محمد القاسمي رسام الجسد المحلق بخفته

الأحد 2016/09/25
محمد القاسمي من أزرق السماء إلى صلصال الأرض

لندن - بسبب شغفه المجنون بالرسم نسي أن يدرسه. ابن مكناس الذي رأى فيلاسكز لأول مرة وهو في سن التاسعة عشرة، كان قد أصيب بهلع الرسم في وقت مبكر من حياته ولم يفارقه ذلك الهلع، بل على العكس تماما صار أسلوبه الشخصي في الرسم مرآة له.

الكادح في خدمة الجمال

كان يرسم كما يعيش. فكرته عن الرسم هي ذاتها فكرته عن الحياة.

أن يقف إلى جانب كبار جيله من الرسامين الذين درسوا الفن أكاديميا، محمد شبعة، فريد بلكاهية، محمد المليحي، فذلك حدث كبير أما أن يتقدم عليهم من جهة قدرته التعبيرية فذلك هو الزلزال الذي ضرب الحياة التشكيلية في المغرب.

ربما يكمن السر في ذلك أن محمد القاسمي لم يكن ابن صنعته. كانت موهبته أكبر من كل صنعة. تلك الموهبة التي تخطت الرسم إلى الكتابة والشعر، فقدمته باعتباره وحشا. لم يكن في حقيقته هنري روسو جديد. فالفرنسي روسو (1844- 1910) كان مدهشا في حدود فطريته وهي التي ألهمت فناني الحداثة الرغبة في اكتشافه، أما القاسمي فقد كان رائدا ومغيرا في ما طرحه من أفكار فلسفية، لا تتعلق بتقنيات الصورة وحسب، بل وأيضا بطريقة التفكير فيها.

بمعرضه عام 1969 في قاعة باب الرواح، وهي كبرى قاعات الرباط، احتل القاسمي مكانة متميزة في المشهد التشكيلي المغربي، وهو الموقع الذي حافظ عليه عبر سنيّ حياته التي تميزت بالكدح من أجل الجمال.

عن جدارة كان القاسمي عضوا في اتحاد كتاب المغرب، فهو شاعر متميز، غير أنه فضّل ذات مرة أن يقف رساما إلى جانب عبداللطيف اللعبي، الشاعر الذي قضى عشر سنوات في السجن بسبب أفكاره السياسية.

مأثرة القاسمي الحقيقية تكمن في أنه تخلّى عن كل شيء من أجل أن يكون رساما. لقد انتصرت سلطة الرسم في النهاية على كل السلطات، غير أن “مكائد الحياة” وهو عنوان الكتاب الأخير الذي كان يعمل عليه مستعينا بقصائد اللعبي ولم يكمله قد انتصرت عليه.

إذا كان هناك فنان مغربي أكثر تمردا من القاسمي فأنا لم أسمع به.

سر محمد القاسمي يكمن في أنه لم يكن ابن صنعته. كانت موهبته أكبر من كل صنعة. تلك الموهبة التي تخطت الرسم إلى الكتابة والشعر، فقدمته باعتباره وحشا. لم يكن في حقيقته هنري روسو جديد

القاسمي فنانا تفاعليا

ولد محمد القاسمي في مكناس عام 1942. لم تسمح له ظروفه المعيشية لدراسة الرسم أكاديميا، بالرغم من شغفه المبكّر به. عام 1959 كان أول عهده في التعرف على تقنيات الرسم ومواده، حين شارك في دورة تدريبية للفن التشكيلي، نظمتها وزارة الشباب والرياضة. قبلها كان يتردد على مرسم إحدى الرسامات الأوروبيات وكانت مقيمة في مكناس. في سن التاسعة عشرة زار مدريد ورأى في متحف برادو الأعمال الأصلية للفنانين الأسبان التي سبق له وأن لوّنها بعد أن رآها في أحد الكتب مطبوعة بالأسود والأبيض. عام 1965 أقام أول معارضه وذلك في مدينة إقامته، غير أن انطلاقته الحقيقية بدأت عام 1969 حين أقام معرضه الأول في العاصمة.

انتسب في وقت مبكّر من حياته إلى الجمعية المغربية للفنون التشكيلية واتحاد الكتاب في المغرب. وكان ناشطا في المؤسستين إضافة إلى دأبه على إقامة المعارض الشخصية والمشاركة في المعارض الجماعية، داخل المغرب وخارجه. فكان معرض الرواق المركزي بجنيف عام 1982 كما معرضه “مغارة الأزمنة الآتية” بالمركز الثقافي الفرنسي بمدينة الرباط عام 1993.

لم يثنه المرض الذي أودى بحياته عام 2003 عن إعلان موقفه المناوئ للحرب الذي شنتها الولايات المتحدة على العراق فنظم معرض “الإبداع في مواجهة الدمار والتخريب” الذي تنقلت لوحاته بين البحرين وبلجيكا وتونس والولايات المتحدة. إلى جانب الرسم، كتب القاسمي الشعر ونشر مقالات عن الفن في الصحافة المحلية.

كان ناشطا في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب كما اختير ضمن نخبة من الشخصيات الفكرية والفنية والعلمية لعضوية اللجنة التي أعدّت الميثاق الوطني لإصلاح نظام التربية والتكوين. عام 1990 أصدر كتابه الشعري “صيف أبيض” وفي عام 1994 صدر له كتاب “رياح بنية” بمشاركة الشاعر حسن نجمي.

عصامية اللوحة

كان القاسمي فنانا تفاعليا. وهو ما دفعه إلى تطبيق تجربة “المرسم المفتوح” التي تعلم أصولها من إقامته الطويلة في باريس. تلك التجربة تعني أن يقوم الرسام بفتح أبواب مرسمه للجمهور بضعة أيام في السنة ليتعرف ذلك الجمهور على ما خفي من أسرار العملية الفنية وليشترك مع الفنان في حوار مباشر.

لقد ربيت جسدي

اجتهد القاسمي في مجال تكوين شخصيته المعاصرة، فكان بالرغم من عدم دراسته الفنية الأكاديمية مثقفا كبيرا، هو على دراية ومعرفة بكل تفاصيل العملية الفنية وفلسفة وتاريخ الفن، غير أنه في الوقت نفسه لم ينكر التأثيرات التي مارستها البيئة الثقافية في مكناس على حساسيته الجمالية.

فحين يكون الحديث عن ذاكرته البصرية فإن الفنان يعود إلى طقوس الطائفة العيساوية التي كانت تقام حول ضريح الوليّ الصالح بالمدينة. لقد سكنت رايات المواكب كيانه لتسلمه إلى اللون الأسود الذي صار خلفية مفضلة للوحاته. هناك حيث يقيم لغز حياته ونشوته الروحية وخلاصة لغته.

في العودة إلى ذلك المصدر يمكننا أن نكتشف الكثير من أسباب التوتر الذي تميزت به لوحات القاسمي. لقد اندفع الفنان إلى بحثه عن الحرية انطلاقا من لحظة تحرّر من الجسد، وهو ما جعله يحرّر في أحيان كثيرة اللوحة من جسدها التقليدي. عصامية الفنان قادت الفنان نفسه إلى اختراع مفهوم “عصامية اللوحة”. وهو ما دفع نقاد الفن إلى اعتباره فنانا تجريبيا، وهي صفة تخون القاسمي، من جهة إخلاصه لأصوله الروحية.

كانت الممارسة الفنية بالنسبة إلى القاسمي حركة مفتوحة على المجهول. لا أسلوب مسبق. “الأسلوب يأتي بعد الموت” كما يقول بيكاسو.

يقول القاسمي “لقد عودت نفسي أو بتعبير أدق ربيت جسدي على تلقي الأشياء في سخونتها وقتامتها وعنفها”.

حرص القاسمي بحساسيته الجمالية الرفيعة على أن يكون جزءا من تاريخ المحاولة الحداثوية في المغرب، فكان أن وجد في الفنان المغربي الرائد الجيلالي الغرباوي (1930 ــ 1971) ضالته. يقول واصفا علاقته بالغرباوي “ربما أميل إلى جانبه أكثر.. لتعامله مع المادة واختراقه الأشياء وعدم احترامه للقوانين وللثقافات في مفهومها المبتذل.

حركة مفتوحة على المجهول

القاسمي وأبوه المغربي

لو كان الغرباوي أميركياً أو فرنسياً أو ألمانياً لكان أباً لجيل ليس بالنسبة إلى المغرب فحسب، بل أيضاً على المستوى الدولي، وعمله لا يزال إلى الآن يتمتع بحيوية غريبة وقوية، ولهذا أضعه ضمن الرسامين الكبار في العالم العربي الذين أحسوا بأزمة المرحلة وبالتناقضات الاجتماعية والثقافية. الغرباوي لم يكن ترقيعياً، فهو لا يعطيك جزءاً من شيء كي يقنعك بأنه يشتغل على الأصالة والمعاصرة وبأنه يبحث. كان الغرباوي كلياً وشمولياً، ويحس بالأزمة ويترجمها فنياً”.

ذلك رأي يمكنه أن يكون تلخيصا لفلسفة القاسمي في الفن. وهي فلسفة تقوم على أساس الحدس الشعري. كان الرسام عميقا في التزامه الإنساني، غير أنه لم يفرّط مطلقا بشروط بيعته للجمال. وهي بيعة لا تقبل النقض. لذلك كان فضاؤه يتسع.

كانت أصالته كما هي أصالة الغرباوي من قبله، أصالة معنى ولم تكن أصالة شكلية. كان القاسمي عروبيا من جهة التفاته إلى المشرق العربي. لا على مستوى العروض التي أقامها بل وأيضا على التماهي مع التجارب الفنية في العراق وسوريا ولبنان.

سيرة القاسمي في الفن هي مجموعة متلاحقة من التحولات التي يمكن أن تختصرها مقولة الفنان نفسه "إنني أنفتح على السماء وأراني أخترق الأزرق منها، وأراني أنحني لأشرف على الأرض فإذا هي صلصال، كل شيء يأخذني، فأنسى نفسي ولا أتمالكها".

10