محمد الماغوط حزين هو اليوم في ضوء القمر الدامي

السبت 2014/10/25
محمد الماغوط احترف الفن السياسي وألف العديد من المسرحيات الناقدة

"يا أهلي.. يا شعبي

يا من أطلقتموني كالرصاصة خارج العالم

الجوع ينبض في أحشائي كالجنين ‏

إنني أقرض خدودي في الداخل ‏

ما أكتبه في الصباح ‏

أشمئز منه في المساء ‏

من أصافحه في التاسعة ‏

أشتهي قتله في العاشرة".

يشعر أهل السلمية الإسماعيليون السوريون اليوم، بخطر اقتراب تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، لاجتياح مدينتهم الوادعة، ويخشون أن يتم التعامل معهم كما فعلت داعش مع الإيزيديين في العراق، ولكن نظام بشار الأسد الذي ما زال يهيمن على المدينة، لم يتمكن سوى من اعتقال شبابها، وبث الرعب في بيوتها، وبين مخلب جيش الأسد ومخلب داعش، تعيش السلمية مدينة محمد الماغوط لحظاتها المنتظرة كما انتظر الماغوط عمرها حزينا تحت ضوء قمره الوحيد، شعره وعالمه العميق.

قبل كل شيء كانت تربطني به علاقة "الجيرة" حيث يسكن في ذات المبنى الذي أسكنه في حي المزرعة الدمشقي، ثم جمعتنا الصداقة بعدما حدثته عن اعتقالي في الزنزانة 18 التابعة لفرع تحقيق المخابرات الجوية في مطار المزة وروى لي اعتقاله في سجن المزة خلال ستينات القرن المنصرم، حيث اعترف لي بأنه لم يعان الكثير من ذلك الاعتقال كما عانى منه رفاقه الآخرون، ولم تدم فترة اعتقاله سوى لأيام قليلة تخللتها صفعة واحدة من سجّان يعود أصله إلى ريف ديرالزور، لكنه استطاع استغلال حادثة الاعتقال تلك لتسيطر على معظم كتاباته النثرية والمسرحية.


يوميات الجار ذي القبعة


منذ ما يقارب خمسة عشر عاما، كنت حينها طالبا في جامعة دمشق، لمحته يدخل المبنى مستعينا بعكازه، متأبطا حزمة من الأوراق، وعلى رأسه "الكاسكيت" المعهودة، كان وقتها عائدا من المقهى البرازيلي في فندق الشام، هكذا أخبرني ونحن نصعد إلى منزله.

قبل صعودنا، كان المصعد معلّقا في الدور الخامس، الشيء الذي أجبر الماغوط على الانتظار ريثما يهدي الله أحد الجيران ويغلق باب المصعد في ذلك الدور، وثبت كالقط الهارب إلى الدور الخامس ودخلت المصعد هابطا، فوجئ الماغوط حين رآني أمامه فاتحا الباب.. مدّ يده مصافحا وطلب مني مرافقته إلى منزله في الدور الثاني، لم أستطع الاعتذار، بل قبلت دعوته كالملهوف الجائع الذي عثر على مصباح علاءالدين.


غرفة بملايين الجدران


أول ما قرأت للماغوط مجموعته "غرفة بملايين الجدران"، وقبل تلك القراءة كنت أسمع عنه وعن شعره المتميز في جلسات الحوار الأدبية التي تقام بين الفينة والأخرى في منزلي ومنازل زملائي في سنوات الجامعة الأولى. وكنت أقرأ عنه ما يتوفر بين يدي من دراسات وقراءات منشورة في الصحف والمجلات.. تابعت بعد ذلك قراءة ما نشر له خلال العقدين الأخيرين "سأخون وطني"، "سياف الزهور".. ثم "شرق عدن غرب الله" و"البدوي الأحمر" المجموعتين اللتين أهداهما إليّ لاحقا.

أيّ نوع من الكتّاب هو؟ وأيّ شكل من أشكال الشعر الذي أفرزه ليحتل تلك المكانة بين طرائقه؟ والسؤال الأهم، من أيّ معدن صنع سيفه ليعلن من خلاله ذلك التمرّد الجليّ، والغضب، والنزق، والألم، والقسوة، ثم يغمد ذلك السيف ليعود إلى غرفته يعيش فيها وداعة الطفل وكل تلك الأشياء مجتمعة في بضع كلمات، سميناها: "قصيدة النثر". ‏

قضى الماغوط سنواته الأخيرة معتكفا في بيته يستمع إلى القرآن الكريم وصوت فيروز ويكتب الشعر صامتا غير مكترث بضيوفه


صعود البدوي الأحمر


الكتابة عن الماغوط، وعن تاريخه الشعري والأدبي والمسرحي والتلفزيوني سبقني إليها الكثيرون من الكتّاب، وأسهمت فيها أسماء كبيرة في عالم الأدب والفن منذ بروزه المفاجئ في مجلة شعر حتى إصدار آخر مجموعاته "البدوي الأحمر".‏

أتحدث اليوم عن الماغوط من خلال تلك العلاقة البسيطة التي ربطتني به كصديق أصغره بأربعة عقود ونيّف، وكجار يسكن في بنايته نفسها الكائنة في نفس الحي، يفصلني عنه دور واحد فقط.

ولد الماغوط في السلمية بمحافظة حماة في العام 1934، وتلقى تعليمه فيها وفي دمشق وكان فقره سببا في تركه المدرسة منذ سن مبكرة، وكانت مدينته الأولى السلمية ودمشق وبيروت المحطات الأساسية في حياة الماغوط وإبداعه، عمل في الصحافة وكان من المؤسسين لصحف معروفة، وعمل رئيسا لتحرير مجلة الشرطة، احترف الفن السياسي وألف العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دورا كبيرا في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كما كتب الرواية والشعر وامتاز في القصيدة النثرية.

أكاد اليوم أسمع صوت فيروز المنبعث من شقته معظم ساعات النهار والليل، وحين أشعر أن صوتها قد انخفض في مسجلته الصغيرة أدرك أنه جالس وحده دون ضيوف، فلا أتوانى لحظة واحدة في الصعود إليه والجلوس معه.. كان يسألني دائما عن كتاباتي وعن مدينتي ديرالزور، وعن “البامية” الديرية التي يحبّها، ويطلب أن أحضرها له كلما سافرت وعدت.

نجلس سوية في تلك الغرفة التي لايغادرها، تحيط بنا عشرات اللوحات المهداة إليه من أصدقائه القدامى والجدد، كلوحة العصفور الأحدب لفاتح المدرّس وبورتريه الماغوط للفنان ملهم نصر، ولوحة لنذير نبعة وأخرى لزوجته سنية، ولوحات أخرى تمثّل شخصيات تحتل حيزا في عاطفة الماغوط ككمال خير بك، وجمال عبدالناصر، وسعاد حسني. ‏

نستمع للأغاني التي ينتقيها بدقة: عبدالوهاب، فيروز، ليلى مراد، ذياب مشهور، وأغاني الربابة، ثم القرآن الكريم، وكثيرا ما كان يجلس معنا صديقه الهادئ والودود الشاعر إلياس فاضل رحمه الله.


ما زلت وحيدا وقاسيا يا أمي


امتدّ عالم الماغوط داخل مدنه التي عاش فيها، ولكنه بقي عالمه الخاص، يقول: “عندما أتعب أضع رأسي على كتف قاسيون وأستريح ولكن عندما يتعب قاسيون على كتف مَن يضع رأسه؟” واشتهرت قصيدته التي تنقل القارئ إلى مناخ باب توما في دمشق القديمة:

“حلوة عيون النساء في باب توما حلوة

حلوة وهي ترنو حزينة إلى الليل والخبز والسكارى

ليتني حصاة ملونة على الرصيف

أو أغنية طويلة على الزقاق

ليتني وردة جورية في حديقة ما

يقطفني شاعر كئيب في أواخر النهار

أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة

أو صليبا من الذهب على صدر عذراء

تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى

وفي عينيها الجميلتين ترفرف حمامتان من البنفسج

أشتهي أن أقبل طفلا صغيرا في باب توما

ومن شفتيه الورديتين تنبعث رائحة الثدي الذي أرضعه

فأنا مازلت وحيدا وقاسيا أنا غريب يا أمي”.

امتد عالم الماغوط داخل مدنه التي عاش فيها، ولكنه بقي عالمه الخاص، يقول: "عندما أتعب أضع رأسي على كتف قاسيون وأستريح ولكن عندما يتعب قاسيون على كتف من يضع رأسه؟"


مع الشعراء


كان نزقا إلى أبعد الحدود، لا يطيق إطالة الجلوس مع ضيوفه، أو حتى أصدقائه القدامى الذين كانوا غالبا ما يمرّون عليه كلما زاروا دمشق كزكريا تامر وأدونيس وغيرهما. أذكر كيف أخبرني مرة بأن زكريا تامر حضر لزيارته والاطمئنان عليه حاملا معه هدية عبارة عن دزينة من الكنزات القطنية من ذات الماركة بألوان مختلفة إلا أنه أخذ إغفاءة على أريكته تاركا الضيف ومرافقيه جالسين بحيرة من أمرهم.

حين طُلب منه الحضور لتكريمه وتقديم وسام الاستحقاق الرئاسي له من الدرجة الممتازة، سألته حينها: “كيف لك أن تقبل تكريما من رئيس عربي كبشار وأنت الذي أفنيت عمرك بنقد الأنظمة والحكام العرب؟” فأجابني بكل بساطة: “سيمنحوني ثلاثة ملايين ليرة سورية، ألا تظن بأن هذه الشعرة مكسب؟!”.

رغم كل ذلك فهو لا يكره أحدا ولا يتحدث عن أحد إلا إذا سألته عن رأيه فيه، فيجيب باقتضاب شديد: "إنسان جيّد.. سيّئ.. أحبه.. لا أحبه"، ولعل أكثر الأشخاص الذين أحبهم في سنواته الأخيرة إلياس الفاضل ونضال سيجري. وكان سرعان ما ينفعل إذا ذُكر على مسمعه اسما فايز خضور ودريد لحام، فيأمر المتحدث بالسكوت وتغيير سيرة الحديث وأحيانا بالانصراف.

شاهدت جاري الماغوط على شاشة التلفزيون يقول: “كنت قوميا سوريا ودخلت في حزب لم أقرأ مبادئه، ثم دخلت سجن المزة الشهير، وكان مسؤول الحزب هناك سامي الجندي وهو ملاكم وأنا أكره العضلات يسفقني شي بوكس يرجعني لبطن أمي، الدنيا ليل ومطر وبرد قرأت عبلة خوري، مذيعة كانت، عن إعدام أنطون سعادة، استغربت أنا بهذا الليل ليش الإنسان يعدم؟ وبالسجن تعرفت على أدونيس، وعملت لهم مسرحا في السجن؛ ديكور وإكسسوار وحوار، بالمهجع الرابع وأدونيس كان بالمهجع الخامس كنا دائما أمام بعضنا حتى خليت الشرطة يمثلوا، ثم لما رحت على بيروت أخذت أشعارا ناشرها هنا (الشتاء الضائع)، (أغنية لباب توما) قرأها يوسف الخال وقال لي يا (محمد بدنا لمجلة شعر قصيدة.. ممكن تعمل لنا قصيدة لها المجلة متى تبعثها؟) فقلت له (بكرة) قال: (شو بكرة؟) قلت له خلاص بكرة، وكتبت (حزن في ضوء القمر)”.


انهيار الماغوط


وصلني خبر اشتداد مرضه ونقله إلى مشفى العباسيين بدمشق وأنا في مدينتي ديرالزور من خلال ابن شقيقته الدكتور محمد بدور الذي كان يلازمه في سنوات مرضه الأخيرة ويشرف على علاجه، فتوجهت على الفور إلى دمشق للاطمئنان عليه ولكن الأوان كان قد فات.

تمّ بعدها نقل جثمانه إلى مدينته "السلمية" ليتم دفنه فيها، السلمية التي وصفها بالقول شعرا:

“سلمية الدمعة التي ذرفها الرومان

على أول أسير فك قيوده بأسنانه

ومات حنينا إليها.

سلمية الطفلة التي تعثرت بطرف أوروبا

وهي تلهو بأقراطها الفاطمية

وشعرها الذهبي

وظلت جاثية وباكية منذ ذلك الحين

دميتها في البحر

وأصابعها في الصحراء.

يحدّها من الشمال الرعب

ومن الجنوب الحزن

ومن الشرق الغبار

ومن الغرب.. الأطلال والغربات

فصولها متقابلة أبدا

كعيون حزينة في قطار”.

عمارات من علب الدواء

الماغوط، رغم الأوقات التي قضيتها وقضاها معه القليلون، ورغم الأدوية التي كانت تحيط به من كل حدب وصوب، لم يكن يستطيع إلا أن يمسك بقلمه ودفتره ويستمر في الكتابة: ‏

“أصابعي مطر ‏

ودفاتري غيوم ‏

وكلّما كتبت قصيدة أو مسرحية أو خاطرة ‏تحلّ محلها أخرى جديدة كما في باليه بحيرة البجع ‏

إنني بحر لا ينضب ‏

ولا يهدأ لي بال ‏

إلا إذا أعطيت وأخذت.. ‏

ولذلك لا مكان للبعوض في حياتي”.

مات محمد الماغوط جسدا، وبقي وكأنه لم يمت، يعيش الناس على قصائده، ويعيدون مشاهدة المسرحيات التي كتبها، وأداها الفنانون السوريون، دريد لحام ونهاد قلعي وآخرون، يقرأون كتبه النثرية، وزواياه المجموعة، تمرّ صورته وهو يمضي عبر طريق الربوة على ضفاف الشام متجها إلى مقهى “أبو شفيق” ليكتب الشعر وحيدا عالقا في حب سنية صالح زوجته الشاعرة السورية التي سبقته إلى الموت وتركته وحيدا في دمشق.

14