محمد المليحي رسام الكنوز التي يلقيها البحر على الشاطئ

الأحد 2014/05/11
المليحي وجد في البحر ملاذا لخياله المسافر بين القارات

له في مراكش ما له في طنجة: بيت وأصدقاء ومقاه وذكريات. ما بين شمال المغرب وجنوبه، بين بحره وصحرائه يمد محمد المليحي خيطا خفيا من التأملات البصرية، ليصل إلى اللامتناهي من الأشكال التجريدية التي لا تعلن إلا عن درجة صفائها ورغبتها في أن تحلّق وحيدة، منفصلة عن أصولها الواقعية، كما لو أنها تضفي من خصالها صفات على المشاهد الطبيعية التي لا يزال المليحي يهيم في مطاردة تجلياتها، مثلما كان يفعل في طفولته وهو المولود عام 1936 في أصيلة، البلدة الصغيرة النائمة على ساحل بحر الظلمات.

ابن أصيلة الذي يرسم خطوطه كما لو أنه يحاول التقاط نغم صادر من جوف قوقعة صامتة كان قد وجد في مرحلة مبكرة من حياته الفنية في البحر ملاذا لخياله المسافر بين القارات، هناك حيث عاش ودرس وعرض رسومه في البرهة التي انفصلت من الزمن التقليدي، لتصنع منه رساما لا تحتاج رسومه إلى توقيعه لكي تؤكد انتسابها إليه. صنيعه الذي يشبهه في كل لحظة إلهام كان قد استدرج النظرة الأولى التي يلقيها الغرباء على بلدته ليصنع منها كونا شخصيا. ولأن البحر يقع قريبا من خطوته، أينما ألقيت، فقد كانت الأمواج تنساب بخفة وعذوبة إلى سطوح لوحاته.


أندلسه الصغيرة


في السنوات الأولى من خمسينات القرن الماضي درس المليحي الرسم في المدينة البيضاء (تطوان) القريبة من بلدته. أندلس صغيرة كان الفنانون الإسبان قد أسسوا فيها معهدا للرسم وصاروا يصنعون فيه جزءا من مأثرة فنية سيقع عدد من فناني المستقبل المغاربة في أسرها، في مقابل الأثر الذي تركه الفنانون الفرنسيون في مناطق أخرى من المغرب. لذلك كان من الطبيعي أن ينتقل المليحي إلى إشبيلية ومن بعدها إلى مدريد، ليغني معرفته بعالم كان قد انفتح أمامه على مباهج بصرية، حركت في أعماق روحه مياها كامنة.

للجغرافيا شغبها وللتاريخ مهابته. فكيلومترات قليلة من الماء تفصل بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا كانت بمثابة السجادة التي تركت أقدام الأندلسيين الهاربين إلى المغرب عليها زخارف لا تمحى. حكاية شعب لا يزال حتى هذه اللحظة يملأ أشعاره بالتنهدات. لقد سلب زخرف السجاد الأندلسي والزرابي التي كان المغاربة يهيمون في فضاءاتها التجريدية لب الفتى الذي كان يزاوج في خياله بين ما هو شعبي من عادات فنية صارت تسمى بالفلكلور وبين ما هو مدرسي يعود بأصوله إلى تجارب فناني عصر النهضة وفي مقدمتهم فيلاسكس.

انصب اهتمام المليحي في مرحلة من مراحله الفنية على تأثير الفن على المجتمع


سفر بعده سفر


في معرضه الاستيعادي (من طنجة إلى طنجة) الذي أقامه في مراكش، كان المليحي حريصا على تتبع آثار قدميه، في اللوحة وخارجها. كانت أسفاره قد تركت أثرها العظيم على تجربته الفنية التي ما فتئت تتجدد، مثله تماما، مثل حياته الشخصية التي حرص على أن تكون مرآة لفنّه.

فبعد المرحلة الإسبانية، كانت روما محطة طريق استثنائية في الطريق إلى باريس التي أوصلته إلى نيويورك. في روما أواخر الخمسينات انغمس المليحي في تقنية الكولاج وهو ما جهزه لاحتواء انفعاله بإنجازات تيارات فنية، سيكون لها تأثير في تحديد مصيره الفني، من جهة اكتشاف أسلوب شكلي بعينه سيكون بمثابة طريقته في النظر إلى العالم من خلال الرسم، وإلى الرسم من خلال العالم. كانت إقامته في نيويورك بداية العقد الستيني من القرن الماضي قد شهدت انفتاحه على انجازات فناني تيارات فنية كانت قد وضعت مفهوم الفن باعتباره وهما بصريا موضع التنفيذ، أقصد تيارات (الفن البصري والفن التقليلي والفن الحركي) وهي تيارات كانت تعيش يومها في نيويورك ذروة تألقها التي هبطت من بعدها إلى الدرس التاريخي.

كل ما عاشه من تجارب حياتية، حيث كان البحر رصيده البصري. كل ما تعلمه من الفنانين الإسبان من تقنيات متحررة من الهاجس التاريخي، وجده في فنون تكتسب ضرورتها من حركيّتها المتموجة المستمرة في تداعياتها.

في السنوات الأولى من خمسينات القرن الماضي درس المليحي الرسم في المدينة البيضاء (تطوان) القريبة من بلدته. وكان الفنانون الإسبان قد أسسوا فيها معهدا للرسم في مقابل الأثر الذي تركه الفنانون الفرنسيون في مناطق أخرى من المغرب


بعد نيويورك


كما لو أنه يحلم في المغرب كانت يده تتشبع بالحنين إلى أمواج الأطلسي، لكن من جهة لغة سكان بلدته الصغيرة. وكان ذلك الحلم هو الأساس الذي استند إليه المليحي في التأسيس لنقلة نوعية كبيرة في الفن المغربي. كان إلى جانبه يومها محمد شبعة وفريد بلكاهية. ثلاثة فنانين كانوا عنوانا لحداثة فنية شهدها المغرب في ستينات القرن الماضي بعد أن مهدت لها تجارب الخمسينيين أحمد الشرقاوي وجيلالي غرباوي.

يقول المليحي: "لست في حاجة إلى أن أكون داخل مرسمي، أو أُصَوِّر كي أحسّ أني فنان. يمكن أن يكون المرسم مكاناً للتركيز أو مكاناً للاستبطان. ليس المرسم غاية في حَدّ ذاته".. وهو ما مهد لظهور الفنان الشامل الذي انطوت عليه شخصية المليحي.

كان الرسام الذي حلم في أن يكونه هو الشخص الذي يقود خطاه في الطرق المتشعبة التي مشى فيها. فعلى امتداد نصف قرن، منذ 1956، وهو يوزع اهتماماته بين فنون عديدة، لم يكن فن الرسم إلا واحدا منها. لقد كان ضليعا في فنون التصوير الفوتوغرافي والتصميم الغرافيكي وإخراج الأفلام الوثائقية ونشر الكتب الفنية. كما نفّذ العديد من الجداريات المُدْمَجَة في المعمار مع مهندسين معماريين مغاربة وأجانب. وكان نحاتا وجد ضالته في تحقيق نسق معياري بين كتلة صامتة وفضاء عمومي صاخب. كان المليحي واحدا من أهم نحاتي المغرب، لا بسبب صفاء قدرته التقنية التي تصل إلى مرحلة الخلاصة البصرية بل وأيضا بسبب ولعه بفضاء العيش المغربي، الآهل بالمغريات الحسية، من يلتقي المليحي لا بد أن تأسره أناقته في التفكير والملبس والكلام، هذا رجل لا ينتج إلا أعمالا فنية أنيقة مثله. كانت أناقته تتقدمه في كل ما يفعله.

يقول المليحي: "لستُ في حاجة إلى أن أكون داخل مرسمي، أو أُصَوِّر كي أحسّ أني فنان. يمكن أن يكون المرسم مكاناً للتركيز أو مكاناً للاستبطان. ليس المرسم غاية في حَدّ ذاته"


العودة إلى أصيلة


لذلك كان مهرجان أصيلة وهو واحد من أهم بناته إلى جانب الوزير ورئيس بلدية أصيلة محمد بن عيسى نادرا في أناقته لو قارناه بالمهرجانات الفنية العربية الأخرى، هناك في مهرجان أصيلة شيء تفتقد إليه المهرجانات الفنية العربية: الحرية.

انصب اهتمام المليحي في مرحلة من مراحله الفنية على تأثير الفن على المجتمع، فكان وجود ابن عيسى، صديقه على رأس السلطة في أصيلة مناسبة لتمرين جمالي، يشارك فيه الناس العاديون بأيديهم وأبصارهم وخيالهم، لقد صنع الرجلان مدينة خيالية، لها من الحكايات ما يشبه الأمواج التي ترتطم بيابستها. غير أن كل شيء في أصيلة كان يذكر بلوحات المليحي. فهل صنع الرجل مدينة تشبه لوحاته أم إنه التقط جزءا من أحلامها النائمة ليضعه على لوحاته؟

لقد عاد المليحي إلى المغرب ليكون ابن بلدته الصغيرة أصيلة. وهو حدث نادر من نوعه في العالم العربي. سافر بين القارات ومشى بين دروب الفن وتزوج غير مرة بما يذكر بالمدن التي مر بها وبتحولاته بين الأساليب الفنية، غير أن بصمته المغربية ظلت عنوانا لخيلائه المتواضع وهو يمر ببلدة نائمة على ساحل بحر الظلمات، كانت قد شهدت ولادته. سيخترق بحلمه ذلك النوم القديم، ليكون مروره نوعا من الصدمة.


المرأة واحدة من تجلياته


عام 2009 رأيت معرضا للمليحي في إحدى صالات العرض بطنجة، كانت العلاقة بالمرأة هي محور ذلك المعرض، يومها اكتشفت كم تغيّر المليحي. كانت تقنياته القديمة هي نفسها، غير أن سحرا كان قادما من الداخل قد أحدث تحولا جماليا لا بد أن يدركه المرء منذ النظرة الأولى. كان هناك غزل سحري فاتن بكل ما يستدعي النساء إلى عالم شهواتهن السرية. ما أجمله محمد المليحي وهو يشير بنقاء طفل إلى ما ارتكبته يداه من آثام نظيفة، حتى في استعراض ذكورته كان كعادته أنيقا ومقلا.

8