محمد المطرود: سيأتي الوقت غدا لنقول إننا انتصرنا

المثقف أول من يقاوم وآخر من ينكسر، على امتداد يومين رقصت مدينة كولن الألمانية مؤخرا على إيقاع الشعر من خلال “مهرجان القصيدة السورية الأول بألمانيا”، فاحتضنت بكاء وفرح السوريين شعراء وجمهورا جاؤوا من مدن ألمانية مختلفة وحتى من خارج ألمانيا، فقط ليقولوا للعالم إن السوري يرفض الموت ومازال رغم المنفى والتعذيب والقتل والتشرد مصرا على الحياة وعلى الشعر والجمال. “العرب” التقت الشاعر والناقد محمد المطرود صاحب فكرة المهرجان وأحد المنظمين والمشاركين فيه.
الأربعاء 2016/04/27
نستطيع صناعة ما نريد

محمد المطرود وثلة من الشعراء السوريين نظموا “مهرجان القصيدة السورية الأول بألمانيا”، الذي تبنى شعار الشعر والحياة “لأن القصيدة ممكنة فالحياة ممكنة” ليحتفل بسوريا والثورة على الوجه الأبهى بالشعر.

اختار الشعراء السوريون الاحتفاء بسوريتهم وثورتها عن طريق “مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا”. عن القدرة التغييرية للشعر يقول محمد المطرود “لو لم نؤمن بالقصيدة لما قلنا إنها حين تكون ممكنة فالحياة ممكنة، وربّما لا حيلة لدينا_ أكثر من الشعر_ ونحن هنا في هذا ‘القليل‘ رغم أنه يوفر لنا الحياة البعيدة عن حياتنا هناك. أناسُنا ملوا من الخطابات والشعارات والمؤتمرات والعسكر، فكان لا بد من لغة أخرى مغايرة تجمعنا بهم بوصفنا منتجي ثقافة وأبناء لمن يضع الثقة فينا ويعول على الكلمة. للشعر قدرة على بثِّ الأمل والتفاؤل وهو ما وجدناه في تلقي من جاء ليسمعنا، كانوا فرحين بنا وكنا فرحين بهم. لهذا نؤمن بالشعر وقدرته على قول مختلف يندد بالحرب وينتصر لنا بوصفنا أبناء الحياة أيضاً”.

من القامشلي إلى كولن

فكرة المهرجان ولدت في القامشلي بسوريا وهاجرت أو بالأحرى نفيت مع الشاعر محمد المطرود، وتبلورت واقعا في كولن، يعلق المطرود “أردنا القول نحن لسنا عاهات أو عالة وإنما نخب وكفاءات ورسالتنا الثقافية تدخل من بوابة المنافسة مع المكان الذي نشغله، وبهذا العمل فنحن نؤكد بأننا لسنا متلقين للفعل وعالكين له بقدر ما نحن نستطيع صناعة ما نريد، كذلك لسنا أبناء الدهشة من الوضع الذي نحن فيه غصبا عنا، وليست لدينا رغبة في حياة جديدة تحقق المأكل والملبس والمأمن لنا وتغيّبنا كأشخاص لهم دور وفاعلية، وبهذا فنحن نؤسس للعودة أكثر من البقاء بعيدا”.

نستطيع أن نقول “مهرجان القصيدة السورية” هو أول تظاهرة سورية بحتة، بزخم عال، وتمويل لم يخضع لأحد كما صرح المنظمون، ويؤكد ضيفنا أن المهرجان كان أشبَه بالمغامرة، وأنه لو فكروا كثيرا في العواقب، وفي ما تعرضوا له في ما بعد، والجهد الذي تحمّله أشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، لكانوا أعرضوا عن المهرجان وتركوه مثل أحلام كثيرة لم يكتب لها أن تتحقق.

التهويم أو المواربة والانزياحات التي تمنحها اللغة باتت غير مستوفية للحديث عن حجم الهدم الذي شمل العمران والأنفس

يضيف الشاعر “هناك الكثير الذي سنفعله، لقد تلقينا دعوات كثيرة ورغبة من الكثيرين لمساعدتنا، أعلنا عن مجلة ستنطلق قريبا وعن كتاب أعددته وقدمت له بالمشاركة مع الصديق الشاعر فايز العباس وسيترجم إلى الهولندية، بمساعدة من الباحث الآثاري خالد الناعس، الذي كانت له يد بيضاء في دعم مهرجاننا، كذلك خططنا ومن الآن للاتفاق مع مترجمين لترجمة النصوص للدورة القادمة من المهرجان وإشراك شعراء ألمان، أيضا سننطلق ومع توقيع الكتاب الجديد بمشروع “رحلة قصيدة” وسنبدأ من هولندا باستضافة شعراء سوريين وعرب، ومن ثم ننتقل إلى دول أخرى في أوروبا، ليس كلامي قفزات في الهواء، فالأمر بيد شباب طموحين يرغبون في التأسيس لحالة صحية ثقافية تنتصر للحياة”.

عن المسؤوليات الكبرى التي تلقى على عاتق السوري المثقف المغترب تحديدا اليوم، يقول ضيفنا “الحرب تأخذ الكثير يوميا من الدم السوري وأحلامه ولقمته، والسوري صار مشردا ونازحا ولاجئا، ما أصابه لم يصب أحدا منذ الحروب العالمية الكبرى، ومازال واقفا وقادرا على الصرخة والصبر، لا أريد أن أتشاطر باللغة على ما يخص وضع السوريين المؤسف والمبكي والداعي إلى الفخر أيضا، هذا الإنسان الذي نكل به وساهم العالم كله في محاولة إذلاله طيلة خمس سنوات كارثية وصادمة، مازال يعطي من أجل ما آمن به ودافع عنه ورآه حقا له، تشظت الأمور لكن بقيت قيم السوري وثوابته وإيمانياته قائمة وثابتة، وسيتوفر الوقت غدا لنقول إننا انتصرنا وهي حتمية، الحتمية الجديدة للسوريين، المثقف ربما دوره والسلاح ينتشر في كل مكان سيكون ضئيلا لكنه مهم، ولو جاز لي أن أوضح هنا سأقول إن المثقف لم يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والأدبية -الكثير منهم_ بل ذهب حيث يذهب القطيع، فقتل القطيع وقتل نفسه. خلاصة: دور المثقف متأخر عن حركة الثورة ولذلك نجد مثقفا كبيرا يقف خلف سياسي محدث”.

حمل كاذب

أمام الحرب ثمة من يرى أن أي كتابة هي محض عبث، لذلك يلجأ الشاعر إلى كتابة نصوص موازية ليست شاعرية غالبا. يعلق المطرود “الشاعر يجد مداورته للحدث بالتهويم أو بالمواربة والانزياحات التي تمنحها اللغة غير مستوفية للحديث عن حجم الهدم الذي شمل العمران والأنفس، لذلك نجده كتب نصوصا موازية لا تميل كليا إلى الشعر ومقتضياته وإنما تزاوج بين ما هو شعري ووقائعي، ولعل ذلك محاولة تنتمي إلى الأخلاق، فإظهار الحقيقة برتوش خفيف أجدى من التعمية أحيانا التي ينتهجها بعض الشعر، وبذلك نكون أمام تدوينات تقول حال الناس بما يعيشون أكثر بما يجب كيف أن يعيشوا”.

محمد المطرود كاتب سوري عايش ويعايش اليوم الوجع السوري، كتب ضمن القوالب الأدبية المختلفة، فهل مازال في “صدر” الكتابة متسع لقول آخر؟ يجيب ضيفنا “الكتابةُ تتجدد بالقراءة، قراءة ناسفة لما اعتدناه، قراءة تأخذ بالمعطيات الجديدة، وقراءة قارئة لهذا الوجع من زاوية المعرفة، القراءة المتأخرة عن الحدث ليست معرفة، إذا هناك الكثير في صدر الكتابة ويمكن قولهُ، وفي المهرجان أثرنا في إحدى الجلسات جدوى الكتابة وخلصنا إلى أننا والوضع السوري والكتابة التي توجهت له يمكن أن نبني حسا نقديا أيضا، سيقرأ المنجز بجدته واختلافاته على أنه ظاهرة ستصل حدود النسق”.

الكتابة تتجدد بالقراءة الناسفة لما اعتدناه، قراءة تأخذ بالمعطيات الجديدة وتقرأ الوجع من زاوية المعرفة

فضحت الثورة السورية الكثير من الأقلام وعرت ما كان مخفيا تحت بريق الأسماء، وهزت عروشا لم نتخيل يوما ونحن نقرأ لها أنها قابلة للهدم، يؤكد محمد المطرود على ذلك، يقول “كانت هناك أسماء شكلت ذاكرتنا وأساساتنا المعرفية والشعرية، وكذلك كان خطابها المعرفي ميالا إلى الثورية ومتساوقا مع حركة الشعوب والثورات والآمال، لكنها مع أول احتكاك مع الاستحقاق الذي وضعونا فيه وكانوا ينادون به، تخلت لصالح الأنظمة المستبدة والتي كانت تراها مستلبة وتستمد كتابتها وخام موادها من شعور القهر الذي يبدو أنه “حمل كاذب”، الثورات تحقق فعلها التغييري وأهدافها، ففي الوقت الذي نجد فيه نزوحا لتلك الأسماء عن أخلاقها والتزاماتها الأدبية، نجد فورة جديدة من كتاب جدد، بدأوا يشكلون المشهد في أصعب الظروف وبأقل الممكن الإعلامي الذي خطفه ‘الكبار‘ أو الذين توهمنا بهم على أنهم كبار”.

يعلق المطرود عن عبوره نحو منفاه بالقول “عبرتُ بنفسي أولا إلى ما حسبتهُ أمانا وبعدا عن الحرب، لكني فوجئتُ بأني حملت معي كلَّ الأصوات العالية والناس المشوهين بفعل الكارثة هناك، توقفت وقتها وخلت أني لن أعاودَ الكتابة ثانية، فقد كنت بحاجة لصوت أعلى من الصوت الذي في داخلي، بل إلى صرخة، ويسعدني أن كتابي الأخير لم يكن ردة فعل، كانَ جزءا من ذلك التعالق الحثيث مع مشاهد عاينتها بنفسي وبعضها نُقلت إليَّ”.

15