محمد القباني فنان أردني دخل القلوب بصمت وغادر الحياة بصخب

السبت 2015/06/06
القباني آخر الرجال الطيبين على الشاشة الفضية

اشتعلت جنبات صالة المسرح الملكي تصفيقا وتحية للفنان الفلسطيني الأردني محمد القباني حين اعتلى الخشبة العام الماضي أثناء تكريمه من قبل وزارة الثقافة الأردنية بوصفه شخصية الدورة الحادية والعشرين لمهرجان المسرح الأردني.

بل وقف جمهور الصالة برمته احتراما وتحية لهذا الفنان ولعمره الذي قدمه للفن ولخدمة العاملين فيه. ومنذ أيام قليلة عادت واشتعلت القلوب حزنا، وضجت صفحات التواصل الاجتماعي لرحيل هذا الفنان الذي دخل القلوب بصمت بالغ، لكنه غادر الحياة بصخب وصدمة قلّ أن تحدث.

ابن القدس القديمة

على الرغم من أن القباني كان منذ أكثر من عام يصارع مرض السرطان، بكل حب للحياة وباستهزاء وسخرية ودعابة نادرة “أتعامل بشغف مع الكيميائي والإشعاع على أمل ألا تكشفني وكالة الطاقة”، ورغم الغيبوبة التي ألمّت بالقباني لشهر كامل في مركز الحسين للسرطان قبل وفاته، إلا أن الوسط الثقافي والفني صدمه خبر وفاة هذا الفنان الإنسان، وكأن لسان حاله يقول “الرجال الطيبون لا يموتون”، هو محمد القباني الذي نعاه جلّ المثقفين والفنانين الأردنيين بوصفه الأخ أو صديق العمر، ونعاه صديقه الكاتب محمود الريماوي بعبارة لها ما لها من دلالة “اللطفاء يمرون في حياتنا مرّ النسيم، ويبقى منهم عبقهم”.

القباني كان قد ولد في القدس في العام 1947 وحصل على إجازة في الحقوق وفرع العلوم السياسية من جامعة الملك محمد الخامس بالمغرب، بدأ العمل الفني عام 1972 واحترفه كليا بعد عشر سنوات، ليتحول إلى رمز من رموز الحركة الفنية والأدبية في الأردن، تربّى جيل كامل على أعماله الفنية في المسرح والتلفزيون والسينما، وفي الأفلام الوثائقية والتسجيلية والكرتونية، التي تناقش قضايا وموضوعات اجتماعية محمّلة بالهموم والتطلعات الإنسانية.

مهرجان التنوير

“عندما أعتلي خشبة المسرح لا أتألم وكأن المسرح يخدّر أوجاعي”، بهذه المقولة حارب محمد القباني مرض السرطان الذي سكن رئتيه، وقرر مواجهة المرض بشجاعة وإيمان بدلا من الاستسلام للحزن والاكتئاب، هو الفنان الذي قدم من جسده وروحه على الخشبة طوال سنوات عمره، بقي مصرا على أن يقدم فنه للجمهور حتى الرمق الأخير، وبالفعل فقد كانت آخر مشاركاته المسرحية كممثل في عرض “عصابة دليلة والزيبق” الذي أخرجه حكيم حرب في العام 2014 على مسرح أسامة المشيني في العاصمة الأردنية عمّان، وبشهادة حكيم حرب والكادر العامل في هذه المسرحية فقد كان القباني نموذجا يُحتذى لالتزامه بمواعيد البروفات وتعاونه مع شركائه على الخشبة وحرصه على كل جوانب العمل، كان حينها إنسانا مريضا يذهب إلى المشفى لتناول العلاج، ويتوجه بعدها كفنان إلى الخشبة لأداء دوره المسرحي.

محمد القباني المولود في القدس يعيش في الأردن ويدرس الحقوق والعلوم السياسية في جامعة الملك محمد الخامس بالمغرب، قبل أن يبدأ العمل الفني مطلع السبعينات ليتحول إلى رمز من رموز الحركة الفنية والأدبية في الأردن

لعله لم يكتف باعتبار المسرح علاجا شخصياً له، بل اعتبره مصدر النور والتنوير في المجتمع وبين الناس، ومن هنا عمد إلى تأسيس فرقة مسرحية مستقلة في مطلع ثمانينات القرن الماضي أسماها “فوانيس”، وهي الفرقة التي أرست قواعد أساسية في المشهد المسرحي الأردني.

ففي العام 1984 أصدرت الفرقة متمثلة بمديرها محمد القباني أول بيان مسرحي معلنة عن إقامة احتفال مسرحي سنوي بمناسبة يوم المسرح العالمي الذي يصادف يوم 27 مارس من كل عام، وعملت على تطوير العمل في هذه الاحتفالية وصولا إلى إقامة مهرجان محلي يستقطب العروض المسرحية من كافة المدن الأردنية، هو المهرجان الذي انتقل في العام 1994 ليصير مهرجانا دوليا للمسرح في الأردن يحمل اسم “مهرجان أيام عمّان المسرحية” للفرق المستقلة، وكانت تُعرض على هامشه الأفلام السينمائية، وتُقام الندوات الفكرية والأمسيات الشعرية والحفلات الموسيقية والكثير من النشاطات الثقافية الأخرى، بمشاركة دولية وعربية واسعة ومتميزة.

ضرورة دعم المشتغلين بالنقد، لما له من أثر على الارتقاء بالحالة الدرامية، دفعت القباني إلى تأسيس “منتدى النقد الدرامي” عام 2012، وللصفات التي يتمتع بها القباني على الصعيدين الفني والإنساني تم اختياره لتسلم رئاسة هذا المنتدى في الدورة الأولى التي امتدت لأكثر من سنتين، وقد أكد الراحل من خلال هذا المنصب وهذه المسؤولية على ضرورة حماية النواحي المهنية والأخلاقية لدى نقاد الدراما، وعلى قيم الحرية في التعبير والحوار مع الآخر.

في عالم الكتابة، للقباني العديد من التجارب جلها كان مخصصاً للمسرح، ولكن لا بد من التوقف عند كتابه “كتاب في الخريف من الربيع، شبابيك حياة” لما له من خصوصية، ولما فيه من جرأة في طرح تجارب شخصية تتراوح بين الفشل والنجاح.

ضرورة دعم المشتغلين بالنقد، لما له من أثر على الارتقاء بالحالة الدرامية، تدفع القباني إلى تأسيس «منتدى النقد الدرامي» عام 2012، وللصفات التي يتمتع بها على الصعيدين الفني والإنساني تم اختياره لتسلم رئاسة هذا المنتدى

ففي شبابه كتب أغلب ما جاء في هذا الكتاب وفي خريف العمر نشره، ليكون بمثابة سلة جمع فيها جلّ ما كتب في رحلته مع الحياة، وليكون بمثابة دفتر ذكريات وتجارب وانفعالات وخيبات، فيه القمم وفيه القيعان، فيه النجاح ونيل المنى وفيه الفشل والخذلان والتشظي، فيه الفرح وفيه الحزن، وهو في الحقيقة لم يفكر في إخراج هذه التجربة للعلن لكن إصرار أُسرته وأصدقائه ومحبيه، دفعه إلى ذلك.

تجربة نشرها عسى أن يجد القارئ بعضاً منه فيها، وعسى أن تظل في ذهنه بعد القراءة ليأخذ منها عِبرة أو عَبرة على صديق أو حبيب في حياته.

وحول هذا الكتاب بالتحديد قال “آثرت أن أنشر كل هذه الأعمال بغض النظر عن قيمتها حتى أستفيد أنا من نظرة القارئ ورأيه أولا، ولأضع بين يديه خلاصة تجربة حياتية أعتز بها رغم الاغتراب والمرارة والفرح أحياناً، والكثير من الحب للناس والوطن والحياة”.

نجم من الناس

استطاع محمد القباني في السنوات الأخيرة المحافظة على تواجده في الساحة الفنية الأردنية بالرغم من الجهد والوقت الكبيرين الذين أعطاهما للشؤون الثقافية وإدارتها، كيف لا وهو عضو مؤسس في اتحاد الفنانين العرب واتحاد المسرحيين العرب، عضو في رابطة الكتاب الأردنيين وفي لجنة الحريات وحقوق الكتاب، وهو أهم الأعضاء المؤسسين لرابطة المسرحيين الأردنيين، وعضو في هيئاتها الإدارية إلى أن تحولت إلى رابطة الفنانين الأردنيين وأصبح رئيسا لها لدورتين، هو الفنان القادم من عالم الحقوق والعلوم السياسية والذي كان يعلم وظيفة الفن الحقيقية، فأداها بسلام ومصداقية، ليصبح بمثابة الملاذ والمرجعية التي يتفق عليها الجميع، ويستذكره عموم الوسط الثقافي عندما تتعقد المواقف، وليكون في أول الركب حيال أيّ مطلب عام، منحاز دائما ومن موقعه، إلى المواطن العربي بشكل عام والأردني بشكل خاص.

في التلفزيون يشارك القباني كممثل، في ما يفوق الثلاثين عملا، بإدارة مخرجين كبار من أمثال نجدت أنزور وشوقي الماجري ومحمد عزيزية وآخرين

في التلفزيون شارك القباني كممثل، في ما يفوق الثلاثين عملا، كانت بإدارة مخرجين كبار من أمثال نجدت أنزور، شوقي الماجري، محمد عزيزية وغيرهم، ومن أبرز هذه المسلسلات “إبراهيم طوقان” ،”خيبر” ،”حب في الهايد بارك” ،”هبوب الريح” ،”الاجتياح” ،”أبو جعفر المنصور” ، “وضحا وابن عجلان” و”سلطانة”، كما شارك مسرحياً فيما لا يقل عن خمسة عشر عرضا بعضها نال جوائز عربية وجاءت بتوقيع أبرز المخرجين المسرحيين في الساحة الأردنية، من بينها “المفتش العام”، “ألف حكاية وحكاية”، “سيدي الجنرال” و”عاش جلجامش”، وسينمائياً ظهر في أفلام منها “صراخ الدفاتر العتيقة” و”حكاية شرقية” و”الملك غازي”.

رحل أحد فرسان الدراما الأردنية تاركا إرثا فنيا يُعتد به، ليبقى علامة فارقة في التاريخ الفني لا يمكن أن ينساها الناس على امتداد ساحة المشاهدة والثقافة في العالم العربي.

15