاعب الكلاب، ويغازل الزهر والشجر، ويراقب الفلاحين والعمال في أعمالهم.

الفيتوري اكتسب خبرات وتجارب إنسانية صقلت روحه في بوتقة إنسانية

بعد الحرب العالمية الثانية، تابع دراسته في المعهد الابتدائي حتى عام 1947، ثم التحق بالمعهد الصيني التابع للأزهر حتى عام 1949 في “رأس التين” ثم الأزهر الشريف حتى عام 1953.

ومن الأزهر، وفي العام الدراسي: 1953-1954، انتقل إلى كلية العلوم بالجامعة القاهرية، فرع الآداب والدراسات الإسلامية حيث قضى سنتين ثم تركها دون أن ينال شهادتها منصرفا إلى دنيا القلم والصحافة، فأصدر ديوان “أغاني أفريقيا” عام 1955، فنال حفلة تكريمية. لكنه كان تلميذا كسولا، متمردا، هاربا من روتين الجامعة، متوهجا، كحبات الزئبق الرجراجة. كان يهرب من قاعات الدرس إلى شواطئ الإسكندرية، وإلى شراء كتب للمطالعة وحضور عام 1958، محاضرات تتفق ومزاجه. وآثر العمل الصحفي، فكتب في غير صحيفة أثناء إقامته بالقاهرة. وبعد أن انتقل إلى السودان، عمل في الصحافة السودانية.

وفي لبنان أيضا كتب في عدة جرائد ومجلات، مثل: “الأسبوع العربي”، وجريدة “بيروت”، و”الديار”، وأسند إليه مهام رئيس تحرير مجلة “الثقافة العربية” الليبية، وكان قد أسندت إليه وظيفة خبير إعلامي في جامعة الدول العربية بالقاهرة، وكان يرى في هذه الوظيفة راحة بادئ الأمر، ثم ما لبث أن تركها وقت لم تعد تحقق له الحرية والحركة، فأصبح فيها أشبه بـ”مومياء أو متحف أو قضية في أرشيف”.

ومنع الفيتوري من العودة إلى السودان بعد أن رثى “عبدالخالق محجوب” الذي أعدم ورفاقه بعد الانقلاب الشيوعي الفاشل سنة 1971، وكان زعيم الحزب وقتها. فانتقل إلى بيروت، لكنه ما لبث أن أبعد عنها عام 1974 لأسباب سياسية، فسافر إلى ليبيا، ثم دمشق، ولكنه عاد إلى بيروت بعد عام واحد سنة 1975. فالفيتوري هو ذاك المشرد دائما، المسافر دائما، الغريب دائما.

وقف الفيتوري أمام مرآة ذاته، فرأى عيوبه الجسدية تنعكس على أعماق ذاته، فشعر لوهلة بـ”النقص”، و”بالجنون”: “كان قصيرا ونحيلا، ذا بشرة أميل إلى السواد. لا شك أنه كان على قدر من النقص أو الجنون، أو ربما كان شعوره بالنقص هو الذي أوقعه حينذاك عند حافة الجنون أو عكس ذلك”. وقف أمام مرآة ذاته، فكتب الشعر، وكتب الجنون.

ولفترة غير قصيرة، عذب “اللون” شاعرنا، وآلمه أن يسمى “عبدا”، وكتب ألمه متوجها به “إلى وجه أبيض”، محاولا أن يفهم معاناته أكثر كما حاول أن يفهم قضية الفقر من خلال اعتناقه “الواقعية الاشتراكية”، محاولا “كسر الصدفة من الداخل”، فتطهر بعد أن باح لذاته ولمن اعتبره أقل درجة منه، فقام ليستخدم عينيه الحادتين، الفاضحتين، المجهريتين، فتوجه إلى أفريقيا “رمز الخلاص الذاتي”، غاضبا، متمردا، داعيا إلى نفض ثقافة الحزن المقيت والتزام ثقافة الفرح.

بدأت مرحلة إيجاد الفيتوري نفسه من حضن جدته الأفريقية التي سكبت في روحه خيالات من آفاقها السرية الغامضة، بما كانت تبث في شعوره من حكايات وأساطير وعقائد وتصورات رائعة ومدهشة ومخيفة من عالمها، إلى أن عثر على كنزه الثمين: “ديوان عنترة” الذي عزز ثقته بنفسه، وأضاف إلى ثقافة الجدة ثقافة جديدة، أتبعها بقراءة أعمال أبرز الشعراء والناثرين العرب، حتى إنه وجد في انكسار جبران خليل جبران ما يشبه انكساره هو، ووجد في كون جبران نبيّا ضائعا ما يشبه نبوته الضائعة المبشرة برفض الظلم. ومن قال إنه اكتفى بالقوافي العربية باحثا عمن يشبهه؟ لقد قرأ الأدب العالمي، وبحث عند بودلير عن “جان ديفال” المعشوقة التي تجاوز بودلير عقدة اللون من أجلها.

ولم يكتف الفيتوري بقراءة الأدب بنهم، بل قرأ السياسة، وانتمى إلى ما يشبه روحه منها، وقرأ الصوفية التي يبدو أنها انتقلت إليه بالجينات من والده، فإذا به “يتدروش” بفخر الدرويش الثائر لا التقليدي. قصيدته هي تلك الصرخة التي تتجدد حتى اليوم، كل يوم، وتصلح دستورا لأمة تنحدر بفخر إلى الهاوية، وترفل بفخر في أعماق اللاحضارة.

لقد التزم الفيتوري “الكلمة”، فكانت قضيته وكانت سيفه الذي ما أغمده يوما، ولا خبأه انهزاما ولا انتهازا لفرصة أو تجارة، فعلا صوته مخترقا كل الحواجز التي وضعها تجار الأوطان وتجار الإنسان الذين يقبضون ثمن الدماء وتشريد البشر وهم يشربون نخب نجاحهم الذي كان ومازال وسيظل وصمة عار. تخلى الفيتوري عن كل ما هو ذاتي، بعد أن وجد نفسه، ونشر تجربة القوة التي ظلت طريقه إلى آخر لحظة من حياته التي لم تنته، لا بمحاولة الذاكرة ليّ ذراعه لسنوات، ولا بحفر قبر في التراب، فقد صعدت روحه إلى السماء لترقب الظلم عله يندثر.

شعرية الفيتوري وطاقته الإبداعية تنهضان في عدد كبير من الثيمات المتعلقة بالمنطقة العربية وأفريقيا

الفيتوري ضمير شعر آخر يغيب

في كل يوم يأتي فيه خبر رحيل أحد الكبار المؤثرين في وجداننا، أسترجع فورا إرثه الكبير عندي، ولا أحب أن أدخل من بوابات الخسارة الحالية بالفقد، بل من بوابة مكاسب العمر الطويل التي جنيناها من مثل هؤلاء الكبار. والفيتوري حفظنا قصائده ونحن في المدارس، شاعر أفريقيا والعروبة كما عرفناه حاملا لهذا اللقب، ثم أتذكر أغنية الفنان محمد وردي “أصبح الصبح، ولا السجن، فلا السجن، ولا السجان باق”، التي قلدناها بطبقتها الرباعية بفرح كبير وهي من شعر الفيتوري، التي غناها وردي في اللحظة التي كان الفيتوري في صالة المغادرة بمطار الخرطوم مستعدا لركوب طائرة الخطوط الأثيوبية التي ستقله إلى القاهرة.

ها هو قد رحل بعيدا عن السودان، عن هذا البلد الطيب بأهله والذي لا يثق ساسته في مبدعيه وفنانيه، ساسته الذين لا يدرون أن كل إبعاد أو منع أو تهميش لمبدع سوداني، ما هو إلا شرخ في جسم الوطن لا يلتئم مهما كرموا وأعطوا من جوازات “دبلوماسية”.

هكذا تنفرط عناقيد الإبداع روحا بعد روح. لكن بذورها مغروسة في الأرض ستنبت مجددا في جيل جديد قادم، يؤمن بقيمة العلم وقيمة الفن ومعنى الحياة، جيل يدرك أن السياسة هي شرف خدمة للوطن وليس خدمة الوطن لاستبدادهم.

رحل الفيتوري اليوم، رحل القلب الأفريقي الغاضب الحنون في صمت، وسيبرز كثير ممن أهملوه ليتمسحوا في وسام اسمه. وسيذكرون عناوين أشعاره وأوسمته وتقديراته، ليجمعوا رنينها في حساباتهم الفانية. لن يغضب من كلامي من يحب الفيتوري بصدق، وسنلتقي في مكان أرحم من هذا العالم يا فيتوري. وستعيش في الوجدان أطول مما ظنوا، وسوف آتي إليك يوما ما حاملا لك معي كتبي الجديدة التي لم تقرأها.

الروائي طارق الطيب – فيينا

الفيتوري الدرويش الجوال

الأعظم من قدر الإنسان هو الإنسان… تظل روح الشاعر محمد الفيتوري معلقة بالإنسان وأحواله، سواء هذا الإنسان المستعبد تحت نير الاستعمار والعبودية والتخلف، وظهر ذلك في دواوينه “أغاني أفريقيا” (صدر في عام 1955)، “عاشق من أفريقيا” (1964)، “اذكرينى يا أفريقيا” (1965)، “أحزان أفريقيا” (1966)، “البطل والثورة والمشنقة” (1968).

تنقل محمد الفيتوري في جغرافيا واسعة، فقد عمل محررا أدبيا بالصحف المصرية والسودانية، وعُيّن خبيرا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة، في الفترة ما بين 1968 و1970. ثم عمل مستشارا ثقافيا في سفارة ليبيا بإيطاليا. كما عمل مستشارا وسفيرا بالسفارة الليبية في بيروت بلبنان، ومستشارا للشؤون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب. ما أتاح له اكتساب خبرات وتجارب إنسانية صقلت روحه في بوتقة إنسانية وعالمية تتجاوز الإطار المحلي الضيق إلى أفق إنساني فريد. وظهر ذلك بداية من ديوانه “معزوفة درويش متجول” (1971).

وقد بلغ محمد الفيتوري ذروته الشعرية في نصوصه الأخيرة خاصة في ديوانيه “نار في رماد الأشياء”، “عريانا يرقص في الشمس″ (2005).

اسم الفيتوري ارتبط في ذهن المثقف العربي بأنه شاعر القضايا القومية، وشاعر الثورات العربية الأول

عبدالنبي فرج

تجربة الفيتوري في المسرح الشعري

لم تكن دواوين الفيتوري الشعرية وحدها فضاء إبداعيا للتعبير عن رؤاه ومواقفه تجاه مكابدات القارة الأفريقية وقضايا شعبه وأمته، بل أيضا مسرحيات شعرية تشكّل ذخيرة مهمة في حقل المسرح الشعري العربي الحديث، إلى جانب مسرحيات صلاح عبدالصبور، ومعين بسيسو، وعبدالرحمن الشرقاوي، ومعد الجبوري، وغيرهم.

كتب الفيتوري أربع مسرحيات شعرية هي: “سولارا” (1970)، “ثورة عمر المختار” (1974)، “يوسف بن تاشفين ومأساة الأمير الأندلسي” (1979)، و”الشاعر واللعبة” (1979). وقد حظيت الأولى بشهرة واسعة في سبعينات القرن الماضي، وقُدمت في أكثر من بلد عربي.

تبدأ المسرحيَّة باصطياد مجموعة من الأفارقة وسوقهم زرافات إلى المرفأ، حيث القلعة الحصينة التي يجري فيها تجميع الرقيق من إثنيات مختلفة، ومن أماكن متعددة في انتظار السفن العائدة من بريطانيا، ريثما يتم نقلهم إلى جزر البحر الكاريبي لاستخدامهم في مزارع قصب السكر، والجزء الآخر إلى أميركا الشماليّة لاستخدامهم في المزارع والمصانع والمنازل. وفي الطريق من مكان الصيد، وبينما كان النخّاسون والأرقّاء سائرين إلى الميناء يخرج أحد الأرقّاء، وهو “سافو”، عن الصف المعهود للقافلة في محاولة يائسة منه للهروب، لكن التاجر “شارلي” يطلق عليه الرصاص فيسقط جريحا على الأرض، ورغم نزفه يخاطب “سافو” التاجر “لا يا هذا القرصان الأبيض، لن أمضي.. لن تخرجني منها.. فاقتلني.. أو أقتلك الآن، اقتلني في أرضي”. ويزحف “سافو” تجاه شارلي متحدِّيا، حتى يطلق عليه الثاني رصاصة قاتلة تودي بحياته. وبينما هو يتحشرج يقول “سافو”: “اغرسني في أرضي بذرة، اسقني في فمها قطرة، انثرني فوق روابيها ورقة”. ويصور الفيتوري خلال ذلك غضب الأرقّاء بقوة وهم يشاهدون ما يجري لرفيقهم.

وفي مشاهد أخرى من المسرحية يجسد الفيتوري سلوك النخّاسين ورفاقهم من القباطنة والربابنة في لياليهم “الخمريّة، وفيما هم في سكرتهم يتسامرون ويتشاجرون ويغلظون، ثم يسردون القصص، ويختالون بآثامهم، فمنهم من اعترف باغتصاب فتاة من الفتيات المسترقات، أو تعذيب رقيق من الأرقّاء، أو قتلهم بالرصاص، أو رميهم في البحر أحياء لتلتهمهم الحيتان.

وإذ يمضي هؤلاء النخاسون في لهوهم ومجونهم هذا تتعرّض السفينة لريح صرصر عاتية، فيشرعون في البحث عن طوق النجاة لأنفسهم أولا، ثم للأرقّاء ثانيا، حفاظا على ثروتهم البشريّة التي تكاد تضيع سدى، وخوفا من ألّا يستطيعوا كسب القضية ضد شركات التأمين في بلادهم. لكن الفصل الأخير من المسرحيّة يحمل ثورة عنيفة غاضبة ضدّ النخاسين وأولئك الذين تعاونوا معهم من أجل التحرّر من ربقة العبوديّة وذل الاسترقاق.

يقول الفيتوري عن مسرحيته هذه إنها “تأكيد أو تلخيص لكل دواويني عن التراجيديا الأفريقية الرهيبة، الفظيعة التي عاشها الإنسان الأسود منذ بداياته تقريبا. أردت أن أضعها على المسرح، وصنعت شخصياتها ومواقفها من بعض الحوادث التاريخية… ولم يكن يهمني حينذاك إلاّ أن أقدم عملا فيه انفعالات أمة ورؤاها ومواقفها خلال أعوام طويلة من العذاب والسأم والضغط والعبودية”.

شاعر أفريقيا العربية وصوت طالع من تربية صوفية شعره صوت جوال يعزف بين البلدان

عواد علي

أبعد من الموت والنسيان

أعترف أنني لا أملك ذاكرة قوية، لكن هذا المقطع الذي غناه الفنان السوداني”محمد وردي” عام 1988، ظل لاصقا في ذاكرتي منذ الطفولة -كباقي جيلي- مرتبطا بحادثة إطلاق سراح المساجين السياسيين في ليبيا، ومنذ ذلك الوقت لم نعد نسمع عن الفيتوري شيئا، عدا تلك القصائد التي تغنّى فيها بالقذافي ومجّده فيها، أما دواوينه الشعرية المشهورة، فلم يكن لها حضور في المشهد الشعري الليبي رغم إبداعه وشاعريته السامقة، ولعل السبب في ذلك علاقته الملتبسة بالنظام السابق الذي كان العامل الرئيس في مأساة ومعاناة الشعب الليبي أكثر من أربعين عاما.

لكن هذا الأمر يرجع للشاعر وحده، ما يهمنا ونحن بصدد نعيه، هو مدى تأثير تجربته الشعرية ونجاعتها في تحديث بنية القصيدة العربية، فالشاعر كما نعلم عاصر أجيالا شعرية متنوعة ما بين قصيدة التفعيلة والشعر الحر وقصيدة النثر، وقد تأثر في بداياته الشعرية بمدرسة الديوان، ثم بمدرسة أبولو، وكانت أولى قصائده قد كتبها عام 1948، متأثرا بزنجيته:

الآن وجهي أسود/ ولأن وجهك أبيض/ سميتني عبدا.

وقد ظلت هذه السمة ظاهرة في تجربته الشعرية على الأقل في نماذجه الأولى مثل: “أغاني أفريقيا” 1956، “عاشق أفريقيا” 1964، “اذكريني يا أفريقيا” 1965، ومسرحية سولارا عام 1970، والفيتوري في هذا السياق يعد أكثر من كتب عن هموم القارة السوداء في اللغة العربية، ففي شعره نرى تجسيدا لمأساة الإنسان الأسود في مسيرته الكبرى لمقاومة المُستعمر الأبيض، الذي نهب أرضه واحتلها، ففي قصيدة “حدث في أرض” على سبيل المثال، استلهم الشاعر أعمالا عالمية كانت ملء السمع والبصر آنذاك.

يستطيع القارئ لأعمال الفيتوري الشعرية أن يلمح مدى احتفائه بالزنوجة التي هي قدر الإنسان الأفريقي، حيث يؤكد في أغلب نصوصه الشعرية الرافضة للمستعمر قبول فكرة الإنسان الزنجي لحقيقة كونه أسود وحرّا في الآن نفسه.

وهناك ثمة سمات أخرى إلى جانب “الأفريقانية” تشير إلى تفرد الفيتوري بين نظرائه من الشعراء العرب، وأهم هذه السمات قدرته الفائقة على استيعاب فكرة تعدد الأصوات التي تراعي العلاقة الرباعية بالزمان والمكان والحدث والصراع، والاستفادة منها في صنع قصيدة دراميا، تشتغل على مبدأ تحويل الصورة الشعرية إلى صورة سينغرافية (المونتاج)، كما فعل السياب في “المعبد الغريق”، وصلاح عبدالصبور في “مذكرات بشر الحافي”، كما أن تأثره بالطريقة الأسمرية التي ورثها عن أبيه، كان لها دور كبير في تعزيز وصقل ذائقته الصوفية وإثراء قاموسه الشعري، ففي “معزوفة إلى درويش متجول”، نرى عشقه وتوقه لدرويش ضارب في الآفاق، يقول:

شحبت روحي، صارت شفقا/ شعت غيما وسنا/ كالدرويش المتعلق في قدمي، مولاه أنا/ أتمرغ في شجني/ أتوهج في بدني/.

كما تنهض من جهة أخرى شعرية الفيتوري وطاقته الإبداعية في عدد كبير من الثيمات المتعلقة بالمنطقة العربية وإفريقيا، بداية بحركة عرابي 1881، وحادثة دنشواي 1906، وثورة عمر المختار، ونضال “لومومبا “وكفاح الشعب الفلسطيني كما في “طفل الحجارة” وقضية العراق في نموذج “يأتي العاشقون إليك يا بغداد”، التي أعجب بها صدام حسين، ومنحه من أجلها جائزة قيمتها مئة ألف دولار، كما كتب في الرئيس الجزائري السابق أحمد بن بله، والرئيس المصري “محمد نجيب”، وهناك نماذج أخرى على هذا النحو ساعدت في ارتباط اسم الفيتوري في ذهن المثقف العربي بأنه شاعر القضايا القومية، وشاعر الثورات العربية الأول كما جاء عند أحدهم، لكونه انحاز مبكرا للثورات ذات الطابع القومي التي كانت تدعو إلى الحرية والعدالة الاجتماعية آنذاك.

عمله الدبلوماسي أثر سلبا في تجربته الشعرية وجعل الشاعر في شخصه موسميا

وفي ديوانه الأخير “عريانا يرقص في الشمس “، 2005، قام الشاعر محمد الفيتوري بإعادة إنتاج شاعرية ميخائيل نعيمة بوصفها أيقونة فريدة، فهو يؤمن بأن التراث لا يتناقض ومتطلبات الحداثة، لأن الحداثة -كما يقول- تنشأ من التراث المتجه نحو المستقبل من أجل رفعة الإنسان وحريته، إما أن تكون الحداثة هي الانتقال من سيد درويش ومحمد عبده، إلى “شعبولا” و”روبي”، فهذه ليست حداثة، لكنها سقطة من سقطات التاريخ التي تمر مثل أي شيء.

تجربة الشاعر محمد مفتاح الفيتوري (1936- 2015) رغم اكتمالها شكلا ومضمونا، تبقى عصية على النقد والتقييم، لكن سيظل الشاعر الليبي الأصل من أهم شعراء القارة السوداء في القرن العشرين، وسيظل حيا لا يدركه الموت والنسيان، أليس هو من قال:

مثلي أنا ليس يسكن قبرا/ لا تحفروا لي قبرا/ سأرقد في كل شبر من الأرض/.

وفي حوار له نشر بمجلة الدوحة أكتوبر 2014، سأله المحاور “أنور المرتجي” عن الموضوع الذي يؤرقه والإشاعات التي تعلن رحيله؟ ابتسم ساخرا وقال: لا أخاف الموت.. طيلة حياتي كنت أنظر إلى الموت من موقع الرؤيا بالمعنى الصوفي، التي ترى أن الموت ليس هو الموت الجسدي الذي يتعارض مع الخلود الشعري.

حسن المغربي – كاتب من ليبيا

أرقى أشجار الشعر

بلا شك كان الفيتوري شجرة، وأرقى من أشجار الشعر ومن الأوائل الذين أسسوا لقصيدة عربية حديثة، لا تلغي نتاج من سبقوه، وفي نفس الوقت تتطلع إلى المستقبل. ومعروف غناه لأفريقيا في دواوين كاملة كما كان شعره الصوفي مدرسة قائمة بذاتها في ذلك المجال. وشخصيا أعتقد أن الفيتوري من الشعراء الذين لن نعثر على أشباه لهم بسهولة، تماما مثل عبدالصبور ودرويش وأمل دنقل، وأعني أولئك الذين أكسبوا القصيدة رقيا وشعبية في نفس الوقت.

الروائي السوداني أمير تاج السر

العروبة والزنوجة

رحل الزنجي الجميل، الشاعر الأفريقي العربي السوداني محمد الفيتوري، ليلحق بروح جدته “زهرة” الجارية التي تزوجّها جدّه لأمه، تلك الجدة التي ورث عنها الفيتوري مقاومة الإحساس بالعبودية والرق، رحل الزنجي الجميل محمد مفتاح رجب الأسمر الفيتوري، الذي ولد في السودان عام 1936 لأب ليبي متصوف ينتمي إلى الطريقة الشاذلية العروسية، هاجر إلى السودان وأقام بها، تعلّم محمد الفيتوري في مصر، ونشأ في الإسكندرية، وحفظ فيها القرآن، وحصل على ليسانس دار العلوم من القاهرة، تنازعت مشاعر ووجدان الفيتوري ثلاث جنسيات الليبية، المصرية والسودانية، ومزج في شعره بين قضيتين، يصعب المزج بينهما، العروبة والزنوجة.

قصيدة محمد الفيتوري صرخة تتجدد كل يوم

الشاعر محمد علي العزب – مصر

شاعر أفريقيا الأول

الشاعر السودانى الكبير محمد الفيتوري تعرفت على قصائده منذ الصغر أثناء الدراسة، هو صاحب البشرة السمراء، أحد رواد الشعر الحر الحديث، ويلقب بشاعر أفريقيا والعروبة. تغنى وغنى لأفريقيا، وصاغ شعريا ومسرحيا أوجاع أفريقيا ضد الاضطهاد والعبودية والرق وكافة أشكال القهر التي مارسها الاستعمار الغربي، وغيره من أنواع الاضطهاد. قرأت له قصائد مفردة في مجلة “الشعر” المصرية في بداية الثمانينات، وكانت تقطر عذوبة، ثم قرأت له ديوانه “أغاني أفريقيا” في سنوات الصبا، وكنت أشعر بحميمية في أشعاره، لأنه واحد منا ويحمل بشرة أفريقيا الأصيلة، وبعد سنوات، كنت سعيدا وأنا أراه ينشد لجمهور مصر في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وسعادتي بالرجل والشاعر الأفريقي الذي يعتز بأفريقيا، بل شاعر أفريقيا الأول بالنسبة إليّ، كيف لا ونحن نجد دواوينه لا تفارق أفريقيا في العناوين والمتن أيضا “أغانى أفريقيا”، “عاشق من أفريقيا”، “أحزان أفريقيا”، وغيرها من مجموعاته الشعرية والمسرحية.

الفيتوري قامة شعرية أفريقية عربية، ترك لنا إرثا يحق له أن يجعله حاضرا دائما في الوجدان الأفريقي، تغرب كثيرا في بلادنا العربية الأفريقية، وفي كل تجواله هنا وهناك ظلت أفريقيا محبوبته، الصبية السمراء التي يكتب ويكتب لها حتى آخر أنفاسه… رحمة واسعة لهذا الشاعر والإنسان.

الشاعر محمود مغربي مصر

كان يمشي حافيا

محمد الفيتوري يصعد كقصائده على بساط اللازورد، يرسم بحليب سحابة قصيدة رحيله، فنبكيه بالحبر وبرجف الكلام، وبهذا الحب الذي زرعه بلغته وفعله الذي طرق أبواب الصمت والهجير، محمد الفيتوري لا أقول وداعا بل إلى لقاء في ظل نخيلك وغناء حلمك، هناك حيث لا ريح تعرّي المتعب والمنفي من قلب حبيبته التي عجنته طفلا، محمد الفيتوري كان يمشي حافيا على جمر اللوعة والفراق، وأخذت من أثره العصافير خارطة الفرح والغناء.

الشاعر سائد أبوعبيد فلسطين

خارطة الألوان

يمنح الشاعر للغة إمكانية أن تتنفس المكان والإنسان، يمنحها تضاريس ويحقنها بكيمياء الجغرافيا، الشاعر الكبير الفيتوري منح اللغة العربية هذه الفسحة وهذه الإمكانية. أفريقيا تبسط رجليها في حضن اللغة العربية، تستفيق في الأسود المضيء، يجد العمق الأفريقي مساحة ليسكن في شرايين البعد العربي، من النادر أن تحظى لغة بهذه الإمكانية، من النادر أن تتسع اللغة إلى كل هذا الاتساع. الفيتوري مدد خارطة أفريقيا على جسد اللغة العربية ومنح للشجرة الشعرية العربية فرصة أن تشرب من عمقها الأفريقي. نحن مدينون للفيتوري بجغرافيا المعنى وبكيمياء التعدد، ونلتمس له نحن الذين سجننا اللون الواحد أن يغفر لنا خطيئة الإقامة في سجن الواحد.

لم تمت يا صديقي، ﻻيموت المتعدد الذي يسكن في أكثر من جسد.

أنت خريطة الألوان ستبدو يتيمة دون اللون المتعدد لشاعر عميق ومختلف قرر أن تكون مهمة الشعر هي المصالحة مع الوجود من أجل الوجود.

عناقيد الإبداع تنفرط روحا بعد روح، لكن بذورها مغروسة في الأرض، وستنبت مجددا في جيل جديد قادم

الشاعر المغربي عمرو علوي ناسنا

ننعى عالم الشعر

كما أن بعض الإذاعات والمحطات التلفزيونية تجعل بعض الدول في المقدمة، فإن محمد الفيتوري كان علما يشار إلى السودان بالبنان من خلال أشعاره وأفكاره الرائعة والرائدة كشاعر من خلاصة ما قدم العالم العربي من أجيال شعرية متتابعة، وكما كان يحتفل العرب بميلاد شاعر، فالآن نبكي شاعرين كبيرين عملاقين، لحق أحدهما بالآخر فبكينا وبكى الجميع رحيلهما. رحل الأبنودي وخلفه الفيتوري وكلاهما كان شاعرا مجيدا يستحق العناية والدرس كل في مجاله الأبنودي في الزجل، والفيتوري في الفصحى. وأكثر ما ننعى برحيلهما، ننعى عالم الشعر الذي كاد يخبو نوره وضوؤه في ظل تراجع كبير في القصيدة العربية أمام تفاهات وكتابات لا تنتمي ولا تمت إلى الشعر الرصين بصلة.

الصحفي والشاعر يحيى عبدالعظيم

رمز التحرر

مثل الفيتوري مرحلة من مراحل تطور القصيدة العربية، كانت ثورة ثقافية ضد نمط ساد طويلا ونجح في كسر الكثير من الثوابت التي استقرت في العقلية العربية سواء على مستوى الشكل أو المجاز وأيضا استخدام اللغة كان في مرحلة تجاورت خلالها التغيرات الاجتماعية والسياسية مع تطور النص الشعري، وكان الشاعر من أهم رموز هذه المرحلة وقصائده إلى الآن لها حضورها كنص جمالي. وبرحيل الفيتوري نفقد رمزا من رموز مرحلة هامة توافق خلالها تطور الشعر مع تطور المجتمع وحركات التحرر الوطني، فلم يكن الراحل بعيدا عن الأحداث المتلاحقة في لحظتها الآنية، بل كان مواكبا لها دون أن يغفل الدورين الإنساني والاجتماعي.

الشاعر أسامة الحداد

تنشر "العرب" يوم الأربعاء المقبل حوارا استعاديا مع محمد الفيتوري أجراه الكاتب بدر الدين عرودكي

14