محمد المخزنجي مثقف مصري مستقل في وطن الانحيازات المفروضة

الاستقلالية هي الكلمة المفتاحية التي يمكن بواسطتها فكّ شيفرة المخزنجي ككاتب وإنسان، فالرجل اختار منذ بدايته الفكاك من الانحيازات، والخلاص من المركزيات، والانفلات من الاستقطابات.
الثلاثاء 2019/02/12
مُعالج نفسي وناشط بيئي يكتب وصفات مثيرة للقُراء

صياد النسيم الذي ينظر إلى الحاضر، وعينه دائما على الآتي، حتى لو كان الموت يضحك في الطرقات. ينطلق جنوبا وشرقا في الرحلات والرؤى، ويظل على سفر فرديّ في الدروب والمسالك الوعرة وإبحار موسوعيّ في المعارف والمعاني والآداب. ينسج الإبداع بخيوط العلم، ويعزف برشاقة الصحافي وعُمق السارد على أوتار الماء، مخاطبا الكبار والصغار على السواء بلغة المثقف المستقلّ في وطن وزمان عنوانهما “فرض الانحيازات”.

محمد المخزنجي طبيب ومعالج نفسي وأديب وكاتب صحافيّ، وسّع دائرة وصفاته لتكون للبشر جميعا من قرّاء الأدب والصحافة عبر الرواية والقصة وأدب الرحلات والمقالات والتحقيقات في ميادين اجتماعية وسياسية وإنسانية عدة. فضلا عن الكتابة للأطفال، ولم ينس الناشط البيئي الذي كان شاهدا على انفجار مفاعل “تشيرنوبيل” النووي في أوكرانيا، في أثناء دراسته الطب هناك، أن على الأرض رفاقا آخرين وحياة برية جديرة بالاهتمام والاحترام.

 تجربته تنفتح على “أجمل الزهور” و”فندق الثعالب” و”آخر حيل الغزلان”، و”عوالم الحيوانات” التاريخية والأسطورية منذ الجاحظ، و”الحقيقية في أيامنا”، وصولا إلى “بيانو فاطمة.. والبحث عن حيوان رمزي جديد للبلاد”، في كتابه السحري الذي يتنبأ فيه البيانو بالاهتزازات الارتدادية، وما أشدها وأقساها على المُسالمين والحالمين بالاستقرار.

أفضل مجموعة قصصية
أفضل مجموعة قصصية

شيفرات المخزنجي

الاستقلالية هي الكلمة المفتاحية التي يمكن بواسطتها فكّ شيفرة المخزنجي ككاتب وإنسان، فالرجل اختار منذ بدايته الفكاك من الانحيازات، والخلاص من المركزيات، والانفلات من الاستقطابات. انتقل من خانة الطب الضيقة إلى براح الكتابة، وفي المضمار الجديد أيضا لم يعرف الثبات، فمن لون إبداعي إلى آخر في حقول الأدب ومجالاته المتنوعة، ومن صحيفة إلى أخرى في بلاط صاحبة الجلالة، مثل مجلة “العربي” الكويتية، وصحف “الأهرام” و”الشروق” و”المصري اليوم” في مصر.

حصّن المخزنجي نفسه من شبهة الانتفاعية الفجة التي التصقت بكثيرين من مُجايليه ممن يُسمّون “كتّاب السلطة”، فكتاباته حتى وإن اتسقت مع توجهات الدولة المحورية ومساراتها الأساسية تبدو إقناعية، عقلانية، لا تتخذ الشكل الدعائي، ولا تنطلق من بوق زاعق، ونأى بنفسه عن التحزب والشللية والانتماء الأيديولوجي الصارم لمذهب أو جماعة أو تيار، فجاءت كتاباته المخالفة للمجاني السائد مبادرات ذاتية وليست كليشيهات جماعية لتكتّلات.

فرق كبير لدى السلطة، بالتأكيد، بين أن يكون الكاتب مُعارِضا في بعض الآراء والتوجهات والمواقف والاختيارات، وأن يكون من المُعارَضة، كحركة تعمل على الأرض على طول الخط من منطلق صراعي هدفه التناطح والتنافس وسحب البساط وتكوين مركزية بديلة، ففي الحالة الأولى يمكن أن تكون السلطة حيادية مع الكاتب، بل إنها قد تجد في مخالفاته واجتراءاته ما ترسّخ به أمام الرأي العام لوجود تعددية ومساحة من الديمقراطية.

أما في الحالة الثانية، التي تستشعر فيها السلطة الندية والمواجهة، فإنها تسعى إلى التضييق على الكاتب، ومنعه من التحليق أبعد مما هو محدد له في منظورها، وربما يتطور الأمر بعد ذلك إلى تغييب متعمد أو تشويه أو ملاحقة قضائية.

اختيارُ المثقف مسلكَ الاستقلالية ليس هيّنا، فالمنافع الرخيصة القريبة مقترنة دائما بالانحيازات والحلول السهلة، فأدباء السلطة هم الذين يجري تلميعهم بالتوجيه المباشر، وهم حاصدو الجوائز وناشرو أعمالهم في مؤسسات الدولة والمبتعثون خارجيا إلى المحافل الدولية، وأبواق الدولة هم رؤساء مجالس إدارات الصحف القومية ورؤساء التحرير المعيّنون وأعضاء الهيئات التنظيمية في مجالات الإعلام، ولا يقتضي المضي قدما في هذه الدروب الانتهازية بذل الكثير من الجهد المهني والاحتشاد الفني التأصيلي، فالعلاقات المباشرة وكسب ود أصحاب القرارات السيادية لهما الكلمة العليا في التقييم.

أوتار الماء

في تجربة المخزنجي، الكاتب المتنوع، حاصد جائزة الأدب المصري لكبار كتاب القصة القصيرة وجائزة مؤسسة ساويرس لأفضل مجموعة قصصية “أوتار الماء”، وصاحب “مداواة بلا أدوية” في الطب التكميلي و”حكايات بيتنا الأرض” في الوعي البيئي، هناك توازن واتزان في حركة القلم، شأن إيمان هذا القلم بالنسق الكوني والمنهج العلمي، فالاستقلالية بلا عقل مهيمن هي شرود وجنون، والسباحة ضد التيار بغير سواعد فتية محكومة بعناية هي الغرق المؤكد.

بوصف نجيب محفوظ، فإن المخزنجي هو “صاحب الموهبة الفذة في عالم القصة القصيرة”، وقد تعلم الابن من والده قيمة الاستقلالية للمثقف، وأن من مقومات نجاح هذه الاستقلالية ومصداقيتها وثقلها أن تكون راجحة المنطق والإقناع، غير عدائية أو صدامية، فالصوت العالي يصلح للتظاهر بالقول والهتاف، لكنه أبدا ليس من فنون القول ومهارات القلم، حتى في كتابة المقال.

بِجَمْع المخزنجي، صاحب “رشق السكّين”، بين الخبرة الحياتية المتقدة والمعرفة العلمية العميقة والثقافة الإنسانية الواسعة والقيم الاجتماعية والإنسانية النبيلة، عرف كيف يستخدم القوة الناعمة كقطعة حلوى معسولة أحيانا، وكسوط ناري لاهب في أحيان أخرى، وفي الحالين هو يداوي بها جراحا، ويفضح بها مكائد، ويقطع بها ذيولا، ويقاوم بها انتهازية وطغيانا وفسادا وطيور ظلام محدقة.

كتابات المخزنجي تهاجم الإخوان بضراوة حتى قبل ثورة 30 يونيو 2013. فقد نشر مقالا في صحيفة " الشروق " ينتقد فيه حكم جماعة الإخوان في مصر، معتبرا أن الخطيئة الأولى التي أدت إلى ركام الخطايا الخانقة للبلاد هي اللعب بورقة الدين في السياسة، والزعم بأن أفراد جماعة أو جماعات بعينها هم وكلاء الله على الأرض

هذا الزخم في تجربة المخزنجي خلق منها حالة خاصة، فالأدب ممزوج بتشويق الصحافة وجاذبيتها وإثارتها، والصحافة مشحونة بسحر الأدب وعمقه وخيالاته، واللغة الإبداعية الممسوسة بالشطحات وخزعبلات اللاوعي هي في الوقت نفسه معبأة بمسلّمات العلم وقوانينه، والرؤية الفلسفية تزيد العبارة اتساعا، فالوجود الإنساني وفق نظرة الكاتب والطبيب مرهون بالتقاء ثلاث حالات معا، هي المدرك الحسي الملموس، والمحسوس النفسي، والقدرة الخفية الخارقة.

تمكن المخزنجي جيدا من توليفته متشعبة العناصر والنكهات، وعكست كلماته في طرقها وتشكلاتها المتعددة صورة كلية موحدة للذات، تنم عن شفافية وتناسق وأصالة وتحفظ ووقار، فكل شيء بقدر، وكل كلمة بمعيار، وكل اعتراض بشروط، وكل مُتَّجَه فوضوي بنظام، وكل شطط دون إخلال، وكل جنون بعقل.

وفق هذه المنطلقات، كتب المخزنجي المستقل أدبه المصهور في بوتقة العلم، بعبارات شعرية مكثفة وإيقاعات موسيقية وازنة، بما مكنه من تأسيس مشروعه الخاص المتميز في مجال الواقعية العلمية والقصة القصيرة جدا، وصارت له بصمته المعروفة في استقطار أدق التفاصيل من المشاهد اليومية الصغيرة.

خاض معاركه ومواجهاته في الميادين المختلفة بلغته المحنكة، مهاجما منتهكي حقوق الإنسان وأعداء البيئة ومافيا صناعة الأدوية، ودعاة الطب الشعبي من المشعوذين والدجالين، وغيرهم من رموز الفساد، بالإضافة إلى إسهاماته في الكتابة السياسية، التي أكملت ملامح وجهه ككاتب وإنسان.

العزلة الاختيارية

الكاتب المصري الراحل نجيب محفوظ وصف المخزنجي بأنه "صاحب الموهبة الفذة في عالم القصة القصيرة"، وقد تعلم الابن من والده قيما عديدة للمثقف. سواء في تعدد مستويات التأثير أو في أصالة الرسالة الأدبية
الكاتب المصري الراحل نجيب محفوظ وصف المخزنجي بأنه "صاحب الموهبة الفذة في عالم القصة القصيرة"، وقد تعلم الابن من والده قيما عديدة للمثقف. سواء في تعدد مستويات التأثير أو في أصالة الرسالة الأدبية

يبدو المخزنجي صديقا للعزلة الاختيارية بوصفها المناخ الأمثل للتركيز والإنجاز، لكن ذلك لا يعني انفصاله عن الشأن العام، خصوصا المشهد السياسي. من الاستقلالية كذلك، والهدوء، والتفكير، والدهشة التحليلية، والثقة بالذات، نبعت كتابة المخزنجي السياسية، فالرجل الذي “شكلته الرحلة والتأملات الشاردة والتسللات إلى العوالم المغلقة”، حسب وصفه لنفسه، هو صاحب موقف شخصي ورؤية ذاتية إزاء الأوضاع والأحداث، وهذه الرؤية غير مؤدلجة ولا متحزبة، كما أنها غير مطابقة لرؤية السلطة ولا متعارضة معها بالضرورة على طول الخط، فهو يدلي بدلوه دون أن ينظر إلى أحد، ولا يعنيه اتفاق الفرقاء أو اختلافهم.

قبل ثورة 30 يونيو 2013 بثلاثة أيام، نشر المخزنجي مقالا في صحيفة “الشروق” يهاجم فيه بضراوة حكم جماعة الإخوان في مصر، معتبرا أن الخطيئة الأولى التي أدت إلى ركام الخطايا الخانقة للبلاد هي اللعب بورقة الدين في السياسة، والزعم بأن أفراد جماعة أو جماعات بعينها هم وكلاء الله على الأرض.

ووصف صراحة فترة حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي بالمريرة، حيث أنه بعد إخفاقه وتدني شعبيته أوصل مصر إلى الفشل الاقتصادي والسياسي والأمني، الأمر الذي “يقطع بأن هذا الرجل فى سدة الرئاسة لا أمان له ولا أمانة، وليس بالرجل الطيب كما يتم تسويقه”.

معاركه ومواجهاته تشمل ميادين مختلفة، خاضها بلغته المحنكة، مهاجما منتهكي حقوق الإنسان وأعداء البيئة ومافيا صناعة الأدوية ودعاة الطب الشعبي من المشعوذين والدجالين وغيرهم من رموز الفساد

استمرت انتقاداته لجماعة الإخوان في ما بعد ثورة يونيو وفض اعتصامي رابعة والنهضة، فضحايا فض الاعتصامين، خصوصا من الفتيات الصغيرات والشباب الغض، من وجهة نظره “يتعلق وِزر دمائهم الأكبر في رقبة من دفعوهم إلى الموت، بالخديعة، وتوزيع صكوك الشهادة، ودس المسلحين بين صفوفهم ليتساقط أكبر عدد منهم حين تبادُل إطلاق النيران، استثمارا لمظلومية يصنع منها الزعماء أسطورة، تُيسر عودة عصبتهم المستقوية بالغرب المُخاتل إلى قلعة فقدوها”.

مرات نادرة هي التي جاءت فيها كتابات المخزنجي تأييدا للسلطة أو النظام، أو أي قوة سيادية، منها مقاله في يوليو 2013 بصحيفة “الشروق” في لحظة وصفها بأنها “فارقة، لا مكان فيها للمائع، أو الأُلعبان، أو الثعبان، أو المسموم، أو المأزوم”، فساعتها أعلن المخزنجي انحيازه “لخطوة الجيش الوطني المحسوبة عندما أصغى لأنين الأمة واستجاب لخروجها الهادر الصارخ”، ووصف تحركه ضد حكم الإخوان بأنه “مروءة لا انقلاب”.

كتاب سحري
كتاب سحري

ثورة يناير استعادة للكرامة

موقفه من ثورة 30 يونيو، هو بتقديره تتمة لموقفه الأول المنحاز إلى ثورة 25 يناير 2011، التي وصفها بأنها “ثورة استعادة الكرامة”، حيث الاعتزاز بالذات، و”شعور الكل في واحد والواحد في الكل”، ففي ميدان التحرير بوسط القاهرة تحققت بتعبيره “منظومة كاملة متناغمة في معزوفة شاملة من الفرح، برغم الشدة وقلق الترقب، ابتهاج إنساني لحشود تشعر الآن بأنها الأقوى، وهي تستعيد كرامتها من حفنة في الحكم كانوا يتصرفون وكأن هذه الملايين كلها لا أحد”.

المتابع لكتابات المخزنجي، في ما بعد الانتخابات الرئاسية وزوال الإخوان من المشهد، يجد أنها قد ندرت في الشأن السياسي المباشر، سواء بالتأييد أو المعارضة، حيث قادته استقلاليته إلى متنفسات إنسانية أخرى ملائمة لما تسمح به هوامش التعبير المتاحة محليا، كالقضايا الاجتماعية والحقوقية والاقتصادية والبيئية والعلمية والطبية والمشكلات الراهنة في سائر المجالات، فضلا عن إثارة الجدليات الفلسفية والفكرية والجمالية والفنية، بما تستوعبه ضمنيا من إسقاطات وترميز، شأنها شأن لعبة الإبداع التي لا تخلو من إدانة الواقع والذات في آن.

من ذلك، ما كتبه بصحيفة “المصري اليوم” عن “وزراء يركبون القردة عندما يؤمن الحُكْم بأن الأمة أكبر من نظامه السياسي”، متخذا من التجربة الهندية في إنتاج وتوطين وتطوير صناعة السيارات مدخلا وإسقاطا، للوصول إلى أنه إذا كان الوقت صعبا، فإن الفرصة لم تَفُتْ بعد، لكن هذه الفرصة “لا يستحقها إلا من يذهب إليها بعقل مُنفتح وقلب سليم، بإيمان بأن الأمة أكبر وأبقى من أي تنظيم سياسي، أو شِبه تنظيم سياسي، لأي حكم”.

حالة كحالة المخزنجي لا يصح وصفها بالحيادية مع كل ما تقدم، فالكاتب عليه أن يتخذ موقفه النقدي من العالم من حوله، وحين يتخذه يخرج من عباءة الحياد إلى موضع الرائي والمستشرف للمستقبل. وهو وحده من يجب أن يفعل هذا، وليس الذين في السلطة أو الذين في الشارع.

13