محمد القبلي العميد والمعلّم مكرّما في أصيلة

عميد المؤرخين المغاربة محمد القبلي يعد مفخرة المدرسة التاريخية المغربية، إذ جمع بين مناهج التصنيف والإدارة، عمله مكون من الثالوث المجتمع والدولة والولاية.
السبت 2018/08/04
محمد القبلي مؤرخ مغربي يضع يده على مفهوم غاب عن مشرق العرب "الدولة"

يجمع كل المهتمين بالتاريخ والفكر والثقافة على القيمة العلمية لعميد المؤرخين المغاربة محمد القبلي كأحد أعمدة الكتابة التاريخية بالمغرب، يترجم ذلك ما راكمه على مدار عقود من أبحاث ودراسات تتناول تاريخ المغرب الوسيط بمختلف جوانبه الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية، إذ كان صارما في أبحاثه وكتبه باعتماده منهجا علميا دقيقا، كمؤلفه الموسوم بـ«المجتمع والسلطة والدين بالمغرب في العصر الوسيط» والمعتمد كمصدر للباحثين والمهتمين بتاريخ المغرب في تلك الفترة الزمنية وما بعدها، إلى جانب إشرافه على الكتاب الجماعي، «تاريخ المغرب، تحيين وتركيب».

وقد تميز اليوم قبل الأخير لمنتدى أصيلة الثقافي في نسخته الـ40 بتكريم محمد القبلي، بحضور ثلة من المفكرين والباحثين العرب والمغاربة ومن مجايليه اعترافا بمجهوداته في التأسيس للنواة الأولى في مجال البحث التاريخي.

ونظرا لمكانته العلمية والشخصية وتجربته الأكاديمية والإدارية الكبيرة عينه الملك محمد السادس مديرا للمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب الذي لا يزال مستمرا في رئاسته منذ العام 2005، وفي هذا الصدد قال محمد بنعيسى، الأمين العام لمنتدى أصيلة، إن الذي سبقنا إلى تكريم القبلي، ونبهنا إلى قامته الأكاديمية ونزاهته الفكرية ووطنيته الصادقة هو العاهل المغربي حين عينه على رأس هذه المؤسسة البحثية المستقلة غير المسبوقة في تاريخ المغرب مهمتها إعادة كتابة تاريخ المغرب على يد مختصين وفق آليات توافقية ومنهجية علمية مضبوطة.

إعادة كتابة التاريخ

تلقى القبلي تعليمه بالمغرب وعمق دراساته في العلوم الإنسانية بفرنسا إذ تخصص في الأداب والتاريخ والدراسات العربية الإسلامية، حيث نال الشواهد العليا من جامعتي باريس والسربون. وانصب اهتمام محمد القبلي بالتاريخ الاجتماعي وقضايا المجتمع والدين والدولة في المغرب الكبير على العصر الإسلامي الوسيط.

يقول محمد فرحان كاتب عام المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، “علاقتي بالقبلي مكنتني من معرفته كمدير ومسؤول صارم وحازم وإنسان يدرك ويعايش يوميات الآخرين، وجدت فيه صدق القول والتواضع في المعاملة والشعور بالرقابة الذاتية، إقراره بالشفافية والوضوح وأخذ المبادرة والجدية المقرونة بالعمق الإنساني النبيل والعطف الأبوي على المشتغلين معه، في ظروف لم تكن مثالية عندما كان رئيسا لجامعة محمد بن عبدالله بفاس”.

ورغم رئاسته للجامعة التي تزامنت مع إصلاح التعليم العالي فإنه لم يبخس التدبير الإداري حقه، وهو، يقول محمد فرحان، باحث في إطار ما يوكل إليه برصانة وخاض في كتابة تاريخ المغرب مختصا في العصر الوسيط.

أما إدريس أوعويشة، رئيس جامعة الأخوين، فقال إن القبلي تميز، حين كان عميدا لكلية الآدب بالرباط، بعطفه على الطلاب ومتابعته لمساراتهم اللذين كانا نابعين من فكرته في الاستثمار في هذا العنصر البشري على المدى البعيد، مشيدا بنزاهة الرجل واحترامه للقواعد التي جعلته يلتزم الحياد التام في عملية اختيار عمداء الكليات التابعة لجامعته دون تدخله، ويكتفي بإبداء ملاحظات تنظيمية فقط.

وحتى عندما أصبح مدير المعهد الملكي في العام 2005 وإعادة تكليفه للمرة الثانية، يقول رئيس جامعة الأخوين، لم يتغير القبلي وظل متشبثا بالصرامة والوضوح والأنفة والكرامة، ودائما ما أكد أن المبادئ أهم من المناصب، وهو ما دفعه إلى طلب إعفائه من منصبين هامين للحفاظ على تلك المبادئ.

ورغم أن ثقافة الاعتراف التي لا تزال نادرة في بلدنا، فقد أجمع كل المتداخلين على أن تكريم القبلي هو بمثابة الاعتراف بالإنتاج الفكري والحكامة في تدبير المؤسسات، وهو يعد مدرسة بمواصفات عالمية في توظيف الماضي والإفادة مما هو إيجابي، ومهارته في التخطيط والتنبؤ جعلت من مهمته على رأس جامعة فاس سهلة إلى حد ما.

الدولة واسطة العقد

أعمال محمد القبلي تركزت بالأساس على المجتمع والدولة والهوية والمجال
أعمال محمد القبلي تركزت بالأساس على المجتمع والدولة والهوية والمجال

يعد القبلي مفخرة المدرسة التاريخية المغربية، إذ جمع بين مناهج التصنيف والإدارة والتدبير، عمله مكون من الثالوث المجتمع والدولة والولاية في مغرب العصر الوسيط، وأخذ الريادة في مضمار تحركه الأكاديمي.

ويقول الباحث المغربي لحسن حافظي علوي إن الدولة كانت واسطة العقد في اهتمامات القبلي، في عهد الموحدين من ناحية المشروعية والهوية والولاية كمرتكزات أساسية في تأسيس دولتهم واستمرارها، بالإضافة إلى أن التجارة كان لها دور كبير في تطور الدولة المغربية في ذلك العهد ودور المتصوفة الذين اشتغلوا في مجالهم في مقابل الفقهاء التابعين للسلطة.

كما اهتم بهذا المجال كمحدد مهم في تأسيس دولة المغرب الأقصى على يد المرابطين وانطلاق و تطور مفهوم المخزن، ولهذا يعد المؤرخ المغربي علامة بارزة في الكشف عن تاريخ المغرب في العصر الوسيط من خلال الاهتمام بدولتي الموحدين والمرينيين، ولهذا فإن كل عمل منصب على التاريخ، حسب القبلي، يقوم على قراءة مرتبطة بثقافة العصر وأن هذه الثقافة تتطور، كما أن المسلمات التي تقوم عليها تتطور بدورها، ذلك أن لكل عصر رصيده الخاص وخصوصيته الخاصة.

وأثناء دراسته لمختلف حقب التاريخ المغربي وتركيزه بالأساس على العصر الوسيط اعترف عميد المؤرخين القبلي بأن لكل تاريخ جوانبه المطموسة، ومعالجة هذه الظاهرة تتم انطلاقا من تحديد نقط الظل وتشخيص الجوانب الملتبسة التي قد تشوب لحظة تاريخية معينة، منها أن بعض المؤرخين القدماء قد دأبوا على تجنب الوقوف عند عمق الدسائس والأسباب التي أدت إلى اغتيال بعض السلاطين، وهي أسباب قد تؤول إلى ما هو أهم من الجوانب الشخصية الخاصة بالضحية وعلاقتها بالفئة المتآمرة.

التحيين والتركيب

لمح القبلي أنه إلى جانب خطاب إصلاحي موجه للسلطة، كان هنالك خطاب المعارضة الصريحة الهادفة إلى تغيير الوضع القائم مع الدعوة إلى إقامة نظام مخالف إلى حد بعيد، تمثل هذا النمط من المعارضة بصفة خاصة في موقف ابن تومرت وأتباعه من طريقة حكم المرابطين كما هو معلوم. لقد وقفنا عند مختلف هذه المواقف من الحكم، وهي مواقف تدعمها نصوص معاصرة كثيرة على كل حال، ولم يكن لنا أن نتجاهلها لارتباطها المباشر بتطور الدول، ومرورها من طور إلى طور إلى أن تنتهي بالتراجع والأفول.

وفي كتاب «تاريخ المغرب، تحيين وتركيب»، يقول المؤرخ المغربي، لم نتبرم من معالجة أبرز الفترات الصعبة، بما فيها الفترة الأخيرة، فتعاملنا معها بكامل الموضوعية، مع اعتماد الوثائق المتوفرة ومقارنتها أحيانا بالشهادات الحية وتصريحات من شهد الوقائع أو شارك فيها.

لم يقتصر مضمون كتاب «تاريخ المغرب، تحيين وتركيب»، يقول القبلي، على تاريخ الأسر وحسب، أخذا بعين الاعتبار أن الدولة هي جزء من المجتمع ومن المفروض أن تدرس من خلال قضايا المجتمع، موضحا أنه تم إخضاعه للوقائع والخصوصيات المغربية، كما تم التركيز على القرن الخامس عشر، وعيا بأنه بمثابة بداية النهاية، وأنه قرن الانشقاقات الذي سيمهد لعهد الحماية، ومن ثم فقد تم التعامل معه باعتباره قرنا تحوليا، يفسر ما يليه، غير أن مقاربة التاريخ المباشر استوقفت مؤلفي هذا الكتاب طويلا، لا لشيء إلا لكون هذا التاريخ يعد قريبا منا.

وحتى يؤكد أن كتاب تاريخ المغرب، الصادر عن المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، يعد مرجعا تاريخيا لا غنى عنه يمكن الاعتماد عليه لفهم فترة من فترات تكوين الدولة المغربية، يقول القبلي إن “الطريقة التي اتبعناها في هذا المؤلف، تقوم أساسا على التثبت مما كتب وما قيل حول كل شاذة وفاذة.

الدولة تشكل مركز اهتمامات القبلي في عهد الموحدين، من ناحية المشروعية والهوية والولاية كمرتكزات أساسية في تأسيس دولتهم واستمرارها، بالإضافة إلى دور التجارة الكبير في تطور الدولة المغربية في ذلك العهد ودور المتصوفة الذين اشتغلوا في مجالهم في مقابل الفقهاء التابعين للسلطة

هذا المؤلف الذي لم يتوقف على الحياة السياسية كما قد يتبادر إلى الذهن، اهتم في الوقت ذاته بالجوانب الأخرى. كما عرف بالرموز الثقافية والشخصيات المؤثرة، من أمثال ابن الخطيب وابن خلدون وابن عاشر والمقري وابن عباد وغيرهم من العلماء والمتصوفة، ثم إننا لم نكتف بالتعريف بأقدم الشخصيات البارزة، وإنما حرصنا أيضا على التعريف بالرموز الحديثة أو المعاصرة وبذلك نكون قد تجاوزنا ممارسة التاريخ بمعناه الحداثي الجاف، وفتحنا أوراشا متكاملة من شأنها أن تضفي على التاريخ المغربي بعضا مما يستحقه من حيوية وإشعاع”.

ولمعرفة تطور ثقافة الشعب المغربي اعتمد الباحثون المغاربة بإشراف القبلي إلى جانب محددات أخرى في قراءة التاريخ المغربي، على فن الملحون والعَيْطة كونها تتضمن إشارات تتعلق بأحداث ووقائع تاريخية، لولا أنها إشارات تظل عامة تعوزها الدقة وينقصها الوضوح في الغالب، وبالتالي فهي لا تفيد المؤرخ إلا بصفة تكميلية.

ولإعطاء المؤلف غير المسبوق في شمال أفريقيا والشرق العربي قيمته التاريخية وشموليته يقول القبلي دعونا خمسين من الزملاء في الجغرافيا وعلم الاجتماع، والاقتصاد والأنثروبولوجيا والهندسة المعمارية وكذا اللسانيات وغيرها، وكلهم شاركوا في هذا العمل، والدراسة هي قراءة مغربية 100 في المئة حيث تم اعتماد وتوظيف الكتابات العربية التي كانت قد كتبت طيلة الاستقلال سواء باللغة العربية أو الفرنسية، في التصور التركيبي؛ ومعنى هذا، يقول القبلي، أن “إنتاجنا سيعرف خارج البلاد أولا، كما أن مثل تلك الدراسات لن تبقى على الهامش”.

وفي هذا الصدد قال محمد معروف الدفالي، أستاذ تاريخ المغرب المعاصر، إن محمد القبلي يعد حجة ومرجعا وقدوة في مجال البحث في تاريخ المغرب الوسيط، وأعماله تركزت بالأساس على المجتمع والدولة والهوية والمجال، وقد كان مشغولا بالرد علميا وليس أيديولوجيا على الأطروحة الاستعمارية التي كانت تنفي وجود مجال في المغرب.

الهدف من هذا المؤلف الجمع بين التركيب والتحيين وصياغة قراءة مغربية لمختلف الأطوار التي مر منها المغرب عبر تاريخه الطويل، وقد تمكنا من إنجاز قراءة جادة لتاريخ المغرب قوامها الموضوعية والاحترافية كما تشهد بذلك الدراسات التقويمية لعملنا، وهي دراسات منشورة في بعض المجلات المتخصصة بعد أن تفضل بها بعض كبار المؤرخين الأجانب.

يقول القبلي إن الشعب المغربي كغيره من الشعوب قد أنتج ثقافة متنوعة على امتداد التاريخ، و”لم يكن لنا أن نتغاضى عنها أو نطمس الجوانب الموثَقة منها”، مشددا على أن اندماج المغرب في أفريقيا ليس جديدا بل منذ إعلان المغرب الأقصى ككيان منفتح على محيطه، وهو الحدث التاريخي الذي جاء على يد القبائل المرابطية التي أقامت دولتها انطلاقا من عمق الصحراء ليصبح المغرب معبرا بين القارة الأفريقية وأوروبا.

المجتمع المغربي

الوزير الأسبق محمد بنعيسى يقول إن الذي سبقنا جميعا إلى تكريم القبلي، ونبهنا إلى قامته الأكاديمية ونزاهته الفكرية ووطنيته الصادقة هو العاهل المغربي حين عينه على رأس المؤسسة البحثية المستقلة غير المسبوقة في تاريخ المغرب والتي مهمتها إعادة كتابة تاريخ المغرب
الوزير الأسبق محمد بنعيسى يقول إن الذي سبقنا جميعا إلى تكريم القبلي، ونبهنا إلى قامته الأكاديمية ونزاهته الفكرية ووطنيته الصادقة هو العاهل المغربي حين عينه على رأس المؤسسة البحثية المستقلة غير المسبوقة في تاريخ المغرب والتي مهمتها إعادة كتابة تاريخ المغرب

لقد تشكل تاريخ المغرب حسب القبلي، من ثلاثة أنماطّ؛ الأول أصلي تقليدي تمت كتابته باللغة العربية وبانتسابه للنمط الشرقي، استمر إلى حدود عهد الحماية يجمع بين الرحلة والسرد وتاريخ الأسر ويتميز بأنه نمط أدبي أكثر مما هو علمي، والثاني نمط الحماية الذي حاول التركيز على عدد من الثنائيات: العرب والبربر، السهل والجبل، الحاضرة والبادية، والثالث نمط الاستقلال، وقد جاء عبر مراحل، وكان بمثابة ردة فعل عاطفية لإظهار شخصية المغرب إزاء المحتل، وعوض الارتكاز على الثنائية كما هو الحال بالنسبة للنمط السابق، فإنه ارتكز على الوحدة، غير أن هذا التوجه تراجع أمام الإنتاج الجامعي الذي أفرز تيارات متعددة.

وخلال تركيب تاريخ المغرب، وجد القبلي وفريقه صعوبة في التعامل مع تاريخ الاستقلال والحماية، أي ما يسمى بالتاريخ المباشر، وذلك لقرب الأحداث من المؤرخ، حيث قال لا أخفيكم أن هذا الشق من تاريخ المغرب استوقفنا طويلا، لأنه قريب منا والمؤرخ يكره القرب من الأحداث، فهو يحاول أن يضع بينه وبين الحدث مسافة.

ومن جهة أخرى، ذكر القبلي أن المؤلف حول تاريخ المغرب جديد على مستوى المضمون أكثر من الجوانب الشكلية، فهذه الدراسة لم تقتصر على تاريخ الأسر، وذلك ليس لأسباب أيديولوجية وإنما، كما هو معروف في الأبحاث التاريخية المعمول بها، لأن الدولة إنتاج، وهي جزء من المجتمع، ولهذا يجب أن تدرس من خلال قضايا المجتمع. وعلى أساس ذلك، كان العمل يعتمد على المجال الذي هو متضامن مع مجالات مجاورة كمجالات المغاربة ومجالات الضفة الشمالية.

إن بروز الوعي بضرورة الحد من الابتعاد عن الأصالة كان عن طريق العودة إلى التاريخ، باعتباره من أنجع الوسائل الثمينة لتحصين الهوية الجماعية والحفاظ على الشخصية الوطنية، وبالارتكاز على المعرفة واعتماد الوثائق لم يكن بإمكاننا أن نقرر وجود ما ليس بموجود لأننا مقيدون بالوثائق، إذ يؤكد محمد القبلي بالقول “إن الصحراء هي التي أنجبت المغرب الأقصى ككيان متكامل قبل أن تدمجه في القارة وغرب المتوسط، وإن أي جدل حول مغربية الصحراء أو أفريقية المغرب يعتبر جدلا خارج السياق التاريخي”.

12