محمد باقر قاليباف رئيس جديد للبرلمان في أكثر مراحل النظام الإيراني خطورة

الاستحواذ المتنامي للتيار المتشدد في إيران يولد سخطا شعبيا كامنا وزيادة في نسبة الاستياء لدى بعض المهمشين داخل المؤسسة الحاكمة.
الخميس 2020/07/09
سياسي إيراني يرفعه الفساد إلى قمة الهرم

طهران - يمثل صعود محمد باقر قاليباف إلى قمة المجلس التشريعي الإيراني، تجسيداً صريحاً لحالة الذعر التي يعيشها النظام حيال المخاطر التي تهدد بقاءه. صحيح أن فساد المسؤول يزعزع شرعية الحكم ومصداقيته، لكن يبدو أن فساد قاليباف، تحديداً يحمل قيمة سياسية تخدم النظام أكثر مما تضره. فساد لم يشكل عقبة أمام ترقية قاليباف بل كان سببا فيها وقوة دفع مؤثرة في تسارعها.

ويتصور مراقبو المشهد الإيراني أن انهيارا وشيكا قد يحدث في بنية النظام في طهران، غير أن الأخير يستبق ذلك الاحتمال الوارد بالفعل، بإجراءات لتعزيز تماسكه من الداخل. فالصورة الذهنية لقاليباف، في أذهان العديد من الإيرانيين، تأتي من شهرته المرتبطة بقضايا الفساد وليس من مؤهلاته السياسية والعسكرية.

ويحفل سجل الطيار، البالغ من العمر 58 عاما، من مقاطعة خراسان الشمالية الشرقية في إيران، بالعديد من الملفات الملتبسة. وقد تميزت فترات عمله كرئيس لبلدية طهران، وقائد للشرطة الوطنية، ورئيس المقر الوطني لمكافحة الاتجار بالبشر ببعض من قضايا الفساد والاختلاس البارزة في تاريخ البلاد.

وتمثلت إحدى تلك القضايا، في منح قاليباف، عندما كان رئيسا للبلدية، العديد من الشركات والمؤسسات المقربة منه، عقارات ومباني في شمال طهران، تتخطى أسعارها أكثر من 500 مليون دولار، بأسعار مخفضة. وكنتيجة لذلك، طُرح اقتراح بفتح تحقيق حول هذه القضية في البرلمان، ولكن ذلك التحقيق تم تعليقه في نهاية الأمر بعد أن صوت 132 نائبا ضده تحت تأثير جماعات الضغط.

تمركز السلطة

قاليباف سيواجه أول اختبار سياسي كبير له في الانتخابات الرئاسية لعام 2021 حيث من المتوقع أن يساعد في تسهيل انتخاب سياسي يتمتع بنفس العقلية
قاليباف سيواجه أول اختبار سياسي كبير له في الانتخابات الرئاسية لعام 2021 حيث من المتوقع أن يساعد في تسهيل انتخاب سياسي يتمتع بنفس العقلية

وتحت تأثير العقوبات والضغوط التي تفرضها وتمارسها إدارة ترامب ضد إيران، رأت السلطة في نظام الولي الفقيه أن الأفضل هو احتواء الفاسدين واستثمارهم مهما كانت أخطاؤهم، مادام الولاء هو الفيصل. وبالنسبة لقاليباف لا يستطيع أحد التشكيك في ولائه للحرس الثوري، حاله حال العديد من الرؤوس الكبيرة في طهران اليوم، تساعده مؤهلاته السياسية المبكرة في الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينات، عندما خدم كقائد لواء الإمام رضا 21 وفرقة نصر الخامسة.

 تم تعيين قاليباف بعد الحرب، وبدعم من خامنئي، نائبا لرئيس ميليشيا “الباسيج”، قبل ترقيته إلى قائد مقر خاتم الأنبياء للإعمار التابعة للحرس الثوري الإيراني في عام 1994، ثم قائداً لسلاح الجو في الحرس الثوري في عام 1997. أما في هذا الوقت فإن خامنئي يعود ويتبنى قاليباف على أمل أن يلعب دورا مركزيا في إنشاء نظام سياسي متجانس يهيمن عليه المقربون والموالون.

التناغم والانسجام من وجهة نظر خامنئي يعنيان سيطرة المتشددين المتدينين الموالين للقيادة العسكرية والدينية العليا في البلاد على الحكومة والاقتصاد. وزيادة تلك السيطرة تباعاً، حتى أن الجنرال أمير علي حاجي زادة أعلن في يونيو الماضي، في حفل ضم كبار المسؤولين من وزارة الصناعة والتعدين والتجارة الإيرانية، أن الحرس الثوري سيدخل في صناعة السيارات، وهو سوق ضخم قيمته 15 مليار دولار يسيطر عليه المعتدلون وحلفاؤهم من المحافظين البراغماتيين في مجتمع الأعمال الإيراني.

وهكذا تتجمع كل مراكز القوة بيد المتشددين في الفريق الحاكم، كما هو الحال في تمركز السلطة القضائية بيد رئيس القضاة إبراهيم رئيسي، المعروف بدوره المباشر في عمليات الإعدام الجماعية للسجناء السياسيين عام 1988، سيكون الهدف التالي هو السيطرة على السلطة التنفيذية.

سلسلة الانتقام

ومن المحتمل أن يواجه قاليباف أول اختبار سياسي كبير له في الانتخابات الرئاسية لعام 2021 حيث من المتوقع أن يساعد في تسهيل انتخاب سياسي يتمتع بنفس العقلية السياسية. وفي خطابه الأول بصفته رئيس المجلس، اتهم الإدارة “المعتدلة” للرئيس حسن روحاني، منافسه في الانتخابات الرئاسية لعام 2017، بـ”الفوضى الإدارية وعدم الفعالية” وشجب “مظهرها الخارجي”. حتى أن حسين الله كرم، وهو من الصقور، تخطى جميع الحدود في مقابلة أجريت معه في 7 يونيو الماضي لتشجيع الجهود الرامية إلى حرمان أي شخص من “المعسكر الإصلاحي” من الحق في الترشح للرئاسة في العام 2021.

على النقيض من سلفه، علي لاريجاني، الذي أثبت دعمه لسياسة روحاني الخارجية للانخراط مع الغرب، والحفاظ قدر الإمكان على ما تم إنجازه عبر الاتفاق النووي لعام 2015، يصف قاليباف المفاوضات مع الولايات المتحدة بأنها “خبيثة ولا معنى لها”، مصراً، بدلا من ذلك، على “استكمال سلسلة الانتقام لمقتل قاسم سليماني” وزيادة قوة محور المقاومة.

في الوقت نفسه، تشير قضية الفساد التي اتهم فيها أكبر طبري، النائب التنفيذي لرئيس القضاة السابق آية الله صادق لاريجاني، جنبا إلى جنب مع الدعوات القوية لمحاكمة لاريجاني من قبل أيديولوجيين متشددين مقربين من الحرس الثوري، إلى سقوط محتمل لعائلة لاريجاني القوية، التي كانت حتى وقت قريب تسيطر على كل من السلطة القضائية والسلطة التشريعية.

ما تحت الستار

المفاوضات مع الولايات المتحدة يصفها قاليباف بأنها "خبيثة ولا معنى لها"، مصراً بدلا من ذلك، على "استكمال سلسلة الانتقام لمقتل الشهيد قاسم سليماني" وزيادة قوة محور المقاومة.
المفاوضات مع الولايات المتحدة يصفها قاليباف بأنها "خبيثة ولا معنى لها"، مصراً بدلا من ذلك، على "استكمال سلسلة الانتقام لمقتل الشهيد قاسم سليماني" وزيادة قوة محور المقاومة.

وفي إشارة واضحة إلى تحول المواقف تجاه مسائل السياسة الخارجية والأمنية، عين قاليباف مهدي محمدي، وهو عضو متشدد من فريق التفاوض النووي الإيراني السابق في ظل سعيد جليلي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي من عام 2007 إلى 2013 وممثل خامنئي الحالي في مجلس الأمن، كمستشار له في الشؤون الاستراتيجية.

وفي مطلع الشهر الماضي، حث جليلي، الذي وضع الانتخابات الرئاسية لعام 2021 هدفا أمام عينيه، البرلمان الجديد في رسالة إلى قاليباف، على مراقبة شؤون الدولة كحكومة ظل، وبالتالي العمل بمثابة “إدارة ظل” في تأكيد واستكمال وتصحيح سياسات السلطة التنفيذية.

العلاقات المتنامية بين قاليباف وجليلي، تبدو انعكاساً لما يجري وراء الكواليس لتقويض فرص لاريجاني، رئيس البرلمان السابق، في النجاح إذا قرر الترشح للرئاسة في عام 2021. وفي الوقت الحالي، يقف رئيس القضاة، رئيسي، كمرشح أساسي، حيث نجح حتى الآن في تهميش منافسه السابق، لاريجاني. وإذا فاز رئيسي في نهاية المطاف بمسابقة خلافة القيادة، فسيقود إيران عضو من “لجنة الموت” التي كلفها الخميني بتنفيذ الإعدام الجماعي للسجناء السياسيين.

ولا يقتصر التناغم الإقصائي الذي تقوده الدولة على السياسة وصنع القرار السياسي، حيث يتم وبدعم من المتشددين في السلطة، توسيع هذا النهج السياسي ليشمل المجالات الاجتماعية ووسائل الإعلام أيضا. وفي 21 يونيو، اقتحمت قوات الأمن الإيرانية مكاتب جمعية “إمام علي” لإغاثة الطلاب واعتقلت مديريها. وهي منظمة خيرية غير حكومية تحظى بشعبية كبيرة وتضم أكثر من 10 آلاف عضو، وقد تم تأسيس الجمعية في عام 1999 واكتسبت مذاك الحين سمعة جيدة، خاصة خلال السنوات القليلة الماضية، بسبب مبادراتها الفعالة لمكافحة الفقر والكوارث، في تناقض حاد مع التدخلات الفاسدة وغير الفعالة للحكومة، بما في ذلك الحرس الثوري.

ومن غير المستغرب أن تتهم وكالة تسنيم للأنباء، المقربة من الحرس الثوري، الجمعية ومؤسسيها بـ”بناء الشبكات تحت ستار الإجراءات الخيرية” للتسلل و”التأثير على الرأي العام على مختلف المستويات”. هذا التقرير جاء بعد فترة وجيزة من تعيين الجنرال حسين نجات، وهو من المحاربين القدامى المتشددين في الحرس الثوري الإيراني، نائبا لقائد فيلق “ثار الله”، المكلف بالأمن في طهران وحماية هيئات الدولة المتمركزة في العاصمة.

وانتقد حسن نجاد، القائد السابق في فريق المرشد الأعلى، وهو المسؤول عن خامنئي وأمن أسرته، الغرب بعد احتجاجات نوفمبر 2019 واتهم الدول الغربية بالسعي لتخريب الجمهورية الإسلامية من خلال إثارة الطبقات الفقيرة من المجتمع الذي شدد على أنه “وقع أسيرا للمجال الافتراضي”. وكنتيجة لذلك، يضغط البرلمان الجديد الآن بشكل منهجي على الدولة من أجل فرض سيطرة أكبر على بيئة الإنترنت “غير المقيدة” ومراقبة إنستغرام على وجه الخصوص، بعد أن حذر قاليباف من أن “الأسر والعائلات تتعرض لبيئة ملوثة”. 

جيش لا قيمة له

فترات عمل قاليباف كرئيس لبلدية طهران، وقائد للشرطة الوطنية، ورئيس لمقر مكافحة الاتجار بالبشر يشوبها الكثير من قضايا الفساد والاختلاس البارزة
فترات عمل قاليباف كرئيس لبلدية طهران، وقائد للشرطة الوطنية، ورئيس لمقر مكافحة الاتجار بالبشر يشوبها الكثير من قضايا الفساد والاختلاس البارزة

ذلك الاستحواذ المتنامي للتيار المتشدد يولد، بالتوازي، سخطا شعبيا كامناً، وزيادة في نسبة الاستياء لدى بعض المهمّشين داخل المؤسسة الحاكمة. ويمكن رؤية انعكاس ذلك اليوم في مسألة الرتب العالية للجيش الإيراني “إرتش”، الذي يفترض أن يكون قوة عسكرية محترفة، غير أن الواقع يقول إنه يتم التعامل مع “إرتش” كمجرد شريك صغير للحرس الثوري. ففي مقابلة نادرة، تم حذفها بعد ساعة من نشرها في 24 مايو، انتقد العميد حبيب الله السياري، الضابط المخضرم في الحرب الإيرانية العراقية ونائب رئيس الجيش، تدخلات الحرس الثوري في الاقتصاد والسياسة، ضمنا كمحاولات، معظمها من قبل السياسيين ومنتجي الأفلام التابعين للحرس الثوري الإيراني، لتصوير الجيش النظامي على أنه قوة غير موثوقة وشائكة لا تزال مدينة لحكومة بهلوي قبل الثورة.

ويتساءل السياري “هل الجيش هو عبارة عن مصنع للثلاجات أو الإنشاءات أو الكاميرات التي يجب الإعلان عن كل خطوة له في وسائل الإعلام؟”، مشيرا إلى أن مثل هذه الإنجازات هي مسألة “أمن قومي” ويجب عدم الإفراط في الإبلاغ عنها. إن عدم رضاه الواضح عن “نقص الإحسان تجاه الجيش“، الذي يظهر بشكل خاص في روايات الموالين للحرس الثوري الإيراني في الحرب الإيرانية العراقية، والحاجة إلى أن تبتعد القوات المسلحة عن “التسييس” والمشهد العام، يعد نوعاً من التحذير الواضح حيال العواقب الأمنية لمكانة الشخصيات الشهيرة التي كانت تتمحور حول قائد فرقة القدس القتيل سليماني.

صعود قاليباف إلى السلطة هو جزء من “مخطط أعظم” لضمان بقاء النظام على المدى الطويل في أكثر المراحل خطورة، بفعل منهجية الحكم، وأيضا بسبب التهديدات الأجنبية التي كانت تشكل خطورة منذ ثورة 1979.

لكن هذا لا يعني أن إيران تقترب من الانهيار، مثلما يأمل منتقدوها داخل وخارج إدارة ترامب. ومع عودة الملف النووي الإيراني تدريجيا إلى أجندة الأمن الدولي، بفضل حملة “أقصى ضغط” لترامب وتصعيد إيران الانتقامي النووي، فإن الاستيلاء المتزايد المتشدد على طهران يعني فقط أن النظام في إيران سيفعل كل ما يلزم للبقاء في السلطة وهذا لا يبشر بالخير لمستقبل الديمقراطية والازدهار في ذلك البلد، ولا لآفاق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. مشهد معقد لن يستسلم نظام الملالي له بسهولة. ولكن هل سيتمكن من مقاومة كل تلك التصدعات في عمقه، وما الذي سينتج عن التغييرات التي يجريها من تفاعلات داخل المجتمع الإيراني؟

12